الجمعة، 29 مايو 2026

الرحط

 قطع الرحط من العادات التي تختص بها الأعراس السودانية، ومراسمه تشكل لحظة فارقة في حياة المرأة، إذ يعني إنتقالها من مرحلة في حياتها إلى أخرى، من البنت التي تلعب مع رفيقاتها، وتجلب الماء والحطب، وترعي الغنم، إلى ربة البيت المسؤولة، التي تدير شؤون أسرة قائمة بذاتها. وأول مظاهر هذا التحول هو التخلص من الرحط، الزي الذي لازمها منذ طفولتها، وإستبداله بثياب أخرى من نوع الفركة أو القرقاب، مما يعني أن هناك صفحة من حياتها قد انطوت. لذلك ظل الزواج بالنسبة للمرأة يعرف بقطع الرحط، وهو المرحلة الأخيرة في إجراءات العرس، قبلها يقال فلانة "سدوا مالها" ثم فلانة "عقدوا عليها"، وأخيراً يقال فلانة "قطعوا رحطها"، دلالة على أنها أصبحت زوجة، وبذلك تنفصل عن عالمها القديم وتدخل دنيا جديدة تبدأ فيها حياتها المستقلة في بيتها الخاص. وربط الزواج بالرحط يرجع للعادة التي تلزم الفتيات قبل الزواج أن لا يرتدين سواه، صحيح أنهن يتفنن في تزينة وتلوينه، لكنه يظل زيهن الوحيد، لا يتخلصن منه إلّا بعد قطعه، أي بعد زواجهن، حين يسمح لهن بارتداء الثياب النسائية. وقد استمرت هذه العادة في السودان حتى العقود الأولى من القرن العشرين. وبالطبع فإن قِدمه كزي نسائي لا يحتاج لأدلة وبراهين، فقد كانت الجلود هي الرداء الذي يستتر به جميع البشر، رجالاً ونساء في الماضي البعيد. لذلك لن نتوغل كثيراً في الحديث عند تاريخه القديم، فقط سنتوقف عند محطاته الرئيسية، لأن ما يهمنا هو استمراريته في السودان حتى وقت قريب، وما يعنيه ذلك بالنسبة لهذا الشعب من حيث الأصل والانتماء ونوعية الثقافة.

ظهر الرحط في حياة المرأة السودانية منذ زمنٍ سحيق، فقد تم الكشف عنه في مقابر كدروكة من العصر الحجري الحديث، في تلك الفترة الباكرة، كان يصنع من الجلد المضفور(1). ثم تطور تصميمه بدرجة ما، وأدخلت عليه بعض التحسينات واللمسات الجمالية في حضارة كرمة، بمراحلها الثلاث، القديمة والوسطى والكلاسيكية، والممتدة ما بين حوالي 2500 و1500 سنة قبل الميلاد. ففي هذه الفترة أصبح يصنع من الجلد المدبوغ، بالإضافة إلى نسجه من الصوف، وربطه من أعلى بحزام من الجلد أو السعف المضفور، مع تزيينه بالخرز المصنوع من الأصداف أو بيض النعام أو الخزف(2). وقد وجدت نماذج من هذه الأزياء ضمن المكتشفات الأثرية التي ترتبط بتلك الفترة. والمسألة لم تتوقف على وجوده المادي كنوع من الملابس، بل تم تصويره أيضاً في لوحات تلك الحقب، ففي عمل تشكيلي يعود لفترة كرمة الكلاسيكية، ما بين 1750 و1550 سنة قبل الميلاد، رسمت صورة لملكة مؤلهة وهي ترتدي هذا الرحط على شكل تنورة تغطي ما بين الخصر والركبتين(3). وإستمر هذا النوع من الملابس قيد الإستخدام في الأزمنة اللاحقة. ورغم معرفة الناس بصناعة الأقمشة، ظل هذا الزي على حاله وشكله، فقد عثر على جثمان لامرأة في مقبرة تعود للقرن الرابع الميلادي، أي في نهايات العصر المروي، وهي ترتدي هذا الرحط وتشده حول خصرها بحزام من الجلد(4). أما في الماضي القريب فقد تحدث عن هذا الزي النسائي السوداني عدد من الرحالة. وبالطبع فإن هؤلاء الأجانب، كانوا يبحثون عن الشيء الغريب والطريف، الذي تندر مشاهدته في بلدانهم ليتحدثوا عنه وينقلوا صورته إلى أهلهم. لذلك دائماً ما نجد انطباعات عن هذا النوع من الملابس في رسائلهم ومذكراتهم. أما أهل البلد فقد تغافلوا عنه تماماً، وبالذات في كتاباتهم، لأنه من الأمور المعتادة بالنسبة لهم. ولكن الغرباء اهتموا به، فليس بينهم من مرّ عليه مرور الكرام دون أن يشير إليه. ففي عام 1669 وصفه أحد الرحالة في رسالة بعث بها إلى بلاده يحكي فيها عن مشاهداته في شمال السودان، قال فيها إن الفتيات يربطن أحزمة حول خصورهن تتدلى منها خيوط لا تغطي سوى جزء ضئيل من أجسادهن(5). وفي نفس العام كتب رحالة آخر، واصفاً ما ترتديه النساء في سنار بقوله: أما النساء العاديات والفتيات فلا يلبسن أي شيء سوى ما يغطي من تحت السرة إلى الركبتين(6).

وفي عام 1701 أقام ملك سنار احتفالاً كبيراً بمناسبة تشريف مانجلك قري لعاصمة البلاد سنار، وكان من ضمن الحضور أحد الرحالة، فكتب وصفاً شيقاً لهذا المهرجان، دون أن ينسى ملابس الفتيات، إذ قال أنهن كن يتقدمن الموكب، ويبلغ عددهن الثلاثمائة، وكن جميعاً يلبسن تنورات من الحرير وباقي الجسم ليس عليه شيء(7). وبالطبع من كن في وضعهن لابد أن يرتدين تنورات من أنسجة مميزة لأنهن من الحاشية السلطانية، ومع ذلك ما تغطيه هذه الملابس الناعمة من أجسادهن، لا يتجاوز ما يحجبه الرحط، مع فارق في نوع الرداء لا في مقدار السترة. فهذه من الأقمشة الراقية، وتلك من السيور الجلدية. على العموم هذا هي ملابس الفتيات في بلاط سلطان أول دولة سودانية تعلن عن تبنيها للإسلام، ولكن من الواضح أنها كانت تدير شئونها وفقاً للقيم المحلية.

هكذا كان حال سنار في بداية القرن الثامن عشر. وفي العقد الثاني من القرن الذي تلاه، وبالتحديد في عام في عام 1813، زار السودان رحالة آخر وقد كتب ضمن مشاهداته أنه رأى فتيات الشمال يرتدين الرحط على أصوله، وقد وصفه بالشراريب الجلدية(8). وقبل أن يمضي عقد من الزمن جاء رحالة آخر مع بداية الغزو التركي عام 1821، وعاش في الشمال لبعض الوقت، وكتب الآتي عن ملابس البنات: ترتدي الفتيات حول خواصرهن حزام العذرية (الرحط) من جلد الغزال حتى يتزوجن(9). والشمال هنا ليس مجرد إتجاه جغرافي، وإنما هو موقع حضاري وثقافي وديني، فإذا كان الرحط هو الزي الذي ترتديه البنات في هذه المناطق حتى بدايات القرن التاسع عشر، فإن ذلك يعني أنه كان يجد القبول في أنحاء السودان كافة، بغض النظر عن عقيدة السكان.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، أتى إلى السودان أحد الرحالة، وقد سجل ملاحظاته منذ اللحظة الأولى التي تخطى فيها الحدود المصرية، وأول ما لفت نظره، هو التباين الواسع بين القطرين، وقد أعد مقارنة تظهر ما لمسه من فوارق. فالاختلاف لا يقف عن نوعية الأرض فحسب، بل هناك أيضاً اختلاف في اللغة والعادات والبشر أنفسهم. على حد تعبيره، أما عن مشاهداته، وهي كثيرة، فقد أبرز من بينها الملابس التي ترتديها الفتيات، فقال: "أما الصبايا ـــ ويعني البنات غير المتزوجات ـــ فيلبسن الرحط وحده، وهو لباس من السيور الجلدية مشهور في السودان". أما الأطفال دون الثانية عشر، فهم في الغالب عراة(10). لقد كانت هذه أولى الانطباعات التي لتقطها عندما انتقل إلى الجانب السوداني في أقصى الشمال، ومنها بدأ يتعرف على عادات أهل البلاد، ومن ضمنها أزياءهم.

وعندما وصل إلى الخرطوم تحصل على المزيد من التفاصيل عن هذا الملابس النسائي، فذكر أن الفتيات يلبسن الرحط حتى يتزوجن، وهو مصنوع من مئات السيور الجلدية، وموشى بأهداب، ومزين بالودع، وهو رمز لعذرية الفتاة، ويستبدل يوم الزواج بمئزر قطني "يعني القرقاب"(11). إذن هو ليس زي اختياري ترتديه الفتاة متى تشاء وتخلعه متى تشاء، وإنما هناك لحظة فارقة في حياتها تتيح لها التخلص منه. وعندما وصل إلى كردفان عمم مشاهداته عن الرحط على جميع أنحاء السودان. فحسب قوله أن بناتها يلبسن الرحط كما في كل أنحاء السودان، ثم أضاف بأنهن يعرفن أن هذا الزي يبرز جمالهن(12)، وربما هذه الملاحظة، هي التي جعلت قطع الرحط من أهم مراسم حفلات الزواج. ومن خلال ما استعرضه هذا الرحالة عبر هذه التنقلات الواسعة، يتضح أن الرحط هو الزي الذي كانت ترتديه الفتيات في جميع أنحاء السودان، وليس لإرتدائه إرتباطاً بالمزاج الشخصي أو الرغبة الذاتية، وإنما كانت تجبرهن العادات والتقاليد على لبسه كرمز للعذرية، في مقابل القرباب، الذي يدل على الانتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة، فهو لا يتم التعامل معه كنوع من الملابس فقط، وإنما هو زي له مدلول اجتماعي، وهذا ما دعم استمراريته حتى منتصف القرن الواحد والعشرين.   

وإذا ما تقدمنا في الزمن بعض الشيء، نجد في الربع الأول من القرن العشرين، وفي أواسط البلاد، وبالذات في العاصمة، كتب أحد موظفي الحكومة الإنجليزية عن أزياء الفتيات قائلا: كُنَّ يلبسن تنورات من الجلد رديئة الصنع أو خرقاً تكفي لستر العورة فقط(13)، وبالطبع طالما أنه أوروبي فلا بد أن يرى في هذه الملابس خرقاً. ثم جاء آخر في الفترة نفسها ليصف العروس بقوله: كانت تلبس أغلى الثياب من وسطها فنازلاً، وأما صدرها ورأسها فلا يستردهما إلا الحلي(14). حتى ذلك الحين كانت الفتيات لا يسترن أجسادهن بغير رداء يغطي ما بين الخصر والركبتين، سواء كان من الجلد أو القماش، وفي الحالتين يحمل نفس الإسم المتعارف عليه، وهو الرحط، وكان قطع الرحط" التعبير الأكثر شيوعاً عن العرس، حتى أن المرأة كانت تسأل صاحبتها بعفوية: "بتك لسه ما قطعوا رحطها؟" أي تسألها عن زواج ابنتها. وقد ظل هذا الزي وما يتبعه من عادات سارياً حتى النصف الأول من القرن العشرين. ففي أوائل عام 1926 زار الخرطوم وفد من السياسين والصحفيين المصريين للمشاركة في إفتتاح خزان سنار. وقد تنقل بعضهم في شوارع وأسواق العاصمة، وبعد عودتهم للقاهرة نشروا مشاهداتهم في الصحف. وما يعنينا هنا هو الوصف الذي قدمه الصحفي محمد حسين هيكل في ذلك الوقت عن ملابس الفتيات في السودان، فقد كتب: الرحط لباس للفتيات يأتزرن به، ما دمن أبكاراً. وهو حزام من جلد يبلغ عرضه قيراطان أو ثلاثة قراريط، تتدلى منه خيوط رفيعة من الجلد، وهي كثيرة وكثيفة، فإذا شدت الفتاة حزام الرهط على خصرها سترتها هذه الخيوط حتى ركبتها(15). فحتى ذلك التاريخ القريب من عهدنا كان الرحط يسجل حضوراً لا تخطئه العين في أزياء بنات السودان.

وفي أواخر الثلاثينيات كتب القاضي الشرعي عبد الرحمن أحمد، صاحب جريدة "السودان" التي صدرت لأول مرة في عام 1934، وكان يزيل مقالاته بـ"إبن السودان"(16). إذ كان الكتاب في زمن الانجليز يتوارون خلف اسماء مستعارة خوفاً من قمع السلطات(17). على العموم، لقد كتب مقالاً يدعوا فيه للإقلاع عن عادة لبس الرحط بالنسبة للفتيات والقرقاب بالنسبة للنساء المتزوجات(18)، وهذا أول مواطن سوداني يسجل إعتراضه على ارتداء هذه الأزياء. مما يعني أن الرحط والقرقاب كانا من الملابس النسائية الأكثر انتشاراً في أوساط الأسر السودانية طوال النصف الأول من القرن العشرين، وهما يشكلان العلامة الفارقة في حياة المرأة، التي تحدد حالتها الإجتماعية. وفي نفس الوقت فإن التمسك بارتدائهما حتى هذا الوقت القريب، يدل على هوية هذا الشعب ونوعية ثقافته. ويطرح علامة استفهام كبيرة ومعها علامة تعجب حول القصص الخيالة التي نسجت في زمن الحكم الأجنبي، عن تعرض السودان لهجرات جماعية من العرب، قالوا أنهم حلوا بهذه الأرض أفواجاً وزرافات، ولكن حين ننظر في واقع الحال، لا نجد لهم أثراً في العادات والتقاليد السائدة بين أهل البلاد، حتى النصف الأول من القرن العشرين، كان كل شيء على ما هو عليه، في الملابس وغيرها، إلى أن بدأت الأصوات الناقدة تعلو من المستعربين الجدد، خريجي المدارس النظامية التي أنشأها المستعمر، أما قبل ذلك فقد كان كل شيء يسير وفقاً لما تعارف عليه الناس، ولم يظهر للمؤثرات الخارجية دور فعال، إلا مع المحتل الأجنبي، لأنه استجلب معه مؤسسات لتغيير الوعي لم يعهدها الناس من قبل. أما بعض الأفراد من العرب الذين تسللوا إلى هذه البلاد في الماضي، فقد ذابوا في المجتمع وتبنوا قيمه، ولبست بناتهم الرحط مثل بنات أهل السودان، دون أن يعترض أحد، أو يرى في ذلك ما يشين، إلى ثلاثينيات القرن العشرين، لتظهر أول الأصوات التي تدعوا للخروج عن المألوف، وتغيير نمط العادات السائدة، وكانت تلك الأصوات من خريجي كلية غرودون، وليس من العرب المسلمين الذين هاجروا من قبل للسودان، مما يجعل أمر قدومهم الذي لا طعم له ولا لون ولا أثر، مسألة مختلقة، صنعتها نفس المؤسسات التي جاء بها المحتل، وعمل على ترويجها، من أجل تغيير هوية هذا الشعب وفصله عن جذوره وماضيه وزرع انتماءات جديدة مستحدثة تفرق بين أبنائه. وبكل أسف استلم منهم الراية خريجي مدارسهم من أولاد البلد، وتبنوا دعواهم، وصارت الجنسية لا تمنح للمواطن إلّا إذا كتب في الأورنيك أنه ينتمي لهذه الأرض منذ دخول العرب السودان، ولكن قيم الحياة الاجتماعية المتمثلة في العادات والتقاليد تفضح زيف الانتماء العربي المتوهم، وتكشف عن أن تراث هذه البلاد أقدم من ذلك بكثير، ولم تتغير عاداته وتقاليده لتواكب ما لدى العرب حتى النصف الأول من القرن العشرين.

لقد إستعرضنا بعض الشواهد التي تدل على أن الرحط كزي نسائي سوداني ظل مستخدماً منذ العصر الحجري وحتى منتصف القرن العشرين، ومع ذلك نجد بعض الكتاب يتحدثون عنه بإشارات توحي بأنه تسلل إلى هذه البلاد تحت تأثير الثقافة العربية. وهذا جزء من حملة التزوير الممنهجة التي ظهرت مع الحكومات الأجنبية. فنجد أحدهم يتحدث عن وجود هذه الملابس في السودان على خلاف الدول العربية الأخرى، ثم يقول: أما الرهط فهو لباس عربي قُح، ولبسه كان شائعاً لدى بنات العرب الصغار(19)، في البداية نحمد له إقراره بأن هذا النوع من الملابس لا يوجد إلّا في السودان على خلاف الدول العربية الأخرى، مما يعني أنه من خصائص ثقافة أهل السودان ولم يستمد من غيرهم. ولكنه يعقب الإقرار بقوله أنه لباس عربي قُح، وكأنه يلمح إلى أن أهل السودان قد إستشفوه من العرب، فبما أنه كان معروفاً لديهم، فلا غرابة أن يكون قد انتقل إلى السودان، فسكان هذا البلد ليست لديهم ثقافة خاصة، وكل ما لديهم مستمد من العرب. إذا كان هذا هو مقصوده ـــ وأظن أنه كذلك ـــ تكون "دي حسادة ساي" من أصحاب الإستعراب القسري، حتى هذا الزي الذن يتكون من قطعة واحدة، ولا يغطى من الجسد إلّا المنطقة ما بين الخصر والركبتين، أخذناه من العرب. إذن ماذا كان لدينا من قبل؟ ماذا كانت ترتدي بناتنا قبل أن يعرف العرب طريقهم للسودان، هل كنّ يخرجن عاريات؟ إن الترويج لعروبة السودان، لا ينبغي أن يبني على مثل هذه الأقوال الفطيرة. عليكم الإستناد إلى الدين واللغة، فهما يحملان التأثيرات الواضحة للثقافة العربية. ولكن هذا لا يكفي، فهاتين الرافعتين وحدهما لا يمكنهما تحمل ثقل البنية الثقافية لشعب. فالمسيحية التي خرجت من فلسطين، قيادتها الدينية اليوم تقبع في الفاتيكان، دون أن يدعي أهل روما أو بقية الطليان أن جدودهم جاءوا من بيت لحم. والإمبريالية الأوروبية نشرت لغاتها وعقائدها في الكثير من بقاع الأرض، دون أن يصبح سكان هذه الأرجاء من أصحاب الدم الآري. فهوية الشعوب تكمن في تراثها، لا في تلونها الديني والغوي. والعرب في السودان لا نصيب لهم في تراث أهل البلد، ووجود الرحط نفسه كزي نسائي حتى منتصف القرن العشرين فيه دلالة واضحة على أن تأثيرات الثقافة العربية على التراث الشعبي السوداني كانت صفراً كبيراً، وهو ليس في ذلك فحسب بل في كل ما تحدثنا عنه إبتداءً من عادات الولادة ثم الطهور والعرس، وما لم نتحدث عنه بعد. فالرحط من الملابس السودانية ذات الإمتداد الأفريقي. وبالطبع قد يكون له وجود في دنيا العرب قبل ظهور الإسلام، ولكنه بعد ذلك تلاشى من مجتمعاتهم. كما أن القول بأنه لباس عربي قُح فيه درجة من التخصيص تصل حد المبالغة، فهو لم يكن وقفاً عليهم حتى يصبح سمة حصرية لثقافتهم، فمن المعروف أن جميع شعوب الأرض كانت ترتدي الجلود في الأزمنة القديمة، وهذا الحقيقة تجعل الإشارة إلي أن العرب كانت ترتديه قولاً بلا قيمة. أما عن إشارته لعلاقة ذلك بالعرب، فكان من الضروري أن يحدد في أي عهد كانت صغار بنات العرب يرتدين هذا االنوع من الملابس، هل قبل الإسلام أم بعده؟ فقد قيل أن العرب في الجاهلية كان رجالهم يطوفون عراة والنساء في رهاط(20)، وهذا صحيح، ولكن هل الذين جلبوا الثقافة العربية للسودان، جاءوا إلينا من الجاهلية مباشرةً، أم بعد ذلك بقرونٍ، كانت فيها حضارتهم قد إزدهرت، وأصبحوا أهل مدنية. إن إدعاء التأثيرات العربية بهذه الطريقة الفجة يتناقض مع حقائق الواقع، فالعرب فتحوا الكثير من بلدان العالم، ولم يعلموا نسائها لبس الرحط، فلماذا كان السودان إستثناءً؟، مع أنه لم يخضع لفتوحاتهم في الأصل. أليس في ذلك ما يدل أن محاولات التعريب التعسفية ليست إلا أباطيل ودعاوي زائفة تحركها أغراض أيديولوجية. دفعت البعض لتزوير الحقائق بإنتقاء النماذج التي توافق أهواءهم، وانتزاعها عن سياقها التاريخي، وتقديمها كفرضية مقبولة يمكن أن تفسر الحالة السودانية. مع أن وجود هذا الزي في المجتمعات العربية ـــ إن ثبت ـــ فلا بد أنه كان في فترة ما قبل الإسلام، وقد أقلعت النساء عن إرتدائه قبل أن يغادرن وثنيتهن بالكامل، ثم عزز الإسلام ذلك وأضاف إليه شروط جديدة، منها أن تكون ملابس المرأة ضافية تغطي معظم الجسد ولا تكشف إلا الوجه والكفين والقدمين، فأين هذا من الرحط؟ وعليه، فإن كان حديثه عن زمن موغل في القدم، فإنه من المستبعد أن تكون للعرب تأثيرات ثقافية على السودان في تلك الحقب، أما إذا كان الحديث عن الفترات اللاحقة، فلا يكون ذلك مقبولاً إلّا بافترض أن جيوباً من عرب الجاهلية ظلت مختفية في مكانٍ ما من بقاع الجزيرة العربية، ثم تحركت وهي محملة بكل موروثاتها القديمة نحو السودان في القرن الرابع عشر الميلادي أو قبله بقليل، وحين استقرت به طبعت ثقافته بميسمها الجاهلي. هذا فيما يتعلق بالفترة الزمنية لإنتقال الأثر الثقافي العربي للسودان. أما المفارقة الثانية فتكمن في المرحلة العمرية لبنات العرب اللاتي قيل إنهن كنّ يرتدين تلك الملابس، فإن كان المقصود طفلات يافعات فإن الأمر يختلف، لأن من كن يرتدين الرحط في السودان نساء في سن الزواج قد اكتملت أنوثتهن. وبالتالي فهناك فرق واضح، سواء من حيث السياق التاريخي أو من حيث المظهر الاجتماعي، فإن كان الكلام عن الفترة التاريخية، فالتأثير العربي وصل للسودان بعد الإسلام، ولذلك لا ينبغي أن يكون محملاً بمثل هذا النوع من العادات والأزياء، وإن كان عن الصورة الاجتماعية، فأن الإسلام يدعو المرأة للإحتشام في ملبسها وهذا ما لا يوفره الرحط. وبناءً على ذلك، يبدو واضحاً أن هذه كانت عادة سودانية لا علاقة لها بالعرب، وإنما هي أكثر قرباً للتقاليد الأفريقية، ومحاولة تعريبها لا تخلو من نزعة ذاتية تميل لطمس الحقيقة، وإستبدالها بواقع مزيف.

ولهذا الزي موقع خاص لا يخلو من رمزية في الأعراس السودانية، إذ يظل القطعة الوحيدة التي تغطي جزء من جسم العروس في ليلة قطع الرحط، ونزعه عنها يعد بمثابة إعلان عن بداية الحياة الزوجية. ولهذه المناسبة تقاليد وتصورات معدة مسبقاً، فتجهز العروس ويوضع لها عنقريب في صدر المحفل، تحيط بها النساء، وهي لا ترتدي سوى الرحط، الذي يغطي ما بين الخصر والركبتين أما بقية جسدها فهو كاشف لا يستره شيء سوى السلاسل والحلي التي يوضع بعضها على الرأس والبعض الآخر يتدلى من العنق. بهذه الهيئة تجلس العروس على العنقريب المخصص لها، وفي المقابل يوضع عنقريب آخر للقادمين من الرجال. وبعد وجبة العشاء، ينتقل العريس ومعه إثنان من وزرائه إلى حوش النساء، إستعداداً لبدء حفل قطع الرحط، فيستقبل بالزغاريد والغناء، ثم يجلس هو ووزيريه على العنقريب المعد لهم، وعلى إيقاع الدلوكة يبدأ الغناء، فتنتقل العروس إلى السباتة، وتبدأ في الرقيص، بينما يحوم العريس حولها وهو يهز فوقها بالسوط والفركة على كتفه، وفي لحظة معينة من الرقيض يحددها إيقاع الدلوكة وتسارع الغناء، يقطع العريس الرحط، فينزع عنها قطعة الملابس الوحيدة التي تغطي جسدها، ولا يرون في ذلك حرج لأنه يتم وفقاً للعادات التي تعارف عليها الناس، كما أن ظهور العروس بهذا الشكل المكشوف يرون أنه ضروري لكي يشهد الجميع على جمالها. وبعد تلك اللحظة يقوم العريس بلفها بالفركة(21)، ثم يستمر الحفل الذي تواصل فيه العروس رقصها بزيها الجديد، وقد أصبحت زوجة. هذا نوع من التقاليد القديمة التي ظلت تمارس في الأعراس حتى وقت قريب، وقد نقل حسن نجيلة صورة لحفل قطع الرحط في الوسط حتى ثلاثينيات القرن الماضي بقوله: "في المدن يسمح للعروس أن ترقص شبه عارية وفي خلاعة أمام عدد ضخم من الرجال والنساء، ويحدث هذا أكثر من مرة خلال أيام عرسها"(22). هذه شهادته كما أوردها. وهي تؤكد أن العروس كانت ترقص شبه عارية حتى حلول القرن العشرين. وهذا أيضاً ما حفظته من قبل، قصة تاجوج والمحلق في روايتها الشفاهية(23)، التي وقعت أحداثها في منطقة الحمران على نهر عطبرة في منتصف القرن التاسع عشر(24) وفيها نجد تجسيد لعادة قطع الرحط، وما كانت تعنيه للناس في تلك الأوقات. وفي الحوار الذي تضمنته هذه القصة تتردد مقولة: "لا عيب في العادة" وكأنه تبرير لما قد يرى اليوم تعرياً غير اللائق، لكنه في وقته كان مقبولاً بحكم العرف الذي توافق عليه المجتمع. وأخيراً علينا أن نتساءل إذا كان الرحط السوداني هو الرهط العربي كما يقول عبد المجيد عابدين(25)، وكما يرد في قاموس اللهجة العامية(26)، فهل "قطعه" الذي يعني تعرية العروس أيضاً عربي؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك بما يوجب علينا أن نبحث بتروي ودون هياج عاطفي عن المصدر الثقافي الذي إستلهمنا منه هذا الموروث. كما علينا في كل الأحوال، أن نحذر من أن يجرنا تغير المفاهيم والقيم إلى تزوير التاريخ. فهذا هو الرحط الذي حافظ عليه المجتمع السوداني حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، والذي يبدو واضحاً أن أصوله محلية، تشده للواقع الأفريقي، دون أن يتأثر بمفاهيم واردة، وهو بذلك يقف دليلاً يتصدى لمزاعم الهجرات العربية الجماعية للسودان.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 186.

2 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 220.

3 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 284.

4 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013. ص 22.

5 ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى؛ 2017، ص 530.

6 ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012. ص 19.

7 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة، 2017، ص 58.

8 ـــ جون لويس بوركهارت؛ رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان، ص 57.

9 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان، الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 51.

10 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 59.

11 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 117.

12 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 181.

13 ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الثانية ـــ 2016، ص 146.

14 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 270.

15 ـــ حسن نجيلة؛ ملامح من المجتمع السوداني، الجزء الثاني، 2005، ص 261.

16 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158 ه 3.

17 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ 1989، ص 64.

18 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

19 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

20 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 382.

21 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 271.

22 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 149.

23 ـــ عبد الله الطيب؛ الأحاجي السودانية؛ مطبعة جامعة الخرطوم ـــ 2008، ص 170. 

24 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 69.

25 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

26 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 382.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...