الأغاني التي تقدم في هذا الطقس تسمى "البنينة"، أما القصائد فتسمى "السومار"، وفي الحالتين هي الإطار الذي يمتدح من خلاله العرسان، كلمات منظومة تشيد بحسن مناقبهم، وطيب أصلهم، وكرم خصالهم. ولكن لماذا هذه الأسماء الغريبة؟ لماذا لم نعرفهما بمفردات من لغتنا الحالية، فنستخدم الألفاظ التي تشير إلى ذلك بشكل مباشر: أغنية، شعر، لحن، قصيدة؟ وإنما أُطلق عليهما اسمان خارج نطاق التداول في الوقت الحاضر، ولا يوجد لهما مقابل في القاموس العربي بنفس المعنى والدلالة.
هذا الأمر لا
ينبغي أن يثير الاستغراب، فهما مثل كثير من العناصر التراثية التي نعايشها في
مجريات حياتنا اليومية، دون أن نتحرى عن أصلها وفصلها، أو جذورها وخلفياتها، فهي
من الموروثات التي استقرت في وجدان المجتمع، وتأطرت ضمن منظومة القيم والعادات
والتقاليد، فأصبح الحياد عنها خروجاً عن المألوف، وذلك ما أكسبها القدرة على
الصمود في وجه الزمن. ونفس الحال ينطبق على الكثير من المفردات التي تجري على
ألسنتنا اليوم، فهي ذات أصول ضاربة في القدم، ومُنبتّة الصلة بالعربية، وقد أصبحت
دارجة في كلامنا، نستخدمها ونفهمها دون أن نتفحص مصدرها اللغوي. فكلمة "جرتق"
نفسها التي تتضمن مظاهر هذا الاحتفال، ليست عربية، و"الأنقيب" ـــ
الشاعر الذي يلقي القصائد في هذا الحفل ـــ يحمل لقباً لا علاقة له بالعربية؛ ومن
ينظر بتمعن، يرى في تراثنا الكثير من هذه المظاهر.
لقد تشكلت هذه التقاليد حين كانت مجتمعاتنا تتحدث بلسانٍ
آخر، ثم توارثتها الأجيال بنفس صيغها ومفرداتها، وظلت تتجسد قولاً وفعلاً في
مسارات الحياة، فرغم تقلب الزمن، وتغير الأحوال لم نتوقف عن مزاولتها عملياً أو
نكف عن تداولها لفظياً، نتعامل معها بمنتهى الالفة، مع أنها، في كثير من جوانبها،
أصبحت مبهمة الدلالة، غامضة المعنى. وهذا تماماً ما ينطبق على هذه الأغاني
والأشعار، فنحن لا نستوعب بعض مفرداتها، لكننا حريصون على حفظها نصاً، ومتمسكون
بمضمونها وأسلوب أدائها.
يبدو أن هناك عوامل قوية أبقت على هذه المظاهر
الاحتفالية حية رغم تعاقب الأزمنة، فمن التقاليد الراسخة أن طقس الجرتق لا يكتمل
إلا بحضور مغنٍ يترنم بالبنينة، وشاعر يشدو بالسومار، ووظيفة كل منهما الإشادة
بالعرسان وأسرتيهما. ولكن ما هي الدوافع التي جعلت هذا الأداء يتشكل على هذا
الصورة؟ لا أحد يملك إجابة! إلا إذا أخذنا هذه المراسم وعدنا بها إلى الأزمان
الغابرة، فقد نجد لها نظيراً في بقعة ما من التاريخ.
والأماكن الأكثر ترجيحاً التي يمكن أن تتجسد فيها مظاهر
احتفالية تزخر بهذه المضامين، هي القصور الملكية حيث يكثر المنشدون، فهنا تجد
الكلمات التي تمجد السلاطين تقدم إلقاءً ولحناً، وفي أروقة صروحهم تزدهر صناعة
المديح الذي ارتبط بالطبقات القائدة، حسب تعبير محمد المكي إبراهيم(1).
ومن مواقع النفوذ انتقلت هذه الظاهرة إلى قاعدة المجتمع، وعلى منوالها نسجت
الأغاني والأشعار التي تؤدى في طقس الجرتق، حيث يعامل العرسان في هذا اليوم كملوك
حقيقيين. والمسألة ليست مجرد تمثيل، وإنما هي مخاطبة جادة للقوى الغيبية، بأن
تحيطهم بحمايتها، وتشملهم بعطفها ورعايتها، مثلما تفعل مع الملوك، الذين كانوا ـــ
في عرف أهل ذلك الزمان ـــ من نسل الآلهة، وبحكم هذه العلاقة، فهي تصونهم وتحصنهم
من النكبات والبلايا. لذلك تأتي إجراءات هذا الحفل نموذجاً مصغراً لاحتفالات تنصيب
الملوك، تضم كل المراسم التي تدخل في هذه العملية، ويندرج ضمنها دور المادح الذي
يقوم بتمجيد العرسان، بالطريقة نفسها التي كان يروج بها للحكام، وذلك بتفخيم
مكانتهم، والإشادة بمحاسنهم والإعلاء من شأن أسرهم، وإغداق الإطراء عليهم، بما
فيهم وما ليس فيهم.
كل ذلك يتم من خلال أغنية تسمى البنينة، أو إلقاء شعري
يسمى السومار. وهي نوع من الإطراء الشخصي، ومن هذا السياق الوظيفي الذي تقوم به
يمكن أن نستشف المضامين التي تشير إليها هذه الأسماء، غير أننا لا نستطيع أن نحدد
معانيها على وجه الدقة، لأن القالب اللغوي الذي كانت تقدم فيه قد اندثر. ومن
الطبيعي أن هذه الألفاظ كانت مفهومة في زمانها، وكان هناك تطابق بين الاسم
والمسمى. أما اليوم فقد أصبح الاسم غريباً وإن ظل الفعل ماثلاً، فهو جزءٌ من
التراث نتعامل معه دون أن نفسره.
البنينة ـــ العمق التاريخي:
الجرتق في كل تفاصيله يمثل عملية محاكاة لمراسم تنصيب الملك، التي تتضمن
تقديم الأغاني وإلقاء القصائد والكلمات المنمقة تمجيداً له وترويجاً لعهده الزاهر.
لقد ظل المغنون والشعراء أهم أبواق السلطة وأدوات إعلامها، فكل بلاط ملكي أو بيت
حاكم لابد أن يكون في حاشيته شاعر ينظم الأبيات، وآخر يتغنى بها من أجل تعظيم
شأنه، فهو سليل الأسرة الكريمة، الشجاع المقدام الباسل الشهم. وهذا ما نجده في
تقاليد الحكم لدينا حتى وقتٍ قريب، فقد كان كل "مك" أو
"مانجلك" أو "أرباب" يتبعه "أنقيب". والأنقيب لفظ
من لغاتنا القديمة ظل حياً في دارجيتنا، ويعني في الأصل مساعد الراعي الذي يقرع
البهائم ويوجهها نحو مراتع الخصب وموارد المياه، فأطلقت على شاعر السلطة ـــ ربما
تهكماً ـــ الذي يمجد الزعيم، ويعمل في الوقت نفسه مستشاراً له يعاونه في إدارة
شؤون الرعية(2)، ولكن وظيفته الأولى أن يصوغ القوافي ليكيل فيها المديح
لصاحب السلطة، وأن يبث هذه الكلمات بين الجمهور ليترنموا بحسن سيرته ومكارم
أخلاقه.
هذا الشعر لدى الحكام من أهم أدوات الإعلام السياسي. أما على المستوى
المجتمعي فله مدلول آخر يرتبط بقناعات قديمة تضع الملك في مرتبة أسمى من البشر،
فيحاط بهالة من القداسة. وبما أن العريس هو الملك في هذه الليلة، فلا بد له من
أنقيب يجيد نظم الكلام، فينمق
العبارات التي ترفع من شأنه وتكيل له الصفات الحميدة، وهذا هو دور البنينة والسومار في الأعراس، إنه
مواصلة للتقاليد القديمة التي تضع العريس في موقع الملك. والمسألة ليست محاكاة
بلهاء، وإنما عملية لها عمق روحي اكتسبته مع الزمن، وأصبح لها ارتباط وثيق
بمعتقدات الناس، تجعلها أقرب لمظاهر التقرب إلى للآلهة، تترتب عليها في حالة
التقصير والإخلال عقوبات وعواقب، قد يكون من بينها العقم أو العجز أو الفقر
والمرض، لذلك يتمسك بها الناس ويواظبون على أدائها بحرص.
القيمة المعنوية لأغاني الجرتق دفعت بلفظ
"البنينة" إلى الواجهة وجعلته يتردد كثيراً في الأغاني التراثية، وأمام
هذا التواتر، مع غياب المعنى المباشر للكلمة، ظهرت بعض الاجتهادات التي سعت إلى
الاقتراب من مدلولها عبر طرق متباينة، أكثر المحاولات ذهبت في اتجاه البحث عن
منافذ لإدراجها ضمن الثقافة العربية، فأنتجت تفسيرات تبدو بعيدة عن السياق الوظيفي
للكلمة. غير أن هناك محاولات أخرى مضت في الاتجاه المعاكس، وعملت على البحث عن
معناها ومضمونها في أروقة التاريخ ومستودعات الموروث، وكانت النتيجة ـــ في وجهة
نظري ـــ أقرب إلى الواقع، مع أن الجهود التي بذلت في هذه الوجهة كانت قليلة،
ولكنها بمثابة الخطوات الأولى على أرضية ثابتة، فيها لا تفصل الظاهرة عن بيئتها،
ولا يتم التعامل مع المفردات كألفاظ مجردة.
ومن هذا المنظور وضعت كلمة "البنينة" في مسار
يتلاءم مع طبيعتها، فأدرجت ضمن مراسم طقوس الجرتق
القديم، الذي شاهدنا ملامحه الأولى في لوحات العهد الكوشي، مما جعل هذا
التصور يبدو مقبولاً إلى حدٍ كبير، خاصة في تحديد المرحلة الزمنية التي ظهرت فيها
النصوص المبكرة لهذه الأغنية. فبعد التعرف على بعض الرموز اللغوية، اتضح أنها تعود
إلى العصر المروي، وإذا صحت هذه القراءة، يمكننا القول إنها ـــ على الأقل ـــ
أصبحت منذ ذلك العهد جزءاً من التقاليد المتوارثة، تغنى عند تنصيب الملوك وفي
احتفالات الأعراس، وتؤدى بنفس الطريقة، لتحقق نفس الهدف، وهو امتداح المحتفى به
وإسباغ الثناء عليه.
لقد اتضحت ملامح هذا التصور بعد أن تم الكشف عن المعاني
المتضمنة في بعض المفردات المروية ومن بينها صيغة اللازمة التي تتكرر في هذه
الأغنية وهي تقول:
بنينه
هييه؛ بنا بِين يا بينا؛ يا بنينه هييه
اللفظة الرئيسية فيها تتركب كالآتي: "بَ ـــ ني ـــ نينو"؛ أولها بَ: وتشير إلى شيء له علاقة بالرجل؛ ثم ني: وتعني حسن الأخلاق أو صاحب خصال حميدة؛ ونينو: التي تعني يظهر أو يبين أو يبرز في الساحة(3).
والمعنى العام هو تقديم صورة تقريظية يمتدح بها الشخص
المعني، ويشاد بمناقبه، وما يتمتع به من كرم وشجاعة وحكمة، وهي نفس المعاني التي
تتضمنها البنينة التي تقدم اليوم في حفلات الزواج، فهذا النوع من الغناء ظل يدور
في هذا الفلك منذ ذلك الزمن وحتى وقتنا الحاضر، مما يعني أن التغني بمكارم أخلاق
العريس وإضفاء الصفات التي ترفع من شأنه وشأن عائلته ليس وليد اللحظة، ولا نتاج
مزاج شخصي، أو مجرد تعبير عن الإعجاب، وإنما هو تقليد تاريخي راسخ.
لقد
كانت هذه الأغنية تحمل المعاني نفسها وتؤدى بالقالب
ذاته منذ أمد بعيد، وتوارثتها الأجيال حتى اليوم. ففي كل زمن كانت تقدم باللغة
السائدة حينها، وربما كانت بداياتها الأولى في عهود كوش المبكرة، ثم انتقلت إلى
مروي، ومنها إلى المقرة وعلوة، إلى أن وصلت إلينا. وفي كل حقبة كانت الكلمات
تُستبدل لتتوافق مع لسان المرحلة، بينما تظل المعاني في جوهرها واحدة.
وعندما انتقلنا للحديث بالعربية، أعدنا صياغتها بأسلوب
يتواءم مع أداة الخطاب الجديدة، لكن دون التنازل عن بعض الألفاظ المروية، وربما
دون التنازل عن الصيغة اللحنية أيضاً. فالمقطع أو البيت الأكثر تكراراً في الأغنية
يظل باقياً، وتتغير الكلمات من حوله، فهو كما تقول العرب "بيت القصيد"
وهو بحق كذلك، وإن لم تكن لألفاظه وقع في الأذن العربية.
أما
من حيث طريقة الأداء التي تقدم بها اليوم، فقد لاحظت في
كل الأغاني التي استمعت إليها أنها تتبع أسلوباً في الغناء يكاد يكون متطابقاً،
مما يعني أن نمطها اللحني متوارث. فكل من أراد أن يبتدع أغنية بصيغة البنينة،
فعليه أن يجري جميع المقاطع على نفس النسق من البداية إلى النهاية. وهذا يدل على
أنها من التراث القديم، ولا علاقة لها بأي مصدر خارجي، لا بالعرب ولا
بغيرهم. وكلمة بنينة نفسها لا وجود لها في العربية
بمعنى له علاقة بالغناء أو المدح، وإنما تطلق على نوع من الأطعمة. كل ذلك قد يشكل قناعة بأن هذه الطريقة
في الأداء الغنائي من إبداعات الأسلاف.
البنينة ـــ الامتداد الجغرافي:
هذه الأغنية بما تحمله من ملامح ذات خصوصية، ترتبط بالثقافة المحلية،
لا يبدو أنها كانت محصورة في موقع دون آخر، وإنما كان لها انتشار واسع في الساحة
السودانية، ونجد لها نماذج في أكثر من مكان، وسوف أستعرض ما تحصلت عليه من نصوص في
كل حالة، ولكني سأكتفي بمقطع واحد فقط من كل أغنية للتعريف فقط حتى لا أطيل. وأبدأ أولاً بالصيغة الأكثر انتشاراً في الوسط والشمال، والتي يمكن
أن تمثلها الأغنية الشهيرة التي يقول مطلعها:
بنَ بنْ يا بينا يا
بنينه هييه .. نحمد ربنا الشفنا جديد دُخرينا
قطعاً الشطر الأول لا أحد فهم منه شيء، لأنه يمثل الجزء المروي من
البيت، أما الشطر الثاني فهو واضح لأنه جاء بدارجيتنا اليومية، ومعناه حمداً لله
الذي أتاح لهم أن يروا ابنهم المدخر ليوم الحوبة وقد انتقل إلى مرحلة جديدة من حياته.
وبنفس
هذه المعاني نجدها عند أهل دارفور يتغنون بها في
مناسبات الأعراس، مع بعض الاختلافات الطفيفة التي ربما تعزى إلى أسباب جهوية، وهي
ليست ذات تأثير كبير، إذ تبدو من حيث الشكل والمضمون متقاربة إلى حد التطابق بدرجة
تخرجها عن إطار الصدفة وتضعها في حيز وحدة المصدر والثقافة، يقول مطلعها:
هي باني هي بنان وبنين حِسَّ البنان .. يا هزازين القنا، أريت ما يجيكم فنا(4)
وبالمثل، لا يمكن أن نستخلص معنى من الشطر الأول لأنه متنزل من الأصل
القديم، أما الشطر الثاني فهو واضح لأنه جاء بعاميتنا الحالية، وفيه تمجيد للفرسان
الذين يحملون الحراب، مع التمني لهم بالبقاء وطول العمر وألا يدركهم الفناء.
هذه التقاليد المستمدة من القيم القديمة نجدها محافظة على سماتها
العامة في مختلف مناطق السودان، مع بعض التكيفات التي تلائم إيقاع الحركة الثقافية
في المكان والزمان. لذلك نجد بعض الاختلافات الطفيفة للبنينة في دارفور، وربما
كذلك في كردفان، مقارنة بالوسط، كما قد نجد في المكان الواحد بعض التباين في
الروايات، لأن العهد قد طال بها، والمجتمعات شهدت الكثير من التحولات، لكنها مع
ذلك، تظل محافظة على طابعها الأصيل، تقدم في الأفراح، ولا تخرج عن إطار الإطراء
والمديح، مع بعض التحورات التي
تساير الواقع.
لذلك نجد أهل العاصمة، في الفترات المتأخرة، بدأوا يضيفون مضامين
جديدة للبنينة لتتواءم أكثر مع مفاهيم الحاضر، وهذا ليس مستغرباً، فهناك دائماً
تغيرات تواكب المرحلة دون أن تخل بالجوهر، فهي عمليات تكيف تحافظ على القالب وتعيد
تأويل المضمون، مثل وضع المصحف مع تعاويذ الجرتق في الطهور، أو إدراج زيارة أضرحة
الأولياء ضمن محطات السيرة. وهذا هو التوافق المطلوب مع حركة المجتمع، ولكن تظل
العادة القديمة سارية بكل تفاصيلها المتعارف عليها، مع تحميلها بعض المعاني التي
تجعلها أكثر قرباً وتوافقاً مع
قيم المرحلة.
ومن ذلك ما أدخل على البنينة فصار مطلعها الذي كان يقول:
بنَ بنْ يا بينا يا بنينه هييه
تحول إلى صورة أخرى ولكنها شبيهة جداً بالأصل، تقول:
يا بارينا بي أنا بي نبينا الساري .. شافع المذنبين يوم النهار
القالي
الشطر الأول جاء على نفس الإيقاع القديم، لكنه أصبح مفهوماً، إذ أدخل
فيه اسم من أسماء الله وهو الباري في "يا بارينا"، ثم تضمن نديهة أو
استجارة بالنبي "أنا بي نبينا" مثلما نقول أنا في حوى النبي، ثم جاءت
كلمة "الساري" في إشارة للإسراء والمعراج. أما الشطر الثاني فيخاطب
النبي بصفته شفيع للمذنبين يوم القيامة، و"يوم النهار القالي" يعني يوم
الحشر والقيظ الشديد. ورغم أنني لم أستطع أن أميز من الأداء الصوتي هل الكلمة
منطوقة بالغين أم القاف أي هل هي الغالي أم القالي، إلا أنني فضلت الاحتمال الثاني
لأنه يشير إلى لظى الحر والقلي
على النار. وفي جميع الأحوال، يبدو أن هذه المعاني المكتسبة ترتبط بالتكيف الزماني والمكاني للنص القديم، ولذلك ظهرت فيها
بوضوح محاولة جادة للمحافظة على التشابه اللفظي بين الأصل والتقليد. في الأولى
"يا بينا" وفي الثانية "يا بارينا"، في الأولى "بن يا
بينا" وفي الثانية "أنا بي نبينا". أضيفت معانٍ جديدة ولكن داخل نفس
القالب القديم.
النماذج الثلاثة التي تم استعراضها، ربما تعتبر الأقدم، ثم بعد ذلك
ظهرت صور أخرى للبنينة خرجت عن إطارها التقليدي وانتقلت إلى فضاءات أرحب، وسّعت من
مجال استخدامها في مناحٍ لم تكن تطرقها من قبل، وهذا يدل على عمق تأثر الوجدان
السوداني بتراثه القديم، فقد أخذت البنينة بنفس مفرداتها ومضامينها وأدخلت في عالم
السياسة، باحتفالية مشابهة لما يجري في مناسبات الأعراس، مستفيدة من ثنائية المدح
والذم، فالإشادة بطرف تعني التنديد
بالآخر. وهذا ما نجده في البنينة التي نظمها محمد طه
القدال. ولا أريد أن أتعرض لمناسبتها، حتى لا نخرج عن موضوعنا، ولكنها بشكل عام
صرخة في وجه الجور والعسف الذي كان يمارسه جهاز أمن حكومة الإنقاذ في حق الوطن
والمواطن. أما فيما يتعلق بالأغنية فهو يقول في مطلعها:
بنا بنَ بنْ يا بينا يا بنينا هييي
نبنِي البُنى البانينا يا بنينا هييي
ومن هذين البيتين يتضح أن القدال عاد للصيغة القديمة،
الأقرب إلى المنطوق الأصلي للكلمات المروية، لذلك البيت الأول لا يمكن الخروج منه
بمعنى محدد، إنما هو استحضار تراثي تعود الناس على ترديده في المناسبات. أما البيت
الثاني فقد دخلت فيه بعض الألفاظ العربية، في قوله: "نبنِي البُنى
البانينا"، وهي صيغة تحمل رمزية عالية، ربما تعني: نشيد البناء الذي يدعم
وجودنا وحريتنا، خاصة أن القصيدة في مجملها تتحدث عن الحق في الحياة الكريمة وكسر
طوق الكبت والذل. وفي أية حال، فإن هذا النموذج يوضح أن البنينة، بالرغم من الغموض
الذي يكتنف كلماتها، إلا أنها لا تزال تؤدي دورها في مخاطبة العقل والضمير
السوداني.
وبعد ثورة ديسمبر ظهرت بنينة جديدة، ترفع شعار المرحلة
المتمثل في "لم الشتات"، بعد الشرذمة والتفتيت الذي كرسته الحكومة
المطاحة، مع أحلام وارفة بوطن أجمل، ورؤى تنبض بالخير والسلام. ومع ذلك، فقد كانت
تستشعر الخطر وتحذر من اندلاع الحرب، وهو التوقع الذي حدث بالفعل، حين لجأ الكيزان
إلى لغة السلاح قبل أن تبلغ الأغنية عامها الثالث. وهذه البنينة جاءت على ذات نسق
تلك التي تحدثنا عنها من قبل، والتي تبدأ بـ"يا بارينا
بي أنا بي نبينا الساري". والتي كانت
تندرج بشكل عام ضمن النمط التقليدي الذي يقدم في حفلات الأعراس، أما هذه فقد كانت
تخاطب الحشود في الشوارع، محملة بالهم العام، ومشبعة بروح التغيير، ومتشحة بثوب
التراث ـــ لما له من أثر في وجدان الناس ـــ من أجل مناقشة قضايا سياسية
واجتماعية، وهذا ما عبرت عنه في مطلعها الذي يقول:
يا بارينا بي أنا بي نبينا الهادي يتلم الشتات والخير يعـم الـوادي
البيت الأول جاء على نفس وزن وإيقاع البنينة، لكن
بمفردات عربية بالكامل، فيها مناشدة لله في قولهم: يا بارينا، أي يا خالقنا، ثم
اللفظ "بي" للمحافظة على الوزن، ثم الإستجارة بالنبي في قولهم: أنا بي
نبينا، أي أنا في حماه، مع ملاحظة التشابه الكبير بين الألفاظ، إذ استبدلت
"يا بينا" في الصيغة الأصلية القديمة بـ"يا بارينا"، وتحولت
"بنينة" إلى "بي نبينا"، ومن الواضح أن هذه محاولة لابتعاث
النمط المتوارث في ثوب جديد، جعله أكثر مواءمة مع واقع الحياة المتغير، فخرجت عن نطاق
حفلات الزواج، ودخلت إلى ساحة العمل السياسي، وهذا يدل على أن النبرة الصوتية لهذه
الأغنية تحولت إلى رمز في المزاج العام، فمثلما تأتي محملةً بصور العز والمجد
للعرسان، يمكنها أن تذهب بهذه الصور إلى الأوطان.
وهناك أنواع خفيفة من الغناء تساير البنينة في صيغتها
اللحنية، وتؤدى في ذات المناسبات، لكنها تكتفي ببعض مفرداتها دون حرص شديد على
التطابق اللفظي مع الصيغة القديمة، مع أن افتتاحيتها تبدأ بنفس الصورة المتعارف
عليها. ومن أمثلة ذلك هذا المقطع الذي يقول:
يا بنينه هي أحمدك يا ربي بي دا الليل
شـفت الحـنة في إيديك يا صباح الخير(5)
وقد نجد لهذه اللونية الغنائية القديمة انعكاسات في
جوانب أخرى من التراث الشعبي، فقد حملت بعض الأحاجي ملامح منها في الألحان القصيرة
التي تتخللها، مما قد يُعد إشارة إلى تسرب بعض صورها إلى عالم الأطفال. ففي أحجية
كان صغار دارفور ينامون على ترديدها ـــ وهذا نموذج آخر من الغرب ـــ نجد البطلة
تناشد أختها المفقودة، والتي تُدعى بنونة ـــ ولا أظن أن الاسم جاء مصادفةً ـــ إذ
تناديها بصوت لا يخلو من أسى، في صورة تحيل البنينة من الطرب إلى الشجى، فنسمع هذه
الطفلة تناجي أختها بنغمٍ حزين، قائلة:
بنونة هاي
الحية أمكي يا بنونة
الميتة أمي يا بنونة(6).
التشابه واضح، في الأغاني والأشعار والأحاجي، مما يعني
أن تلك الترانيم القديمة لا يزال صداها يتردد في فضاءات الحاضر، فهي ممتدة من
كرنفالات الملوك إلى بيوت الأفراح، ومن مناسبات الأعراس إلى ساحات السياسة، ومن
التعبير عن الرضا إلى ثورة الغضب. وفي كل الأحوال تبقى البنينة مع الناس تجسد
لحظات السعادة، وتصور ملامح الحزن، ورغم تعدد مساراتها، وتجوالها في براحات الزمن
العريض، ستظل تؤدي دورها الأصيل في طقس الجرتق.
البنينة والسومار ـــ اللفظ والمعنى:
هناك بعض الاجتهادات التي حاولت الكشف عن معاني هذه
الكلمات، ولكن الميل الغالب كان نحو نسبتها إلى العربية بغض النظر عن مصدرها
الحقيقي، وذلك لأن أغلب الذين اضطلعوا بهذه المهام، كانوا يضعون الهدف من البحث
نصب أعينهم قبل البدء في إجرائه، فتأتي النتيجة مطابقة لأهوائهم. وهذا ما عبر عنه
محمد المكي إبراهيم بقوله: "إن المؤلفات التي وضعت عن اللهجة العامية كان
الغرض منها إثبات عروبة اللسان السوداني"(7). أي إن الذين تصدوا
لهذه المسألة كانوا يسعون من وراء ذلك لتحقيق غاية مقصودة في ذاتها، وليس من أجل
الوصول إلى الحقيقة كما هي، وهذا ما يقدح في صدقية طرحهم. ولكن في جميع الأحوال،
تبقى تلك وجهات نظر قابلة للخطأ أو الصواب، وعلينا التعامل معها وفقاً لهذا المنظور.
وبالطبع يُعتبر "قاموس اللهجة
العامية" ـــ بلا منازع ـــ من أهم المراجع في هذا المجال؛ ويكفي أنه قد حوى
من مفردات الدارجة ما تعجز عن تحصيله المؤسسات، وفض مغالق الكثير من الألفاظ
المبهمة. ولكن بالرغم من ذلك، كان ينحو في بعض الأحيان إلى تعريب الكلمات المحلية
قسراً، وقد لا يغفل الإشارة إلى أصلها العجمي مع ترجيح موقعها من الفصحى. ومن ذلك
ما جاء في تفسيره لـ"البنينة" حيث يثبت في البداية أنها كلمة سودانية
مما يشي بأنها ليست عربية. إذ يقول: "بنينة (س)" ـــ أي سودانية ـــ ثم
يواصل: "البنينة والعديلة من أغاني الأعراس. وبنينة (يا بنينة هي) تقال في
السومار في نهاية كل مجموعة، وهي مخاطبة للشبان تشهدهم على مناقب الممدوح، وكأنها
محرفة من بنين والبنَّان (س) المادح أو المغنى"، انتهى شرح القاموس ولكن مع
إحالتنا للنظر في كلمة بن(8). ومما ورد في هذا الطرح، نلاحظ أن هناك
إقرار بأن هذه الكلمة محلية وليست عربية، فقد كان دائماً يتبعها بحرف (س) الذي
يشير إلى أنها من العامية السودانية الصرفة، وليس بحرف (ع) الذي يدرجها ضمن
العامية العربية، أو (عرح) التي تجعلها من العربية الحديثة أو (ف) التي تحيلها إلى
العربية الفصحى. ومن ذلك يتضح أن كلاً من البنينة والبنَّان من الصيغ المحلية التي
لا تتردد في الأوساط الثقافية العربية.
ثم
علينا أن ننظر في كلمة "بن" التي أحالنا إليها القاموس للتوسع في معرفة
المعنى، فنجد أن هذا اللفظ قد أُلحق بالرمز (ف س)، أي إنه من الفصحى، وفي نفس
الوقت مستخدم في دارجيتنا. ولكن سوف نتجاوز عن ذلك لنرى معنى اللفظ في اللغة
العربية، وعما إذا كان يتطابق مع مدلوله في العامية. فما ورد
عنه أن استخدامه في الحالتين يأتي بمعنى فاح وانتشر، وفي هذا السياق يقول:
"جاء في لسان العرب وكتاب تاج العروس: البنة الريح الطيبة، وقد تطلق على
النتنة المكروهة كرائحة بعر الظباء". ثم يواصل في شرح المعنى المحلي بقوله:
"بَنَّ، بنان (س)" ـــ أي سودانية ـــ "وبناني (س) مغنى الأفراح
الذي يمدح العريس". ثم يضيف: "والبنان (س) المغني لعلها من بنين (ف)"
أي فصحى. ويستشهد على ذلك بما أورده ابن الإعرابي
بقوله: "بنين بكلام الفحش، والبنبان الرديء من المنطق، وهي البنينة".
هذا هو الشرح الذي قدمه إبن الإعرابي، وما جاء فيه تبدو معانيه متعاكسة تماماً مع
المضامين الرفيعة التي تزخر بها أغنية البنينة في واقعنا، ثم يضيف مستشهداً بقول
شخص يُكنى بأبي عمرو، الذي يقول عن البنينة إنها صوت الفحش والقذع(9).
إلى هنا ينتهي الاقتباس من قاموس اللهجة العامية. ونقول
باختصار إن المعاني العربية التي وردت فيه عن البنينة لا تمت للاغنية السودانية
التي تقدم في حفلات الجرتق بصلة.
فما يترنم به مغني الأفراح وهو يمتدح العريس والعروس لا
علاقة له بالروائح، سواء كانت عطرة أم نتنة، ناهيك عن رائحة بعر الظباء. كما أن
تلك المعاني تقف على طرفي نقيض من القول الرديء، إذ إن البنينة لا تنطق بغير
الكلام الطيب الجميل، فهي في مجملها إطراء ومدح وثناء، ولو كانت تقال في سياق الذم
والهجاء، لكان هذا التفسير مقبولاً. على العموم، يبدو جلياً أن ما ورد في القاموس
لا يعدو كونه تعسفاً في التعريب، فالكلمة محلية تنتسب لبعض لغاتنا القديمة،
وأُدرجت ضمن عاميتنا بما تحمله من معنى وما يتبعها من عادات وتقاليد. فلا هي عربية،
ولا الجرتق الذي تُغني ضمن طقوسه عربياً، ولا "الأنقيب" الذي يقوم
بتقديمها لفظ عربي. ولكن هناك الكثير من المحاولات التي تسعى لتقويض الحقيقة
انتصاراً لانتماءات عرقية زائفة.
السومار شعر يقال في مدح العرسان، وقد ظل معروفاً بهذا الاسم، برغم أنه
يبدو بعيداً عن الألفاظ العربية. وللوقوف على مدلوله أو موقعه من التراث، يتطلب
الأمر البحث عن نص يجسد ملامحه، حتى نتعرف على مفرداته، وطريقة صياغته وما إذا كان
يحتوي على لازمات معينة تتكرر في أبياته، كما هو الحال في البنينة. وبذلك يمكننا
أن نتبين ما إذا كانت له ارتباطات باللغات السابقة أم لا. مع أن هذا الأسلوب
القديم في النظم قد يكون ترك أثراً في الدوبيت أو المدائح، أو في الشعر الشعبي
عموماً، ولكننا لا نستطيع تحديد موقعه بدقة، نظراً لعدم توفر نموذج نصي بين
أيدينا. لذلك ليس أمامنا إلا الاسم ذاته، لعلنا نستشف منه دليلاً على أصوله
المحلية، وعلى استمراريته عبر الزمن بالرغم من التحولات الثقافية الكبرى التي طرأت
على البلاد.
من الجلي أن هذا النمط من القصائد كان ينظم في الماضي باللغات المحلية حسب
النقلة الحضارية: كوشية، مروية، نوبية. وعندما تغير اللسان تبدلت المفردات
والألفاظ، بينما ظلت المعاني على حالها، واستمرت هذه اللونية الشعرية محافظة على
موقعها ووظيفتها، تتجسد في الكلام الجميل الذي يُلقى في حفلات الأفراح، ويتضمن
آيات من الإطراء والتمجيد في قالب إيقاعي موزون، وأحياناً يقدم منغماً أو ملحناً
في صورة ترنيمة تجعله أقرب للغناء. وربما يكون الفارق الوحيد بينه وبين البنينة
أنه لا يتضمن تلك اللازمة المروية التي تتكرر بين كل مقطع وآخر من القصيدة. ولكن
ومهما كانت الطريقة التي يقدم بها أو الأسلوب المتبع في أدائه، فإنه يحمل مؤشرات
واضحة بأنه من الموروث القديم الذي تشكل تحت تأثير توجهات عقائدية. وهذا ما منح
البنينة والسومار القدرة على الاستمرارية، بذات اسميهما القديمين، إذ إن الأمر لا
يعود إلى أنهما مجرد أساليب محببة في الأداء الغنائي أو الإلقاء الشعري اعتاد
عليهما الناس في المناسبات، وإنما لأنهما يؤديان دوراً محورياً ضمن منظومة روحية
تتجاوز المراسم الاحتفالية إلى الشعائر الدينية التي تتعلق بالغيب، وترتبط بالثواب
والعقاب.
أما بالنسبة لمعنى كلمة "سومار"، فقد جاء في قاموس اللهجة
العامية: أن سومر كلمة سودانية تطلق على من يقول السومار. ثم جاء شرحها على هذا
النحو: "سومار (س) ضرب بعينه من شعر المدح حيث يمدح أحد
أقرباء المحتفى به قريبه. ولعله من السمر المسامرة. السَّومَارة (س) المادحة. قالت
الرباطابية: غني ووليفيلو الليلة يا السومارة. والسومار عادة قديمة تقام يوم
الجرتق أو الطهور حيث يفاخر المغني عادةً بأخوال العريس وآبائه. ويبدأ السومار في
منطقة الرباطاب بألفاظ لعلها رطانة تقول: سَمْبُوب بيا بيا بِيّة. وهو يختلف
باختلاف المناطق ولعل الأصل فيه السمر والمسامرة"(10) انتهى.
من الإشارات المهمة في تعريف القاموس لكلمة "سومار" أن
هذا الشعر يتضمن التفاخر بأخوال العريس، وهذا ما نلاحظه جلياً في أغاني البنينة،
مثل التي يؤديها "تيمان عطبرة" حيث تتكرر الإشارة للخال وللأخوال أو
الخيلان أكثر من مرة، مع الإغفال
التام للأعمام. ومن ذلك قولهم: أخوالك يدخلوا أم
حديداً زحمة، وتعني أن أخواله يخوضون المعارك التي تتزاحم فيها أدوات
القتال، ومقطع آخر يقول: قرن الجنزبيل خالك لدغة
القَبَّه، على الرغم من غموض لفظة "قَبَّه"، إلا أن المعنى العام يوحي
بشجاعة الخال وقوته وضربته المميتة، كلدغة العقرب. على العموم الكلمات التي تتردد في هذه المناسبة تركز بصورة
واضحة على تمجيد الخال، مع ذكر بعض أفراد الأسرة، مثل الإشارة إلى الآباء بقولهم:
"أبواتك قبيل"، والأمهات كذلك بنفس الطريقة "أماتك"، وأخوانك
وأخواتك، وجدودك، فكل هؤلاء لهم وجود في أغاني البنينة وأشعار السومار، ماعدا
الأعمام، فكل ما يحظون به هو التجاهل التام، مقابل إبراز دور الخال. وهذا التقدير لا يقتصر على التفاخر به شعراً وغناءً فحسب،
بل نجده الوحيد المسموح له بالوقوف إلى جوار العريس في أهم مراحل مراسم الجرتق،
حيث يقوم بوضع عقد السوميت حول عنقه ترميزاً للتتويج. هذا الموقع المميز الذي
يحتله الخال في هذه المناسبة يعود أساساً للنظام الأمومي في التوريث، الذي كان
متبعاً في المجتمعات السودانية سابقاً قبل أن تطغى على ثقافتنا المسحة
العربية، ولذلك جاء في تعريف السومار أنه يتضمن
التفاخر بالخال.
ثم بعد ذلك أشار القاموس إلى أن السومار عادة قديمة تقام يوم
الجرتق، مما يعني أن قدمها من قدم الجرتق نفسه، أي أنها كانت تمارس قبل أن يعرف
الشعب السوداني اللغة العربية، فإن كانت قديماً تقال بهذا اللفظ ـــ ولا أشك في
ذلك ـــ فهذا ينفي صلتها تماماُ بكلمة سمر ومسامرة، وهذه كلمات تنتمي لفصيلة
الفصحى التي يندر استخدامها في عاميتنا، فنحن لا نميل للتقعر في استخدام الألفاظ
العربية، فذلك قد نجده في وسائل الإعلام فقط، أما في التعامل اليومي فدارجيتنا هي
السائدة، وإذا كانت مسألة التشابه اللفظي تكفي لاستنتاج المعنى، فربما نقول إن هذه
الكلمة قد دخلت إلى لهجتنا من "سومر" العراقية، فهي الأقرب إليها نطقاً،
ويسهل منها اشتقاق إسم سومار، أكثر من سمر. ولكن يبدو أنها لا من هذه ولا من
تلك، وبالطبع هي أكثر بعداً من سامراء
المدينة العراقية الحالية، وعليه فهي ليست مشتقة من السمر والمسامرة، ولا من اسم أي مدينة عربية. ومع ذلك، وربما نجد من يحاول إقناعنا عنوة، بنسبتها إلى بني
العباس مثلما نسبوا إليهم الجعليين، مدعين أنهم عند هجرتهم من بغداد قد جلبوا معهم
هذا الإسم، برغم أن العباسيين أنفسهم قد لا يعرفون الحضارة السومرية التي سبقت
البابلية بأرض الرافدين! ولكن في زمن الادعاءات كل شيء وارد. وعلى العموم،
فإن كل المؤشرات تدل على أن هذا النمط من الشعر كان
يقال قبل أن يعرف الشعب السوداني اللغة العربية، وتأكيد ذلك حسب ما ورد في القاموس
أنها ما زالت تقال في منطقة الرباطاب بألفاظ أشبه بالرطانة. لذا يتوجب علينا أن
نبحث عن معناه ليس لدى العرب، وإنما في مروي أو نبتة، وربما كرمة أو غيرها من
حضاراتنا المحلية القديمة.
المراجع:
1 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ
1989، ص 27.
2
ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ
2002، ص 55.
3 ـــ مبارك مجذوب الشريف؛ البنينة؛ نشر
على موقع الراكوبة الإلكتروني ـــ 3 يناير 2020.
4 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 230.
5 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة
الأولى ـــ 2000، ص 136.
6 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة
الأولى ـــ 2000، ص 151.
7 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ
1989، ص 24.
8 ـــ عون الشريف؛
قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 120.
9 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ
2002، ص 116.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق