إن تأليه الملوك في الثقافة السودانية لم يتوارَ بعد انتهاء الحقبة المسيحية، بل استمرت بعض مظاهره حتى بعد أن أصبح الإسلام دين غالبية السكان. ويتجلى ذلك بوضوح في تجربتي السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور، حيث حافظت الأنظمة الحاكمة فيهما على قدر كبير من سمات التقاليد القديمة، وبالذات تلك الممارسات التي تهدف إلى إحاطة الطبقة الحاكمة بهالة من القداسة، وكانت الإجراءات التي تشير إلى ذلك تطبق في الواقع العملي دون الإعلان عنها صراحةً، مما يدل على أنها ظلت حاضرة في الذهن الجمعي، وإن بشكل مستتر، وظلت تعبر عن وجودها من خلال اشاعة تصورات تضع الملك في منزلة أعلى من البشر. فمن الأوصاف التي أسبغت على الملك في سنار: "أنه لا يأكل ولا يشرب، وأنه مصدر الأمن في البلاد، والضامن لخصوبة الأرض، وصاحب قدرات تتجاوز الطبيعة(1). وهي صفات لا تترك مجالاً للشك أنها تصوّر الحاكم كائناً استثنائياً صاحب قدرات خارقة. ولترسيخ هذه الصورة عملوا على عزله عن المجتمع، وإبعاده عن الاحتكاك المباشر بالناس. ولم تكن هذه الاستراتيجية من تخطيطهم، بل استلهموها من الإرث القديم. وقد تطرقت سلفاً إلى الإشارة التي أوردها الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي عن ظاهرة تأليه الملوك في مروي، والتي جاء فيها: "أن ملوكها كانوا يعزلون أنفسهم في قصورهم"(2)، أي أنهم كانوا ينأون بأنفسهم عن عامة الناس، هذا التقليد وإن خفت بريقه في بعض الفترات، إلّا أنه عاد للظهور بعد عدة قرون في مملكتي الفونج ودارفور، حيث حرص حكام هاتين السلطنتين على إقامة حواجز اجتماعية تحول بينهم وبين رعاياهم، حفاظاً على جلال هيبتهم.
ففي دولة الفونج، لم يكن
الملك يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم. فقد ذكر الرحالة بونسيه، الذي زار سنار عام
1699، في عهد بادي الثالث المعروف بـ"بادي الأحمر"(3) أن الملك
لا يظهر أمام الجمهور إلا إذا كان وجهه مغطى بقطعة من النسيج الحريري(4).
ولم يقتصر هذا التخفي على المناسبات العامة فحسب، بل شمل حتى الاجتماعات التي تعقد
من أجل تصريف شؤون الدولة، والتي تتطلب وجوده الشخصي لتبادل الرأي وجهاً لوجه مع
كبار معاونيه. ومع ذلك، فإنه يظل متوارياً عن الأنظار، يخاطب الحضور عبر وسيط،
ينقل حديثه إليهم، ثم يعود إليه بآرائهم، وكان هذا الوسيط يعرف بـ"سيد
الكلام"(5).
وتبدو هذه التقاليد أكثر
تشدداً في سلطنة دارفور، حيث تمتع السلطان بنفوذ واسع جعله أقرب إلى الملك المؤله
وإن لم يرفع نفسه إلى مقام الربوبية أو يطالب الرعايا بعبادته. ولكنه أمسك بتلابيب
سكان البلاد، فكانت مقاليد حياتهم في قبضته. ويعكس ابن عمر التونسي هذا الواقع
بقوله: "ولملكهم السلطنة التامة عليهم، فإذا قتل منهم ألوفاً، لا
يسأل: لماذا؟ وإن عزل ذا منصب، لا يسأل: لماذا؟ فهو تام التصرف في كل أمر يريده،
وإذا أمر بأمرٍ لا يراجع فيه ولو منكراً"(6). وعندما نقارن هذه الشهادة بما
ذكره القزويني قبل ستة قرون، تتجلى بوضوح الاستمرارية في أعراف الحكم، إذ يقول عن
الملك: "وحكمه نافذ في رعيته، ويده مطلقة يسترق من يشاء، ويتصرف في أموالهم
كما يشاء". هاتان
الصورتان تكشفان أن التقاليد الملكية القديمة ظلت حيّة في السودان حتى القرن
التاسع عشر، وبالتفاصيل نفسها التي عُرفت بها في العصور السالفة.
وكما كان الحال قديماً، لم
يكن سلطان دارفور، يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم، كما كان شديد الحرص على ألا
يكون عرضة للمشاهدة أثناء تناوله الطعام. وهي أيضاً من العادات المتوارثة التي عبر
عنها القزويني بقوله: "وهو ـــ أي الملك ـــ يوهم الناس أنه لا يأكل، ويدخلون
الطعام عليه سراً، فإن عرف ذلك أحد من الرعية قتلوه لوقته"(7).
وهذا يدل على أن تنزيه الملك عن مظاهر الضعف البشري كان يؤخذ بمنتهى الجدية، وهو
ما تؤكده عملياً الحادثة الشهيرة التي وقعت بين السلطان محمد الفضل ووزيره الأول
"أبو شيخ كِرّة". فعلى الرغم من القرب الشديد لهذا الرجل من السلطان، إذ
كان وصياً عليه حين تولى الحكم وهو ما يزال يافعاً، ثم صار بعد ذلك ذراعه الأيمن،
إلا أن ذلك لم يشفع له حين تجاوز حدوده في مسألة تتعلق بهيبة الموقع السلطاني. ففي
إحدى المناسبات، أُقيم حفل كبير بالقصر حضرته أبرز شخصيات المجتمع الدارفوري،
وأثناء تناول الطعام، كان السلطان يتنقل بين ضيوفه لتفقدهم، وعندما اقترب من
المائدة التي يجلس عليها "أبو شيخ" حياهم، رد عليه الوزير مازحاً بقوله:
"تفضل معنا".
إن مجرد هذه الدعوة للسلطان
بمشاركتهم الطعام كانت سبباً في مقتله لاحقاً، أما ردة الفعل المباشرة، فقد تمثلت
في أن انهال عليه السلطان ضرباً بالعصا على رأسه حتى كُسرت، ثم طرده من الحفل(8)
دون أدنى اعتبار لمكانته الرفيعة في المجتمع، فهو الوزير الأول، أي إنه يحتل الموقع
الثاني في الدولة. كل هذا الغضب والحنق فجرته دعوة مازحة للأكل على مرأى من الناس،
ومن هذا الموقف يمكننا أن نتخيل مصير من يرى الملك وهو يتناول طعامه. وما حدث في
قصر السلطان فيه دلالة واضحة على استمرارية هذه التقاليد القديمة بالقوة نفسها حتى
اندثار الممالك السودانية على أيدي الغزاة.
ومن مظاهر إحكام العزلة حول الملك عدم مخاطبته الناس بشكل مباشر، يقول ابن
عمر التونسي: "من عادتهم أن السلطان لا يسلم على غيره إلا
بترجمان"(9)، أي إنه لا يلقي التحية على أحد، ولا يتقبلها منه إلا
عبر وسيط، هذا في الظروف العادية، أما في مجالس الحكم فكانت الصورة أكثر تعقيداً،
إذ يصف التونسي المشهد قائلاً: "إذا جلس السلطان للحكم في ديوانه، وقف
المترجمون السبعة في الوسط، أولهم عند السلطان، وآخرهم عند الناس أصحاب
الدعوى"(10). وبناءً على ذلك، كان الحوار في مجلسه يتم عبر سلسلة
من المحطات تتكون من سبعة أفراد، يقف أولهم بالقرب منه وآخرهم بالقرب من الحضور،
وذلك إمعاناً في التخفي حتى لا يصل صوته مباشرةً إلى الناس، فكلماته تنقل عبر
هؤلاء الوسطاء الذين يعرف كل منهم
بـ"خشم الكلام"(11)، ووظيفته تشابه ما يقوم به "سيد
الكلام" لدى الفونج، مما يكشف عن وجود مشتركات ثقافية عميقة بين السلطنتين.
إن جميع هذه القيود لم تُفرض إلّا لهدف واحد، هو النأي بالملك عن التواصل
المباشر مع الناس، خشية أن يؤدي الاحتكاك اليومي إلى تكوين انطباعات سالبة تحط من
مكانته المقدسة. وتدل هذه الصور ـــ القديمة في أصلها والحديثة في تجلياتها ـــ
على أن تقليد تأليه الملوك الذي ظهرت بوادره الأولى مع فجر حضارات وادي النيل، قد استمر
دون انقطاع حتى القرن التاسع عشر، حين انهارت آخر الممالك السودانية. ويمثل ذلك
دليلاً قوياً على استمرارية ثقافية ممتدة تربط الماضي السحيق بالحاضر القريب،
وتؤكد أن هذه المجتمعات ظلت ـــ إلى حدٍ بعيد ـــ بمنأى عن المؤثرات الخارجية
القادرة على إحداث تغيير جوهري في بنيتها الثقافية. ويتضح هذا المعنى أكثر عند
مقارنة الوضع في السودان بمصر، التي تخلت منذ زمن بعيد عن
تقاليد عزل الحكام عن المحكومين، في حين استمرت هذه الممارسات في السودان، بصور
مختلفة حتى الغزو التركي، وهو ما يشير إلى أن العوامل التي أزاحت تلك التقاليد في
مصر لم تصل إلى السودان إلا في الزمن الحديث بعد وقوع البلاد تحت نير الحكم
الاستعماري.
ولعل من مظاهر تأليه الملك،
القسم بحياته، وهو أسلوب لتعزيز المصداقية كان سائداً في الحضارات القديمة، حين
كانت الرعية تقدس الحاكم وتحلف بحياته. ويبدو أن هذا التقليد لم يقتصر على تلك
الفترات البعيدة، بل امتد حتى وقت قريب، إذ ظل الناس في دولة الفونج يؤدون نفس
القسم. ولم يكن ذلك في بداية عهدها بل استمر حتى أيامها الأخيرة. كما لم يكن هذا
السلوك ممارساً بين عامة الناس فقط، بل بين كبار شخصيات المجتمع كذلك. ومن أبرز
الشواهد على ذلك الحوار الذي دار بين عمارة أبو سكيكين ـــ الذي حكم في الفترة ما
بين 1558 و1569(12) ـــ والشيخ بان النقا الضرير، بحضور الشيخ إدريس ود
الأرباب. ففي سياق طلب السلطان من الشيخ معالجة والدته المريضة، خاطبه قائلاً: أنت
سابق كنت جُندينا ثمّ بقيت جندي الله، "وحات الملك" إن كان ما عافيت أمي
أردك إلى جنديتك(13). لقد هدد الشيخ بأنه سيعيده إلى عمله القديم في
حال لم يتحقق الشفاء على يديه، وذلك لأن الشيخ بان النقا كان في الماضي موظفاً لدى
حكومة الفونج، وعندما تصوف واتبع الطريقة القادرية، تفرغ للعبادة، وأصبح من أهل
الله. وما يهمنا من هذا الكلام هو الحليفة بحياة الملك، فهي بلاشك من الموروث
القديم الذي تحول بطول الاستخدام إلى جزء من العادات الاجتماعية، وهذا ما جعلها
تجري على لسان عمارة أبو سكيكين رغم إسلامه، وفي نفس الوقت وجدت القبول من الشيخ
بان النقا الضرير، والشيخ إدريس ود الأرباب، وهما من كبار رجال الدين في ذلك
العهد، ولكنهما لم يستنكرا منه هذا القول. ويكتسب هذا الصمت دلالة خاصة إذا حكمنا عليه من
خلال المعايير الإسلامية التي تحصر القسم بالله وحده، وتعدّ الحلف بغيره نوعاً من
الشرك. ومع ذلك مرّ التلفظ به دون مراجعة أو تصحيح، مما يدل على أنه كان مألوفًا
ومقبولًا في الوعي الجمعي آنذاك. وما يعزز هذا الاستنتاج أن ود ضيف الله الذي أورد هذه القصة بعد قرابة قرنين من وقوعها، نقلها
كما هي دون تدخل أو اعتراض، الأمر الذي يشير إلى أن هذا النوع من الحليفة، لم يكن
غريباً على أسماع أهل زمانه. ويكشف ذلك عن مدى تمكن قيم الماضي من وجدان الناس،
وسيطرتها على سلوكهم اليومي، بحيث تمارس هذه العادات بعفوية، بغض النظر عن
التحولات الدينية العميقة التي شهدها المجتمع.
وتتأكد استمرارية مظاهر الالتزام
بهذه العبودية مرة أخرى في المراحل المتأخرة من دولة الفونج، حيث نجد شخص مثل بادي ولد رجب ـــ ابن أخ محمد أبو لكيلك،
والوزير الثاني في الدولة بعد سيطرة الهمج على الحكم ـــ يعلن عن عبوديته للملك،
فهو "عبد المك"، فحسب قوله: "أن لا يأكل عبد المك إلا من الحلال"(14). وتكمن أهمية
هذا التصريح في توقيته، إذ أصبح بادي ولد رجب وزيراً، نحو عام 1780، مما يدل على
أن العبودية الرمزية للملك ظلت حاضرة في أذهان الناس طوال معظم فترة حكم دولة
الفونج، ولم تكن ظاهرة عابرة أو مقتصرة على
البدايات.
وقد يرى البعض أن هذه الأمثلة
مجرد حالات فردية معزولة لا يمكن تعميمها على المجتمع بأسره، غير أن هذا الرأي
يتجاهل ندرة المصادر المكتوبة التي تناولت أحداث تلك الفترات، ففي ظل هذا الشح،
تكتسب الشواهد القليلة الموثقة قيمة مضاعفة، إذ تشير إلى أن ما لم يسجل وسقط من
الذاكرة يفوق بكثير ما تم تسجيله، ووصل إلينا. ثم
إن الأشخاص الذين تناولتهم هذه الروايات يمثلون واجهات المجتمع، وهؤلاء ـــ بحكم صفويتهم ـــ هم
الأكثر قابلية للتأثر بالمتغيرات، فإذا ظلوا أسرى للموروث القديم، فذلك يعني أن
القاعدة الشعبية كانت أكثر التصاقاً وتشبثاً بقيم الماضي. فإذا كان السلطان نفسه
يقسم بالملك القديم، فاعلم أن عامة الناس لم تكن تحلف به فحسب، بل كانت تلهج بحمده
والثناء عليه، وربما التبرك باسمه. وهذا يعزز القول بأن هذا السلوك لم يكن
استثناءً، بل ظاهرة عامة في مجتمع دولة الفونج، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنها
لم تغادر قيم مملكة علوة المسيحية إلا ببضع سنوات. لذلك اعتقد أن ما وجدناه مسطراً
في الكتب لا يعكس سوى جزء محدود من واقع اجتماعي وثقافي ظل محافظاً على قيم
ومعتقدات يفترض ـــ نظرياً ـــ أنها اندثرت منذ قرون طويلة، لكنها بقيت حية في
الممارسة اليومية.
ويقودنا ذلك إلى سؤال جوهري
حول طبيعة هذه المجتمعات وأصولها. هل تمثل امتداداً مباشراً لذلك السلف القديم
الذي واصل تجسيد قيمه عبر الأجيال؟ أم أنها من نسل جماعات وافدة محملة بثقافة
مغايرة، حطت رحالها على حين غفلة من خارج الحدود؟ قد تبدو الإجابة أقرب إلى
الاحتمال الأول، إذ إن العادات والتقاليد المتوارثة غالباً ما تكون من أكثر
المؤشرات صدقاً على الجذور العميقة للمجتمعات. ففي حالة دولة الفونج، ـــ ورغم
تبنيها اللسان العربي واعتناقها الإسلام ـــ ظلت معتقداتها القديمة تسري في نسيجها
الثقافي حتى وقت قريب، وهو ما يدل على قوة الاستمرارية الحضارية، ويكشف في الوقت
ذاته عن تعقيد مسارات التحول الديني والاجتماعي في هذه البلاد.
المراجع:
1
ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار،
ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 124.
2
ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.
3
ـــ ماكمايكل؛
تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الثانى؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 355.
4
ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012، ص 15.
5
ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم،
الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 32.
6
ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد
العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 167.
7
ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 25.
8
ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛
بيروت ـــ 1967، ص 456.
9
ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛
القاهرة ـــ 1965، ص 169.
10
ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛
القاهرة ـــ 1965، ص 171.
11
ـــ أوفاهي؛ الدولة والمجتمع في
دارفور؛ الطبعة الأولى ـــ القاهرة ـــ 2000، ص 39.
12
ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى ـــ
2017، ص 595.
13
ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة
الخامسة ـــ 2012، ص 50.