الأربعاء، 24 يونيو 2026

الإسلام والألوهية المستبطنة

 إن تأليه الملوك في الثقافة السودانية لم يتوارَ بعد انتهاء الحقبة المسيحية، بل استمرت بعض مظاهره حتى بعد أن أصبح الإسلام دين غالبية السكان. ويتجلى ذلك بوضوح في تجربتي السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور، حيث حافظت الأنظمة الحاكمة فيهما على قدر كبير من سمات التقاليد القديمة، وبالذات تلك الممارسات التي تهدف إلى إحاطة الطبقة الحاكمة بهالة من القداسة، وكانت الإجراءات التي تشير إلى ذلك تطبق في الواقع العملي دون الإعلان عنها صراحةً، مما يدل على أنها ظلت حاضرة في الذهن الجمعي، وإن بشكل مستتر، وظلت تعبر عن وجودها من خلال اشاعة تصورات تضع الملك في منزلة أعلى من البشر. فمن الأوصاف التي أسبغت على الملك في سنار: "أنه لا يأكل ولا يشرب، وأنه مصدر الأمن في البلاد، والضامن لخصوبة الأرض، وصاحب قدرات تتجاوز الطبيعة(1). وهي صفات لا تترك مجالاً للشك أنها تصوّر الحاكم كائناً استثنائياً صاحب قدرات خارقة. ولترسيخ هذه الصورة عملوا على عزله عن المجتمع، وإبعاده عن الاحتكاك المباشر بالناس. ولم تكن هذه الاستراتيجية من تخطيطهم، بل استلهموها من الإرث القديم. وقد تطرقت سلفاً إلى الإشارة التي أوردها الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي عن ظاهرة تأليه الملوك في مروي، والتي جاء فيها: "أن ملوكها كانوا يعزلون أنفسهم في قصورهم"(2)، أي أنهم كانوا ينأون بأنفسهم عن عامة الناس، هذا التقليد وإن خفت بريقه في بعض الفترات، إلّا أنه عاد للظهور بعد عدة قرون في مملكتي الفونج ودارفور، حيث حرص حكام هاتين السلطنتين على إقامة حواجز اجتماعية تحول بينهم وبين رعاياهم، حفاظاً على جلال هيبتهم.

ففي دولة الفونج، لم يكن الملك يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم. فقد ذكر الرحالة بونسيه، الذي زار سنار عام 1699، في عهد بادي الثالث المعروف بـ"بادي الأحمر"(3) أن الملك لا يظهر أمام الجمهور إلا إذا كان وجهه مغطى بقطعة من النسيج الحريري(4). ولم يقتصر هذا التخفي على المناسبات العامة فحسب، بل شمل حتى الاجتماعات التي تعقد من أجل تصريف شؤون الدولة، والتي تتطلب وجوده الشخصي لتبادل الرأي وجهاً لوجه مع كبار معاونيه. ومع ذلك، فإنه يظل متوارياً عن الأنظار، يخاطب الحضور عبر وسيط، ينقل حديثه إليهم، ثم يعود إليه بآرائهم، وكان هذا الوسيط يعرف بـ"سيد الكلام"(5).

وتبدو هذه التقاليد أكثر تشدداً في سلطنة دارفور، حيث تمتع السلطان بنفوذ واسع جعله أقرب إلى الملك المؤله وإن لم يرفع نفسه إلى مقام الربوبية أو يطالب الرعايا بعبادته. ولكنه أمسك بتلابيب سكان البلاد، فكانت مقاليد حياتهم في قبضته. ويعكس ابن عمر التونسي هذا الواقع بقوله: "ولملكهم السلطنة التامة عليهم، فإذا قتل منهم ألوفاً، لا يسأل: لماذا؟ وإن عزل ذا منصب، لا يسأل: لماذا؟ فهو تام التصرف في كل أمر يريده، وإذا أمر بأمرٍ لا يراجع فيه ولو منكراً"(6). وعندما نقارن هذه الشهادة بما ذكره القزويني قبل ستة قرون، تتجلى بوضوح الاستمرارية في أعراف الحكم، إذ يقول عن الملك: "وحكمه نافذ في رعيته، ويده مطلقة يسترق من يشاء، ويتصرف في أموالهم كما يشاء". هاتان الصورتان تكشفان أن التقاليد الملكية القديمة ظلت حيّة في السودان حتى القرن التاسع عشر، وبالتفاصيل نفسها التي عُرفت بها في العصور السالفة.

وكما كان الحال قديماً، لم يكن سلطان دارفور، يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم، كما كان شديد الحرص على ألا يكون عرضة للمشاهدة أثناء تناوله الطعام. وهي أيضاً من العادات المتوارثة التي عبر عنها القزويني بقوله: "وهو ـــ أي الملك ـــ يوهم الناس أنه لا يأكل، ويدخلون الطعام عليه سراً، فإن عرف ذلك أحد من الرعية قتلوه لوقته"(7). وهذا يدل على أن تنزيه الملك عن مظاهر الضعف البشري كان يؤخذ بمنتهى الجدية، وهو ما تؤكده عملياً الحادثة الشهيرة التي وقعت بين السلطان محمد الفضل ووزيره الأول "أبو شيخ كِرّة". فعلى الرغم من القرب الشديد لهذا الرجل من السلطان، إذ كان وصياً عليه حين تولى الحكم وهو ما يزال يافعاً، ثم صار بعد ذلك ذراعه الأيمن، إلا أن ذلك لم يشفع له حين تجاوز حدوده في مسألة تتعلق بهيبة الموقع السلطاني. ففي إحدى المناسبات، أُقيم حفل كبير بالقصر حضرته أبرز شخصيات المجتمع الدارفوري، وأثناء تناول الطعام، كان السلطان يتنقل بين ضيوفه لتفقدهم، وعندما اقترب من المائدة التي يجلس عليها "أبو شيخ" حياهم، رد عليه الوزير مازحاً بقوله: "تفضل معنا".

إن مجرد هذه الدعوة للسلطان بمشاركتهم الطعام كانت سبباً في مقتله لاحقاً، أما ردة الفعل المباشرة، فقد تمثلت في أن انهال عليه السلطان ضرباً بالعصا على رأسه حتى كُسرت، ثم طرده من الحفل(8) دون أدنى اعتبار لمكانته الرفيعة في المجتمع، فهو الوزير الأول، أي إنه يحتل الموقع الثاني في الدولة. كل هذا الغضب والحنق فجرته دعوة مازحة للأكل على مرأى من الناس، ومن هذا الموقف يمكننا أن نتخيل مصير من يرى الملك وهو يتناول طعامه. وما حدث في قصر السلطان فيه دلالة واضحة على استمرارية هذه التقاليد القديمة بالقوة نفسها حتى اندثار الممالك السودانية على أيدي الغزاة.

ومن مظاهر إحكام العزلة حول الملك عدم مخاطبته الناس بشكل مباشر، يقول ابن عمر التونسي: "من عادتهم أن السلطان لا يسلم على غيره إلا بترجمان"(9)، أي إنه لا يلقي التحية على أحد، ولا يتقبلها منه إلا عبر وسيط، هذا في الظروف العادية، أما في مجالس الحكم فكانت الصورة أكثر تعقيداً، إذ يصف التونسي المشهد قائلاً: "إذا جلس السلطان للحكم في ديوانه، وقف المترجمون السبعة في الوسط، أولهم عند السلطان، وآخرهم عند الناس أصحاب الدعوى"(10). وبناءً على ذلك، كان الحوار في مجلسه يتم عبر سلسلة من المحطات تتكون من سبعة أفراد، يقف أولهم بالقرب منه وآخرهم بالقرب من الحضور، وذلك إمعاناً في التخفي حتى لا يصل صوته مباشرةً إلى الناس، فكلماته تنقل عبر هؤلاء الوسطاء الذين يعرف كل منهم بـ"خشم الكلام"(11)، ووظيفته تشابه ما يقوم به "سيد الكلام" لدى الفونج، مما يكشف عن وجود مشتركات ثقافية عميقة بين السلطنتين.

إن جميع هذه القيود لم تُفرض إلّا لهدف واحد، هو النأي بالملك عن التواصل المباشر مع الناس، خشية أن يؤدي الاحتكاك اليومي إلى تكوين انطباعات سالبة تحط من مكانته المقدسة. وتدل هذه الصور ـــ القديمة في أصلها والحديثة في تجلياتها ـــ على أن تقليد تأليه الملوك الذي ظهرت بوادره الأولى مع فجر حضارات وادي النيل، قد استمر دون انقطاع حتى القرن التاسع عشر، حين انهارت آخر الممالك السودانية. ويمثل ذلك دليلاً قوياً على استمرارية ثقافية ممتدة تربط الماضي السحيق بالحاضر القريب، وتؤكد أن هذه المجتمعات ظلت ـــ إلى حدٍ بعيد ـــ بمنأى عن المؤثرات الخارجية القادرة على إحداث تغيير جوهري في بنيتها الثقافية. ويتضح هذا المعنى أكثر عند مقارنة الوضع في السودان بمصر، التي تخلت منذ زمن بعيد عن تقاليد عزل الحكام عن المحكومين، في حين استمرت هذه الممارسات في السودان، بصور مختلفة حتى الغزو التركي، وهو ما يشير إلى أن العوامل التي أزاحت تلك التقاليد في مصر لم تصل إلى السودان إلا في الزمن الحديث بعد وقوع البلاد تحت نير الحكم الاستعماري.

ولعل من مظاهر تأليه الملك، القسم بحياته، وهو أسلوب لتعزيز المصداقية كان سائداً في الحضارات القديمة، حين كانت الرعية تقدس الحاكم وتحلف بحياته. ويبدو أن هذا التقليد لم يقتصر على تلك الفترات البعيدة، بل امتد حتى وقت قريب، إذ ظل الناس في دولة الفونج يؤدون نفس القسم. ولم يكن ذلك في بداية عهدها بل استمر حتى أيامها الأخيرة. كما لم يكن هذا السلوك ممارساً بين عامة الناس فقط، بل بين كبار شخصيات المجتمع كذلك. ومن أبرز الشواهد على ذلك الحوار الذي دار بين عمارة أبو سكيكين ـــ الذي حكم في الفترة ما بين 1558 و1569(12) ـــ والشيخ بان النقا الضرير، بحضور الشيخ إدريس ود الأرباب. ففي سياق طلب السلطان من الشيخ معالجة والدته المريضة، خاطبه قائلاً: أنت سابق كنت جُندينا ثمّ بقيت جندي الله، "وحات الملك" إن كان ما عافيت أمي أردك إلى جنديتك(13). لقد هدد الشيخ بأنه سيعيده إلى عمله القديم في حال لم يتحقق الشفاء على يديه، وذلك لأن الشيخ بان النقا كان في الماضي موظفاً لدى حكومة الفونج، وعندما تصوف واتبع الطريقة القادرية، تفرغ للعبادة، وأصبح من أهل الله. وما يهمنا من هذا الكلام هو الحليفة بحياة الملك، فهي بلاشك من الموروث القديم الذي تحول بطول الاستخدام إلى جزء من العادات الاجتماعية، وهذا ما جعلها تجري على لسان عمارة أبو سكيكين رغم إسلامه، وفي نفس الوقت وجدت القبول من الشيخ بان النقا الضرير، والشيخ إدريس ود الأرباب، وهما من كبار رجال الدين في ذلك العهد، ولكنهما لم يستنكرا منه هذا القول. ويكتسب هذا الصمت دلالة خاصة إذا حكمنا عليه من خلال المعايير الإسلامية التي تحصر القسم بالله وحده، وتعدّ الحلف بغيره نوعاً من الشرك. ومع ذلك مرّ التلفظ به دون مراجعة أو تصحيح، مما يدل على أنه كان مألوفًا ومقبولًا في الوعي الجمعي آنذاك. وما يعزز هذا الاستنتاج أن ود ضيف الله الذي أورد هذه القصة بعد قرابة قرنين من وقوعها، نقلها كما هي دون تدخل أو اعتراض، الأمر الذي يشير إلى أن هذا النوع من الحليفة، لم يكن غريباً على أسماع أهل زمانه. ويكشف ذلك عن مدى تمكن قيم الماضي من وجدان الناس، وسيطرتها على سلوكهم اليومي، بحيث تمارس هذه العادات بعفوية، بغض النظر عن التحولات الدينية العميقة التي شهدها المجتمع.

وتتأكد استمرارية مظاهر الالتزام بهذه العبودية مرة أخرى في المراحل المتأخرة من دولة الفونج، حيث نجد شخص مثل بادي ولد رجب ـــ ابن أخ محمد أبو لكيلك، والوزير الثاني في الدولة بعد سيطرة الهمج على الحكم ـــ يعلن عن عبوديته للملك، فهو "عبد المك"، فحسب قوله: "أن لا يأكل عبد المك إلا  من الحلال"(14). وتكمن أهمية هذا التصريح في توقيته، إذ أصبح بادي ولد رجب وزيراً، نحو عام 1780، مما يدل على أن العبودية الرمزية للملك ظلت حاضرة في أذهان الناس طوال معظم فترة حكم دولة الفونج، ولم تكن ظاهرة عابرة أو مقتصرة على البدايات.

وقد يرى البعض أن هذه الأمثلة مجرد حالات فردية معزولة لا يمكن تعميمها على المجتمع بأسره، غير أن هذا الرأي يتجاهل ندرة المصادر المكتوبة التي تناولت أحداث تلك الفترات، ففي ظل هذا الشح، تكتسب الشواهد القليلة الموثقة قيمة مضاعفة، إذ تشير إلى أن ما لم يسجل وسقط من الذاكرة يفوق بكثير ما تم تسجيله، ووصل إلينا. ثم إن الأشخاص الذين تناولتهم هذه الروايات يمثلون واجهات المجتمع، وهؤلاء ـــ بحكم صفويتهم ـــ هم الأكثر قابلية للتأثر بالمتغيرات، فإذا ظلوا أسرى للموروث القديم، فذلك يعني أن القاعدة الشعبية كانت أكثر التصاقاً وتشبثاً بقيم الماضي. فإذا كان السلطان نفسه يقسم بالملك القديم، فاعلم أن عامة الناس لم تكن تحلف به فحسب، بل كانت تلهج بحمده والثناء عليه، وربما التبرك باسمه. وهذا يعزز القول بأن هذا السلوك لم يكن استثناءً، بل ظاهرة عامة في مجتمع دولة الفونج، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنها لم تغادر قيم مملكة علوة المسيحية إلا ببضع سنوات. لذلك اعتقد أن ما وجدناه مسطراً في الكتب لا يعكس سوى جزء محدود من واقع اجتماعي وثقافي ظل محافظاً على قيم ومعتقدات يفترض ـــ نظرياً ـــ أنها اندثرت منذ قرون طويلة، لكنها بقيت حية في الممارسة اليومية.

ويقودنا ذلك إلى سؤال جوهري حول طبيعة هذه المجتمعات وأصولها. هل تمثل امتداداً مباشراً لذلك السلف القديم الذي واصل تجسيد قيمه عبر الأجيال؟ أم أنها من نسل جماعات وافدة محملة بثقافة مغايرة، حطت رحالها على حين غفلة من خارج الحدود؟ قد تبدو الإجابة أقرب إلى الاحتمال الأول، إذ إن العادات والتقاليد المتوارثة غالباً ما تكون من أكثر المؤشرات صدقاً على الجذور العميقة للمجتمعات. ففي حالة دولة الفونج، ـــ ورغم تبنيها اللسان العربي واعتناقها الإسلام ـــ ظلت معتقداتها القديمة تسري في نسيجها الثقافي حتى وقت قريب، وهو ما يدل على قوة الاستمرارية الحضارية، ويكشف في الوقت ذاته عن تعقيد مسارات التحول الديني والاجتماعي في هذه البلاد.

المراجع:

1 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 124.

2 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.

3 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الثانى؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 355.

4 ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012، ص 15.

5 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 32.

6 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 167.

7 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 25.  

8 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 456.

9 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 169.

10 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 171.

11 ـــ أوفاهي؛ الدولة والمجتمع في دارفور؛ الطبعة الأولى ـــ القاهرة ـــ 2000، ص 39.

12 ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 595.

13 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 50.

14 ـــ أحمد بن الحاج أبو علي؛ مخطوطة كاتب الشونة، الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 47.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

تداخل الأديان

 لقد بدأ الإسلام يتسرب إلى المجتمعات السودانية منذ وقت باكر، ولم يكن هذا التوجه يشكل ظاهرة لافتة للنظر، حيث لم يكن هناك من يعبأ بالنزعات العقائدية للأفراد. فالتحول في الرؤى الدينية والمفاهيم الروحية لم يكن مثار جدل، وإنما كان يجري في فضاء واسع من التصالح والتسامح والمواءمة، كل يؤمن بما يشاء دون فرض أو إكراه، فالقناعات تبنى عبر الخيار والتقبل، وللحريات الشخصية أولوية القرار الذي لا يخرج عن مساقات القيم المتوارثة وموجهاتها التي تؤطر السلوك العام، دون أن تعمل في الوقت نفسه على تنميط الأفكار وتحديد الميول الروحية. لذلك اتسمت الحياة العامة بمسيرة حافلة من التعايش بين القادم والمقيم دون شد وجذب، مهما كانت درجة الاختلاف. وقد لاحظنا من قبل عندما تبنّى الناس المسيحية احتفظوا بكثير من قناعاتهم السابقة، فقد ظلوا يتعاملون مع الملك بصفته إلهاً ـــ أو على الأقل كائناً مقدساً ـــ على الرغم من إيمانهم المعلن بالمسيح، واتباعهم للإنجيل، وتعبدهم في الكنيسة. وكأنهم بذلك يعبرون عن طبيعتهم الخاصة التي تنفتح على المستقبل دون أن تلغي الماضي، لأن فيه مستودع قيمهم وتقاليدهم التي فطروا عليها.

لم تتبنَّ المجتمعات السودانية الإسلام بشكل فجائي أو نتيجة ظرف طارئ، وإنما انتقلت إليه عبر مراحل متدرجة وفي فترة زمنية طويلة، بدأت ملامحها الأولى في الظهور منذ وقت بعيد، يسبق بكثير الأطروحات التي تربط دخوله بنهاية الممالك المسيحية، فقد أشار الجغرافي والرحالة ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي إلى أنه قد وجد من بين المجموعات السكانية التي إلتقى بها فئات تدين بالأسلام، وكانوا يتلقون نفس المعاملة ـــ مثل الآخرين ـــ من قبل الملك. ومن خلال هذه الشهادة يتضح أن الإسلام قد تسلل إلى السودان منذ فترة زمنية يصعب تحديدها، فهي على كل حال تعود إلى ما قبل تاريخ هذه الزيارة. وهذا يدحض القول بأن هذا الدين كان محجوزاً عند الحدود ـــ كما يدعي البعض ـــ في انتظار انهيار المملكة حتى يأذن له بالدخول، فأمر انتقاله لم يكن مرهوناً بالظروف السياسية، وإنما كانت تحركه عوامل وشروط أخرى ترتبط بمصالح الناس، لذلك وجد طريقه نحو بعض مجتمعات "علوة"، والدولة المسيحية تتمتع بدرجة عالية من القوة والتماسك، وفي ذلك الوقت كان لمعتنقي هذه الديانة الجديدة وجود مميز في نسيجها الاجتماعي.

وتكشف لنا رواية هذا الرحالة أن هؤلاء الناس كانوا يعيشون في كنف الدولة مثل غيرهم من المواطنين، سواء أكانوا مسيحيين أم أصحاب ديانات محلية، فلم يكن هناك من ينظر إليهم باعتبارهم قد فارقوا الملة أو خرجوا عن الجماعة، وكانت الدولة تعاملهم كرعايا مثل الآخرين، حتى إن الملك كان يتابع شأنهم بنفسه، فهو الذي يعين من يتولى زمام أمرهم، باعتبارهم من بين رعاياه، فمثل الآخرين، كان يكلف من بينهم من يراه قادراً على تحمل مسؤوليتهم ومعالجة قضاياهم. فشيخ الجماعة التي تدين بالإسلام أو زعيمها كان يختاره الملك المسيحي(1)، دون أن تدفعه عاطفته الدينية إلى أن يولي عليهم من يوافقه عقائدياً، وفي ذلك مؤشر على أن التوجهات التي تنطوي على انغلاق طائفي لم تكن تشغل حيزاً في المجتمع، بحيث تفرض السلطة الرسمية ـــ أو حتى الأغلبية العددية ـــ قناعاتها على الآخرين، فالجميع كانوا تحت حكم مرجعية قيمية واحدة تعود إلى ميراثهم القديم.

ولم يكن هؤلاء هم الممثل الوحيد لحملة العقيدة الإسلامية بالسودان في تلك الفترة الباكرة، فالمشاهدات تكشف عن أن الاتصال بالعالم الخارجي لم يكن معطلاً في ذلك الحين، انتظاراً لأحداثٍ سياسية تزلزل كيان الدولة وتزيل أنظمة الحكم وتغير هويتها الدينية ـــ وفقاً لبعض الادعاءات ـــ بل إن الحركة كانت منسابة. ففي نفس القرن، زار البلاد شخص آخر وهو ابن سليم الأسواني، وقدم وصفاً للظروف التي كان يعيش فيها القادمون من أقطار العرب، فقد أوضح أن الجهات المسؤولة كانت توفر لهم أماكن للإقامة في "سوبا"، فمن بين مساكن أهلها، كان لهم "رباط" خاص(2)، يقضون فيه فترة تواجدهم بالمدينة. وهي أماكن معدة لاستقبال التجار الذين تأتي بهم القوافل من الأقطار المجاورة، ولذلك سمي موقع سكنهم رباطاً لأن إقامتهم محدودة، فهم بحكم تحركهم الدائم طلباً للأسواق، لا يلبثون في مكان واحد لوقت طويل، وإنما يمكثون للمدة التي تكفي للانتهاء من أعمالهم ثم يغادرون. وفي خلال هذه الفترات، كانوا يعيشون بين الناس، ويتبادلون معهم المصالح، يؤثرون فيهم ويتأثرون بهم. وهذا التعامل الذي ينطوي على المنفعة، يدل على أن السودانيين قد تعرفوا على الإسلام والمسلمين ـــ بصورة دائمة أو مؤقتة ـــ منذ زمنٍ بعيد، يعود إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي، وفي ذلك الحين كانت المسيحية عقيدة غالبية أهل البلاد.

وربما كان هذا هو الأساس الذي أدى لتوسع دائرة الحضور الإسلامي في القرن الأخير من عمر مملكة "علوة"، ففي تلك الفترة أصبحت بصمات المسلمين تتضح شيئاً فشيئاً على صفحة المجتمع، وبدأ يظهر من بين أهل البلاد من يتبنون الدعوة إلى الإسلام، ولعل "علي أبو دقن" كان من روادهم الأوائل. فقد ذُكر أن هذا الشيخ قد اختار "سوبا" مستقراً له، وكان معروفاً بين أهل زمانه بالصلاح(3)، وربما كان له حيران وأتباع ينشط بينهم حتى وافته المنية قبل قيام دولة الفونج. وهناك آخرون عملوا في المجال نفسه، منهم الشيخ الضرير ود عون الله الذي أسس خلوة لتدريس القرآن، وبالإضافة إلى ذلك، كان يعمل قاضياً يفصل بين الناس من مختلف الأديان(4). فكانت المنازعات التي تنشأ في الأسواق يؤتى بها إليه بغض النظر عن انتماءات أطراف الخصومة، فربما كانوا من أديانٍ مختلفة، ليس بينهم من رابط سوى المصالح التجارية التي تجمع بين المسيحي والمسلم وصاحب المعتقد الخاص، وعندما يتشاكسون، فإنهم يقفون أمام القضاء سواسية، وما يفصل بينهم هو العرف المتفق عليه من الجميع، وكان الشيخ الضرير هو المسؤول عن تنفيذ إجراءاته دون أن يعتد بدين أحد ولا حتى الملك، ناهيك عن أن يطبق قناعاته الشخصية.

أما الشيوخ الذين اضطلعوا بمهام تدريس القرآن في تلك الدولة المسيحية، فقد كان من بينهم اللقير ود عون الله، وهو أخو القاضي الضرير، فقد كان لديه خلوة وتلاميذ. وقد سبقه في هذا المضمار كل من الشيخ البنداري وكانت له خلوة في "الحلفايا"، وزامله في نفس الفترة الشيخ حمد ود زروق وكانت خلوته بـ"الصبابي"(5). كل هؤلاء الشيوخ عاشوا وماتوا في ظل دولة علوة المسيحية، وقد سبق هؤلاء ـــ وربما عاصر بعضهم ـــ الشيخ غلام الله ولد عايد، الذي يقال إنه قد حل بالسودان في منتصف القرن الرابع عشر، وكان له نشاط ديني واسع في "دنقلا"، وهو جد أولاد جابر الأربعة وأختهم فاطمة، الذين قاموا بدور بارز في مجال التعليم الديني بعد قيام دولة الفونج.

فبالنظر إلى نشاط هؤلاء الرواد، يتضح أن مملكة "علوة" لم تكن مسيحية خالصة، وإنما كانت دولة قد تداخلت فيها الأديان، وشهد عهدها الأخير انحساراً للدين القديم وانبساطاً لجديد، وكان التحول قد بدأ وتنامى داخل نسيج المجتمع، ولم يأتِ إليه من الخارج. هكذا كانت النقلة من دين إلى آخر طوعية، غير مفروضة بالقوة أو الإجبار، لذلك كان التحول سهلاً وطيعاً، ولا علاقة له بأسطورة الحروب الدينية التي خربت "سوبا"، فهذه العاصمة حين انهارت كانت الكتلة الكبيرة من أهلها قد تبنت عقيدة جديدة، ولم تكن في حاجة لأن تقاتل نفسها، ولو كان ذلك قد حدث بالفعل، فإن الذين حفظوا بعضاً من سيرة هؤلاء الشيوخ لكانوا ضمَّنوها شذرات من تفاصيل تلك المعارك.

لقد تداعت السلطة الرسمية للمسيحية، ولكن بقاياها ظلت ماثلة، وهذا ما نشاهده في عدة مواقع بالسودان. ففي منطقة "التكاكي" ـــ التي تشمل مناطق الرباطاب والشايقية ـــ تحولت المباني التي كانت كنائس يتعبد فيها الناس وهم على النصرانية إلى مساجد يؤدون فيها صلواتهم بعد دخولهم الإسلام. بل ظلت بعض المساجد تحتفظ برموزها وأيقوناتها المسيحية(6)، مما يعني أن السكان كانوا لا يرون تعارضاً بين قناعاتهم القديمة ومعتقداتهم الجديدة، فكلها عبادات يتوجهون بها إلى الله. لذلك كان التحول في الوعي الشعبي متدرجاً ومتمهلاً، أعيدت خلاله صياغة الرموز والمفاهيم السابقة لتأخذ طابعاً آخر، لا يسقط القديم ولا يتعارض مع الجديد، فلم تُهدم الكنائس لتشيد بدلاً عنها مساجد جديدة، ولم ينفر الناس منها أو يقاطعوها، بل حُولت المباني ذاتها من كنائس إلى جوامع.

وامتد هذا الانسجام بين العقيدتين إلى سلوك الأفراد، فكان بعضهم يجمع بين الدينين، ولم يقتصر ذلك على عامة الناس، بل شمل قيادات المجتمع أيضاً. وتُروى في هذا السياق أخبار عن شخص كان يخاطب الناس من منبري المسجد والكنيسة معاً، فيعظ المسلمين في مسجدهم، والمسيحيين في كنيستهم. ولا يدل ذلك على نبرة عالية من التسامح، بقدر ما يعكس مرحلة من إعادة التشكل الداخلي والتحول الذاتي، حيث كانت القناعات تتغير من دينٍ إلى آخر بسهولة ويسر، دون إكراه أو ضغط، إلى الحد الذي سمح للشخص نفسه أن يقوم بدور الإمام والقسيس في وقتٍ واحد، دون أن يثير ذلك استغراب معاصريه، أو يدفعهم للتساؤل عن انتمائه الديني، إذ لم يكن الناس في تلك المرحلة يرون في مثل هذا السلوك تعارضاً يستوجب المراجعة والتصحيح.

وتبرز ملامح هذا التحول التدريجي في مفردات التعامل اليومي، فحتى وقت قريب، عندما يقع شجار بين الأولاد في الشوارع، تسمع أحدهم يقول للآخر: "إنعل صليبك" أو "أطلع صليبك"(7)، دون أن يدري أن هذا اللعن كان في الماضي يعتبر إساءة بالغة، وتطاولاً على الرموز الدينية، قد يستوجب المحاسبة والعقاب الصارم، فهي تعادل بمفهوم اليوم أن تلعن لأحدهم دينه، أي تسب مقدساته، وكانت قديماً تستخدم بهذا المعنى، ولكن بمرور الزمن فقدت حمولتها الدينية دون أن تسقط عن الذاكرة الشعبية. واستخدامها الرمزي من قبل الصبية فيه استعادة لمدخرهم الثقافي القديم. ومن هذا الإرث جاءت ألفاظ ومعانٍ لا تزال متداولة، مثل "عرس الكورة"، هذه التسمية الغريبة التي قد لا يدرك كثيرون أنها في الأصل كانت احتفالاً يقام للسيدة مريم العذراء، ثم أعيدت صياغتها بعد ذلك لتصبح مناسبة إسلامية تُجرى فيها الزيجات الجماعية(8). والنماذج تتعدد وتترى، وقد تعرضنا لبعضها من قبل، جميعها ظلت متداولة دون أن نتحرى عن مصدرها وأصلها.

وكل هذه الشواهد مجتمعة تدل على أن الانتقال من المسيحية إلى الإسلام كان تحولاً طوعياً وخياراً فردياً، يتمتع فيه كل شخص بكامل الحرية في تبني العقيدة التي يشاء، دون تدخل من سلطة أو ضغط من مجتمع. وقد أسهمت عوامل داخلية وخارجية في التمهيد لهذا التغير التلقائي في مسار القناعات، فبينما كان الدين القديم ينزوي تدريجياً بعد أن فقد قنوات تواصله بالمراكز المساندة وجفت روافد مدده الوجداني، كان الدين الجديد يجد دعماً متزايداً على المستويات الروحية والفكرية والمادية. فقد كان جل النشاط الاقتصادي الذي يعود بالفوائد والأرباح يأتي عبر التعامل مع الإمبراطورية الإسلامية المزدهرة آنذاك، حيث كانت السلع والبضائع تغدو وتروح على ظهور الدواب وعلى متن المراكب التي تجوب البحار. هذه الحركة التجارية والمصالح المتبادلة وفرت حوافز الانتقال دينياً ولغوياً.

المراجع:

1 ـــ ابن حوقل؛ صورة الأرض؛ دار مكتبة الحياة، بيروت ـــ 1992، ص 61.

2 ـــ الأسواني في الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 356.

3 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 264.

4 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 72.

5 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 50.

6 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 75

7 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 76

8 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

أولياء الزمن المسيحي

 لم يكن الملوك وحدهم من يحظون بالتقديس في العهد المسيحي، بل كانت هناك درجات من هذا السمو يشغلها بعض رجال الدين. فهناك مؤشرات تكشف عن أن الناس لم يكتفوا بجعل رمزية التتويج منفذاً نحو الألوهية فحسب، بل أفسحوا مجالاً للأعمال الفاضلة، وبالذات حين تأتي من الذين تدرجوا في الوظائف الكنسية، فأضفوا هالة من الجلال على رموز المجتمع الديني من مطارنة وأساقفة وقساوسة، باعتبارهم من أصحاب الكرامات القادرين على اجتراح المعجزات. ولم يكن هذا التوجه طارئاً أو غريباً، بل يبدو منسجماً إلى حدٍ كبير مع الموروثات القديمة، التي درجت على إسباغ صفات خارقة على بعض الأفراد تجعلهم فوق قوانين الطبيعة، ومن ثم التعامل معهم بنوع من التبجيل والرهبة. يشير سترابو في حديثه عن المعتقدات القديمة إلى أن هذه التصورات كانت تقوم على بناء هرمي للوجود الإلهي، في أعلاه الإله الخالد الخالق، علة كل شيء، يليه إله آخر، ذو طبيعة مبهمة، بلا اسم محدد أو تعريف قاطع، ثم تأتي مرتبة البشر الذين ارتقوا إلى مقام الآلهة، وفي مقدمتهم الملك وأفراد أسرته بوصفهم مخلّصين وحماة، ثم المحسنون أصحاب الأعمال الخيرة(1).

لقد تناولنا من قبل مسألة تأليه الملوك في العهد المسيحي، والآن ننتقل إلى فئة أخرى من الأشخاص الذين أسبغ عليهم المجتمع قدسية خاصة، دون أن يحظوا بهذا الامتياز لسلطان أو نسب، وإنما لما عُرفوا به من صلاح واستقامة وأعمال فاضلة. ويقدم لنا القبر الذي كشف عنه بالقرب من قرية صحابة، التابعة لمدينة حلفا القديمة، نموذجاً بالغ الدلالة لشخصية من هذا النوع. فقد كان هناك ضريح يُعتقد أنه لأحد أولياء الله الصالحين، وكان الأهالي يجلّون صاحبه، ويستنجدون به في الشدائد والملمات، يندهونه: "يا شيخ عويس القرني تلحقني وتفزعني". وعويس القرني هو الاسم الذي عرف به هذا الشيخ في الذاكرة الشعبية، وهكذا استقرت شخصيته في وجدان الناس.

وبحكم اعتقادهم الراسخ بصلاحه، واظبوا على زيارة قبره بشكل راتب خاصة في الأعياد والمناسبات، كما كان مقصدهم عند الضيق والحاجة، أملاً في تحقيق منفعة أو درء مصيبة. وهذا ما دفعهم للاعتناء بضريحه، فكانوا ينظفونه ويرشونه بالماء، ويعلقون حوله الرايات، ويطلقون فيه البخور، ويقدمون القرابين والنذور، وقد يأخذون من ترابه حفنات يعلقونها في دورهم من أجل البركة والفأل الحسن.

ظل هذا الوضع مستمراً إلى أن بدأت مهام البعثات العاملة في مجال إنقاذ آثار النوبة عام 1964. وقد اكتشفت مجموعة بحثية وجود آثار تاريخية قيمة تحت موضع القبر، ولكن من الوهلة الأولى شعر أفرادها بالتوجس من مواصلة العمل في موقع له ارتباط بمعتقدات الناس، لذلك رفعوا أيديهم، خوفاً من ردة فعل أهل المنطقة، وإدراكاً منهم بأن الحفر في هذا الموقع، تحت أي ذريعة، قد يُعد تعدياً على مقدسات السكان، وفيه درجة عالية من الاستخفاف بمشاعرهم الدينية. لذلك لجأوا إلى المدير الإداري لمدينة حلفا، طالبين منه إيجاد حل وسط يمكنهم من أداء عملهم ولا يسيء إلى المواطنين في معتقداتهم، ولتحقيق ذلك ليس أمامه إلا مخرج واحد، وهو أن يقنع السكان بضرورة نقل القبر من مكانه إلى منطقة آمنة غير مهددة بالغرق. وبالفعل، بعد جولة من الحوار والتفاوض تمكن من انتزاع موافقتهم بترحيل الضريح إلى موقع مرتفع. وبعد أن استقر الرأي على ذلك، قرر الناس حضور كرنفال الانتقال. وفي اليوم المحدد تقاطرت أعداد كبيرة منهم للشاركة في مراسم تشييعه إلى مثواه الجديد، والأهم من ذلك إلقاء نظرة نادرة على جثمان هذا الشيخ الموقر، صاحب الكرامات وخوارق العادات. وبالطبع كان التصور العام لدى الجميع أنه أحد أفراد الرعيل الأول من المسلمين الأتقياء في هذه المنطقة.

غير أن المفاجأة جاءت مدوية، فما أن كُشف عن الجسد المسجى، حتى رأوا ما لم يكن في الحسبان، فصاحب القبر لم يكن من أولياء الله الصالحين ـــ حسب ما هو متعارف بينهم ـــ بل لم يكن مسلماً أصلاً، وإنما كان أسقفاً مسيحياً، وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى والصليب يتدلى على صدره، شاهداً صامتاً على هويته. عندها خيم الذهول على الحضور. لقد كانوا يندهونه ويتضرعون إليه، وهم يعتقدون أنه ولي مسلم تقرب إلى الله بالنوافل حتى أحبه، وفتح له أبواب السماء، فصارت دعواته مستجابة لا تُرد، وبناءً على هذا التصور، جعلوه وسيطاً بينهم وبين ربهم، يدعونه ويستغيثون به(2)، فإذا به على عقيدة أخرى لا تتسق مع قناعاتهم الحالية. ولكن رغم غرابة المشهد وما يتضمنه من تباعد في الرؤى، فإن المنظر الذي تجسد أمامهم في تلك اللحظة، كشف عن الطبيعة العميقة للتدين السوداني المتسامح، كما أظهر بوضوح التواصل الثقافي الذي لا ينفصم، فما كان مقدساً لدى الأسلاف صار مقدساً لدى الأحفاد، ومن كان ولياً في نظرهم، ظل ولياً لدى من جاء بعدهم، بغض النظر عن نوعية إيمانه، فقد مضى بجسده ومعتقده، لكن بقيت سيرته الحسنة وذكرى صلاحه تتنقل عبر الأديان، فالقيم الجميلة لا تنقلب إلى قبيحة لمجرد تغير القناعات.

إن الكشف عن هوية صاحب هذا القبر يوضح أن ظاهرة تنصيب وسيط بين العبد وربه قد ظلت تحتل حيزاً مميزاً في ثقافة أهل السودان منذ زمن بعيد. فقد درج الناس دائماً على التقرب إلى الله عبر من يتوسمون فيهم خيراً، أولئك الذين يعتقدون أن لهم حظوة خاصة عند الله، اكتسبوها بصدق تعبدهم له، وامتثالهم الجاد لأوامره، وعلى هذا الأساس كانوا يمنحون صكوك القداسة لرجال الدين، لا بوصفهم آلهة، بل باعتبارهم جسوراً تمتد بين الأرض والسماء. ولم يكن تنصيب هؤلاء في تلك المواقع الرفيعة نابعاً من رغبات شخصية أو نزعات فردية، بل استجابة لحاجة اجتماعية حقيقية، فوجود شخص يُعتقد أنه قادر على تحقيق هذا التواصل ـــ ولو نظرياً ـــ لم يكن أمراً هامشياً، بل ضرورة نفسية وروحية، إذ يساعد الناس على مجابهة مشاكل الحياة، ويمنحهم الطمأنينة ويبث فيهم الأمل ما دام حياً بينهم، وتستمر رمزيته وقيمته المعنوية حتى بعد مماته.

لهذا شهدت الحقب التاريخية المختلفة حضوراً مميزاً لرجال الدين، تمثل قديماً في كهنة المعابد، ثم في رجال الكنيسة، ومن بعدهم في قيادات الطرق الصوفية. وقد حدث تداخل واضح بين المرحلتين الأخيرتين، جسّده هذا الأسقف الذي أصبح ـــ في نظر مريديه ـــ شيخاً، فقد كان أهل زمانه يعتقدون في صلاحه وهم على مسيحيتهم، وحين انتقل إلى رحمة مولاه، صاروا يزورون قبره ويتبركون به. ومع الانتشار التدريجي للإسلام، لم يتغير موقعه في وجدان الناس؛ فالاحترام والإجلال اللذان كان يحظى بهما في عهد الآباء، ظل الأبناء يحفظونهما له. ومع مرور الزمن بدأت صورته الذهنية في المجتمع تتحول من رجل دين مسيحي إلى النسخة المطابقة له في الإسلام، أي الشيخ الولي. فالرجل في ذاته ظل كما هو، لم يتبدل، غير أن صورته في أذهان الناس أعيد تشكيلها، بما يتناسب مع المعتقد الجديد.

وهذا يدل على أن التحول الديني في السودان لم يحدث قطيعة مع الماضي، بل كان انتقالاً مرناً ومتدرجاً؛ إذ لم يدخل الإسلام بطريقة فجائية أو سريعة، وإنما تسلل على مهل، وبالرفق واللين، الأمر الذي أتاح المسايرة والمجاراة، والتكيّف البطيء بين الجديد والقديم، وبذلك أصبحت الممارسة الدينية تتم من خلال التراث الذي يحتفظ بقيم جميع الأديان التي عرفها المجتمع، من أولها إلى آخرها. فكان انتشار الإسلام الأوسع من خلال نقرات النوبة وترنح حلقات الذكر وتفاعل المصالح في القوافل والأسواق، فحافظ الناس على موروثهم القديم، مع إكسابه صبغة جديدة تتسق وتتلاءم مع انتقالهم من عقيدة إلى أخرى.

وهكذا تعامل الأبناء المسلمون مع ما تعامل معه أجدادهم المسيحيون بالطريقة نفسها، فأصبح الأسقف الصالح في المسيحية، شيخاً من أولياء الله في الإسلام، وهو الشخص نفسه، غير أن صورته تبدلت شيئاً فشيئاً بفعل تداخل الماضي مع الحاضر. ويؤكد ذلك استمرارية القيم في المجتمع، ومن بينها تعظيم الأولياء والصالحين، بغض النظر عن انتمائهم الديني. فاعتقاد الناس في أن هذا الأسقف كان من الأتقياء، الذين فتح الله بصيرتهم وأنار طريقهم، يوضح أن ظاهرة تقديس الأولياء كانت سائدة في العهد المسيحي، وليست خاصة بصوفية الإسلام، بل هي بالأحرى قد تنزلت إليهم من الإرث السوداني القديم.

المراجع:

1 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 387.

2 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 22.

الأحد، 7 يونيو 2026

تأليه الملوك ـــ نموذج إسلامي

 لم تقتصر ظاهرة تأليه الملوك على الأزمنة الموغلة في القدم، ولا على الأديان المحدودة والمجتمعات المغلقة، بل ظهرت بعض هذه التصورات في سياقات عربية لاحقة، وذلك ليس في الفترات التي سبقت الإسلام، بل بعد أن تأسست أركان دولته بعدة قرون. فبينما بدأت الدعوة الإسلامية في أوائل القرن السابع الميلادي، برزت دعوات ذات طابع باطني، تؤسس لتقديس الحكام في مطلع القرن الحادي عشر، وتحديداً في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي. ففي عام 1017 ظهرت في مصر طائفة دينية دعت إلى اعتبار الحاكم إلهاً(1).

وكانت لهذه الجماعة منطلقات عقائدية ورؤى فلسفية بنيت عليها أطروحاتهم، ولديهم شروح توضح الأسس المنهجية والمبادئ الفكرية التي تقوم عليها دعوتهم. فمحور تنظيراتهم ترتكز أساساً على فرضية "الحلول"، وهو المفهوم الذي يقوم على تصور إحلال الصفات الإلهية في البشر، بدءاً من آدم مروراً بالأنبياء وصولاً إلى النبي محمد، ثم استمرار هذا الحلول في نسله. وبما أن الخلفاء الفاطميين ينسبون أنفسهم إلى بيت النبوة، فقد اعتبرت هذه الطائفة أن الألوهية قد حلت فيهم، وهو الأساس النظري الذي قامت عليه دعوتهم.

غير أن الحاكم بأمر الله لم يكن في حاجة فعلية إلى هذا المستوى من التقديس، إذ كان قد حصن موقعه السياسي والديني منذ البداية، من خلال تقديم نفسه بوصفه حاكماً مفوضاً من الإله، وهو ما انعكس بوضوح في لقبه الرسمي. وبذلك أضفى على قراراته طابعاً دينياً يجعل الاعتراض عليها خروجاً على الإرادة الإلهية، ووضع نفسه في منزلة تتجاوز عامة الناس، أو بالأصح نصب نفسه وسيطاً بين السماء والأرض، فاستغل اسم الإله ووضع نفسه في الموقع الذي يجعل أوامره مطاعة وإرادته نافذة. وهذه الدعوة لم تكن لتضيف صلاحيات جديدة إلى السلطات التي انتزعها من خلال لقبه المقدس، ومع ذلك، فقد رحب بهذه الدعوة واحتضن أصحابها وبذل لهم المال، وسمح لهم بنشر أفكارهم داخل المجتمع، بما في ذلك مخاطبة المصلين في المساجد. فبدأوا بنشر أفكارهم من خلال الجامع الأزهر، إلّا أن أطروحاتهم لم يكن مرحباً بها، إذ رأى فيها كثير من الناس محاولة لتعميق استبداد السلطة، وزيادة ثقل وطأتها عليهم، فجوبهت برفض واضح، وأمام هذا الاعتراض، اضطر دعاتها في النهاية إلى مغادرة مصر.

وقد استمرت هذه الدعوة في بعض أقاليم المشرق العربي، وارتبطت لاحقاً بالطائفة المعروفة اليوم بـ"الدروز"، في بلاد الشام(2)، وهي جماعة انشقت عن التشيع وسلكت مساراً باطنياً خاصاً، اتسم بالمبالغة في تعظيم الشخصيات الدينية والسياسية، وصولاً إلى إضفاء صفات فوق بشرية على الحكام. بوجه عام، يمكن القول إن نزعة تقديس الحكام لم تقف عند هذا الحد، بل أعادت انتاج نفسها في صور رمزية ولغوية مختلفة في العصور اللاحقة من خلال الألقاب والتشريفات التي تطلق على الرؤساء والزعماء، وهي عملية مستمرة تهدف إلى ترسيخ الطاعة والخنوع، وإضفاء بعد ديني على النشاط السياسي.

قد يبدو نظرياً أن هذا الوضع قد تجاوزته المجتمعات، وبالذات في الدول التي تدعي ممارسة الديمقراطية، ولكن في الواقع، فإن وسائل إعلامها غالباً ما تكرس عقيدة تقديس الحكام، فتغرق أسماء الرؤساء بألفاظ التعظيم والتمجيد. نسمع في الاذاعة أن صاحب الجلالة قد افتتح زريبة فحم في السوق الشعبي، مع أن الجلالة في معناها المطلق لا تليق إلّا بالإله. غير أن هذه الأوصاف تستخدم بلا حرج في إطار التوظيف السياسي. فحين تنسب "الجلالة" إلى بشر، تُفرغ اللغة من معناها، ويختزل المطلق في المحدود، ويرفع العادي إلى مرتبة المقدس. وأحياناُ قد يتقاصر اللسان استحياءً عن لفظ الجلالة، إلّا أنه لا يتواني في ترداد ألفاظ أقل بريقاً مثل: صاحب الفخامة، أو صاحب السمو، أو السعادة. وهي إيحاءات تشترك جميعاً في استدعاء علاقة الإذعان والخضوع، بين الحاكم والمحكوم، وفي ذلك استرجاع للماضي وتجلٍ للرواسب القديمة.

هذه الألقاب التي تُلتصق بالحكام ليست مجرد زينة لغوية أو أعراف بروتوكولية، بل هي أدوات أيديولوجية تعيد إنتاج الرضوخ والطاعة في الوعي الجمعي. هكذا تمارس السلطة نفوذها، لا بالقوة وحدها بل بالكلمات، حيث يلعب الإعلام دور الكهنة، فيرفع الحاكم إلى معبود رمزي، ويتحول الجمهور إلى جماعة مستلبة تتلقى وتصدق وتصفق، فتستمر عبادة الملوك والحكام التي عرفتها الحضارات الأولى، وظلت ماثلة بصور مختلفة عبر الزمن، ولا تزال تؤدي وظيفتها السياسية في عالم اليوم، بنفس الشكل القديم، ولكن بمساحيق جديدة.

المراجع:

1 ـــ المقريزي؛ كتاب السلوك؛ الجزء الأول؛ القسم الثالث ـــ 1939، ص 902 ه 3.

2 ـــ محمد جمال الدين سرور؛ موسوعة تاريخ مصر عبر العصور ـــ 1993، ص 267.

ملوك المسيحية المؤلهون

 عندما اعتنق غالبية أهل السودان المسيحية، لم يكن ذلك انتقالاً قاطعاً من منظومة عقائدية إلى أخرى، بل دخلوا إلى الدين الجديد وهم محملون بكامل تراثهم العتيق، فقد ظل الملك ـــ الذي كان يُنظر إليه في الأزمان السالفة بوصفه إنساناً وإلهاً(1) ـــ محتفظاً بمكانته ذاتها بعد التحول الديني، دون أن تُخفض مرتبته أو يعاد تعريفه وفق المفهوم المسيحي الذي يفصل بين الإله والإنسان. بل أدرج داخل المنظومة الجديدة بوصفه كائناً ذا طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، في تركيبة لا تخلو من تشابه مع تصور المسيح، كإله كامل وإنسان كامل، وإن تجاوزته عملياً، إذ ظل الناس في عبوديتهم الواقعية للملك، وإيمانهم الرمزي بالدين الجديد.

واستمرت هذه القناعة على نفس النهج القديم، على رغم من أن المسيحية قد ازدهرت بينهم وصارت الديانة الرسمية في الممالك السودانية الثلاث، وأضافت بعض العادات والتقاليد إلى القيم المتوارثة، وغطت على كثير من ممارسات الماضي، وأسهمت في تشكيل القومية السودانية آنذاك، كما حققت نوع من الوحدة الدينية تجسدت في إنشاء كنيسة خاصة بهم في القدس(2)، تضم الزوار من نوباديا والمقرة وعلوة في مواسم الحج. من الواضح أن المسيحية كانت تشكل محور نشاطهم الديني. ولكنها مع ذلك لم تنجح في تفكيك البنية الذهنية العميقة التي تربط السلطة بالألوهية، فقد تكيّف الدين الجديد مع الموروث أكثر مما حل محله، فتجاورت القيم القديمة وتعاليم المسيحية في صيغة واحدة، دون أن يشعر المجتمع بتناقض أو حرج. أقروا لملكهم المسيحي بالألوهية، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عبدته المسيحيين. وما كان لمثل هذه التوليفة الاستثنائية ـــ المشاترة ـــ أن تستقيم، لولا توفر ذهنية متسامحة، لا تعرف الإقصاء ولا تميل إلى القطيعة، وتمتلك القدرة على التكيّف مع تحولات الزمن دون أن تنبذ الماضي. فمن الناحية النظرية تخلى الناس عن معتقدهم القديم، لكنهم عملياً ظلوا أوفياء لتوجهاته العميقة. أو بالأصح لم يستبدلوا عقيدة بأخرى، وإنما شكلوا خلطة من الأصيل والمكتسب، فمع اعتناقهم المسيحية، استمرت عبوديتهم وولاؤهم للملك دون أن يروا في ذلك تنافر أو تعارض وعد انسجام.

تشير المصادر التاريخية إلى رسوخ هذا التصور على مدى زمني طويل، فقد ذكر ابن سليم الأسواني عند زيارته للسودان، أنه وجد الناس يعاملون الملوك بصفتهم آلهة، يطيعونهم  طاعتهم لله ويسجدون لهم(3). ويقول القزويني إن النوبة يعتقدون أن ملكهم قادر على أن يُحيي ويُميت، كما أنه قادر على أن يمنع عنهم الأذى أو يلحقه بهم، وله الحق المطلق في أن يتصرف فيهم وفي أموالهم وأملاكهم كما يشاء(4). جاءت شهادة الأسواني في القرن العاشر الميلادي، وأدلى القزويني بإفادته في القرن الثالث عشر، مما يعني أن مسألة تأليه الملوك، لم تكن ظاهرة عابرة في بدايات العهد الميسيحي، ثم تراجعت بعد ذلك، إنما ظلت عنصراً ثابتاً لازمه من البداية حتى النهاية. طيلة هذه الفترة التي شارفت على الثمانية قرون، ظل الناس على اعتقادهم القديم، أن الملك ليس هو حاكمهم فقط، وإنما هو ربهم أيضاً.  

وهكذا تعايشت القيم المتوارثة مع تعاليم الدين الجديد، فظل القديم ماثلاً رغم النقلة الروحية الكبيرة. وربما احتاج الأمر إلى بعض المواءمات بين ما كانوا يؤمنون به سابقاً، وما تبنوه لاحقاً، بحيث يضاف الجديد إلى القديم، دون أن يلغي أحدهما الآخر، ولذلك ظل الملك في نفس موضعه السابق، رغم تعارضه مع مبادئ العقيدة الجديدة. فالقاعدة المسيحية التي تفصل بين الملك والإله، لا تصلح في الحالة السودانية، لأن "القيصر" هنا هو "الإله" نفسه، وبالتالي يمكنه أن يستأثر بحقه وحق الحاكم معاً، ثم يكوش على حقوق الشعب كافة. وهذا ما كان جارياً بالفعل، فكل الأراضي في حيازته، وكل الناس تحت تصرفه وطاعته، وبالتالي تسقط مقولة: "ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وحتى مفهوم الثالوث "الأب والابن والروح القدس" يمكن أن يتمدد ـــ نظرياً ـــ ليضم الملك فيصبح رباعياً، دون أن يخل بالإنسجام الثقافي السائد.

هكذا تخللت القيم القديمة الدين الجديد وتسايرا معاً في توافق ووئام، قرابة عشرة قرون، إلى أن انهارت علوة. في كل هذا المدى الزمني، ظل الملك إلهاً يعتنق المسيحية، وظل أتباعه مسيحيين يدينون له بالعبودية، دون أن يستشعروا تعارضاً بين ما ورثوه وما اعتنقوه، بعد أن تكيّف المقيم مع الوافد، وترافقا في نسيج مجتمعي واحد، مع بعض التعديلات الطفيفة التي تجعل التوافق ممكناً.

وهناك حوادث وقعت في ذلك العهد تكشف عن إقرار الملك بألوهيته، على الرغم من إيمانه بالمسيحية. ولم يكن الملك وحده من كان يعايش هذه الازدواجية العقائدية، فرعاياه أيضاً كانوا يتبنون نفس القناعات ـــ الإيمان بألوهية الملك مع اعتناق المسيحية في آنٍ واحد ـــ وفي إطار هذه البنية المفاهيمية المركبة، وقعت بعض الحوادث اللافتة، التي وضحت بعض ملامح التدين في تلك الفترة. فقد تحدث المسعودي عن حالات بيع للأراضي جرت في الأطراف الشمالية للسودان القديم عند الشلال الأول، وذلك في زمن الدولة العباسية، فحينها تجرأ بعض السودانيين في المناطق المتاخمة لأسوان على بيع مزارعهم لبعض المصريين، وعلى ما يبدو أن مساحاتها كانت كبيرة، فبحسب تعبير المسعودي: إن المسلمين بأسوان كانت لديهم ضياع كثيرة داخل أرض النوبة، وبالطبع فإن هؤلاء أجانب، ليسوا من مواطني مملكة المقرة.

هذا الوضع دفع الملك في دنقلا للاحتجاج لدى الخليفة العباسي، باعتبار أن الذين باعوا تلك الأراضي هم عبيده، وأن الأراضي جزء من أملاكه، ولا يحق لهم التصرف فيها. فأمر الخليفة بتشكيل محكمة للنظر في هذه الدعوى. وأمام هذا التطور، سعى المشترون إلى إيجاد وسيلة تمكنهم من الاحتفاظ بالأرض، فقاموا بتلقين البائعين من النوبة حجة يمكن أن تسقط شكوى الملك، ومفادها أن علاقة النوبة بملكهم تماثل علاقة المسلمين بخليفتهم، وهي فكرة ذكية ومقبولة وفق المفاهيم العربية، وبوسعها أن تطمس الفوارق الثقافية والعُرفية بين البلدين. دخلوا المحكمة مسلحين بهذه الحجة، وطرحوا وجهة نظرهم أمام القاضي وبحضور موفد ملك المقرة، متعللين بأنهم ـــ مثل أهل مصر ـــ ملزمون بطاعة الملك وعدم مخالفته، أما فيما عدا ذلك فهم أحرار كغيرهم من رعايا الدولة الإسلامية. وأضافوا أنه إذا كان هناك قانون أو إجراء يجعل منهم عبيداً لحكامهم، وينتزع منهم أموالهم وممتلكاتهم، فإنهم على استعداد للخضوع له، والإقرار بعبوديتهم للملك، وإعادة الأراضي التي باعوها للمصريين(5).

بالطبع كانت هذه المرافعة ـــ بالنسبة لأي قاضٍ عربي ـــ مقنعة وكافية لإسقاط دعوى الملك، والإقرار لهؤلاء الأفراد بالحرية وحق التصرف في أملاكهم. ولم يكشف لنا المسعودي في هذه القصة عن رد ممثل الملك في المحكمة، ولكن من المرجح أنه التزم الصمت، لأن العبودية التي تضمنتها الشكوى لم تكن قائمة على نفس المعايير العربية، فهي عبودية اسمية وليست فعلية، فلو كانت تعني التملك الشخصي، مثلما هو شائع لدى العرب، لكان من حق الملك أن يطالب السلطات في مصر بالقبض عليهم وردهم إليه بصفتهم عبيد آبقين هربوا من سيدهم، تنفيذاً للاتفاقات المبرمة، لكنه لم يفعل لأنهم في الحقيقة لم يكونوا رقيقاً، بل كانوا أحراراً وعبيداً في آنٍ واحد: أحراراً بحكم الواقع، وعبيداً بحكم التقاليد، فالملك بالنسبة إليهم ـــ من الناحية النظرية ـــ سيد بحكم مكانته الروحية، وهو الأمر الذي أشارت إليه الدعوى. وهذا، على ما يبدو، ما لم يفهمه المسعودي، لذلك قام بتصنيف النوبة إلى نوعين: أهل "المريس" الذين رفضوا التنازل عن بيع أراضيهم، أو بالأصح رفضوا الإقرار للملك بالحق في الأراضي التي تصرفوا فيها، وبناءً على هذا الموقف اعتبرهم أحراراً فلتوا من قبضة سيدهم، وبقية سكان المقرة الذين لازالوا يعيشون ويعملون في الأراضي التي تعتبر اسمياً في حوزة الملك، اعتبرهم عبيداً له.

ونفس هذا الرأي الذي قسم جميع النوبة إلى فئتين عبيد وأحرار، تكرر بعد ذلك في بعض البحوث السودانية اعتماداً على وجهة نظر المسعودي(6)، على الرغم من أنها في الغالب مجرد رؤية انطباعية لا يعتد بها، إذ إن المسعودي قد ناقش هذه الحالة بمعزل عن سياقها التاريخي، وكأنها ظاهرة متفردة تخص النوبة وحدهم. وربما لم يكن على  علم بأن هذا النظام كان شائعاً في وادي النيل منذ أقدم العصور، بل كان أوسع نطاقاً وأشد قسوة مما ورد في هذه الحادثة. فقد كان الملوك في الحقب السابقة يسيطرون على كافة مناحي الحياة، ويديرونها لصالح أنفسهم، فمثلاً في مصر قديماً، كان "كل شيء من متاع ورجال في حوزة الملك، وكان سائر رعيته عبيداً له. وكذلك كانت الأرض والتجارة والصناعة من ممتلكاته". وقد استمر هذا الوضع لآلاف السنين، حتى أن الإغريق الأوروبيين عندما وطأت أقدامهم أرض وادي النيل وحكموا البلاد، في القرون الثلاثة الأخيرة من الألفية الأولى قبل الميلاد، استفادوا من هذا الوضع إلى أقصى حد، ففي عهد البطالمة، كانت جميع الأراضي والمنتجات ملكاً للحاكم، وحُرم المواطنون من حق التصرف فيها(7)، تحت الزعم نفسه: أن الحاكم يجسد الإله، وأن كل ما في البلاد ملك له.

لقد كان هذا النظام معروفاً في السودان منذ وقت باكر. وكما ذكرت سابقاً، فقد أشار الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي إلى أنه كان مطبقاً في "مروي"، وأن أهلها كانوا يعبدون ملوكهم كآلهة، وأن هؤلاء الملوك كانوا يعيشون في عزلة داخل قصورهم(8). وما كان يجري في مروي هو امتداد لتقليد قديم، افترعته "كرمة"، وعايشته نبتة من قبل. وربما كانت هذه الحقائق غائبة عن المسعودي، لذلك اعتبر عبودية الرعايا لملكهم، ظاهرة خاصة بالنوبة وفي ذلك الوقت بالتحديد، وبناء على هذه الرؤية القاصرة، قام بتصنيف السكان إلى عبيد وأحرار، لمجرد أن بعضهم قام ببيع أراضيه للأجانب.

ولتوضيح هذه الفكرة سوف أسترسل بعض الشيء لعلي أستطيع الكشف عن المعنى الحقيقي لهذه العبودية. فبالنظر إلى تاريخ وادي النيل نجد أن عبودية الناس لملوكهم كانت سمة عامة لمرحلة تاريخية طويلة، استمرت لآلاف السنين، وقد عايشها جميع سكان الوادي في مختلف الحقب. وقد انتهت هذه الظاهرة في مصر في أواخر العهد البيزنطي، أو مع بداية الحكم الإسلامي. بينما استمرت في السودان إلى زمن متأخر، ربما يعود إلى نهايات العهد المسيحي، ولكنها من الناحية النظرية ظلت باقية في مفاهيم الناس حتى أواخر دولة الفونج وسلطنة الفور. هذه هي الصورة العامة التي كانت سائدة، وعلينا أن لا نقفز فوقها لنصدر أحكاماً على فترة محددة، أو حالة منفردة. وإذا أخذنا مسألة العبودية للملك في سياقها التاريخي، فسنجد أنها مجرد كلمات طقوسية خالية من المضامين العملية، فالعلاقة بين الملك ورعيته لم تكن علاقة سيد بعبد بالمعنى الفعلي، فالرق في جوهره علاقة اقتصادية تقوم على البيع والشراء والتملك بصورته السلعية. ولذلك لم تكن علاقة الملك بشعبه في تلك الفترة تعني علاقة العبيد بالأسياد، فهي ليست علاقة مادية بُنيت على دفع أثمانهم في سوق النخاسة، وإنما هي علاقة روحية تشبه علاقة العابد بالمعبود، فالملك في عقيدة أهل ذلك الزمان كان إلهاً، أو على الأقل ـــ في نظر الناس ـــ له قدرات إلهية، مما يجعلهم ينصاعون لمشيئته طائعين، ومن هنا سادت القناعة بحقه في السيطرة الاسمية على الأرض وما عليها من سكان وزرع وضرع، فهو رب كل شيء.

هذا التصور هو ما جعل الملك يذكر في شكواه التي رفعها للخليفة العباسي أنهم عبيده، وهذا لم يكن خطأ في سياقه الثقافي، لكنه لم يراعِ الفارق القيمي بين مفهوم العبودية في مجتمعه ومفهومها عند العرب. فمصطلح عبيد المستخدم في تحديد نوع العلاقة بين شعب النوبة والملك لم يكن يحمل نفس الدلالة العربية، فهم ليسوا من ممتلكاته، وإنما تربطه بهم علاقة أشد رسوخاً ووثوقاً من علاقة العبد بسيده، لأنها تقوم على الاعتقاد والولاء لا على البيع والشراء.

وبذلك يتضح أن ما ورد في هذه القصة لا ينبغي أن يُتخذ أساساً لإصدار أحكام قاطعة حول طبيعة النظم الاجتماعية، وأشكال الملكية وعلاقات الإنتاج في النوبة، كما لا يصح الاستناد إليها لتعميم حكم على شعب بأكمله بأنه كان خاضعاً للرق بالمعنى الحرفي. إذ لا يعقل أن يقوم شخص واحد ـــ مهما كانت مكانته ـــ باستعباد أمة وتسخيرها لخدمته، فالمعلومة التي تسقط الحرية عن جميع السكان لا تستقيم مع المنطق ولا مع الواقع التاريخي، فضلاً عن أنها لم ترد إلا عند المسعودي، إذ لم يشر إليها غيره من الرحالة والمؤرخين، فلم يتطرق إليها الأسواني ولا ابن حوقل وهما قد جابا السودان، وزارا أهم مواقعه الإدارية في زمانهما، كما أن غيرهما ممن سمع وكتب عن تلك الفترات لم يشر إلى ذلك، بل اتفقوا على أن الملك كان سيداً معبوداً وأن الرعية كانت تسجد له(9)، وهو ما يوضح طبيعة العبودية المقصودة.

من كل ذلك يمكننا القول أن صورة الملك المؤله ظلت قائمة حتى بعد اعتناق المسيحية، وأن الموروث العقدي القديم استمر في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي، على الرغم من التحول الديني الظاهري، وهذه سمة أصيلة لازمت النقلات الكبرى في هذه البلاد.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.

2 ـــ يوسف فضل؛ تاريخ السودان وأفريقيا؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 116.

3 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 356.

4 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 25.  

5 ـــ المسعودي؛ مروج الذهب؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الخامسة ـــ 1973، ص 22. 

6 ـــ تاج السر عثمان؛ تاريخ النوبة الإقتصادي الإجتماعي؛ الخرطوم ـــ 2003، ص 27.

7 ـــ ماسبيرو في عمر طوسون؛ مالية مصر ـــ 1931، ص 16.

8 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.

9 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 311.

تأليه الملوك

 تأليه الملوك، من أقدم المعتقدات في حضارات وادي النيل. وقد آمن أهل السودان بهذا التصور، فكان الملك في نظرهم إلهاً(1)، أو على الأقل شبه إله، يتمتع بقدرات خارقة وقوة مطلقة وإرادة نافذة، بكلمة منه عند الرضا، يمكن أن تتنزل البركات، ويعم الخير والنعيم، وبإشارة منه إذا ما غضب، يمكن أن تُمحق البلاد، وتنتشر الأوبئة والأمراض، ويعم البلاء. هكذا كان الناس يعتقدون في جبروت هذا المنصب. لذلك كانوا يخشون الحاكم خشية حقيقية، ويخضعون له خضوعاً مطلقاً. وبناءً على هذا الانقياد الأعمى، وضع الملوك أيديهم على كل شيء، استحوذوا على الأرض، وأحالوا سكانها إلى عبيد، واستولوا على مقتنياتهم، بحيث لا يحق للرعية التصرف في أي شيء إلا بإذن من صاحب الجلالة.

وقد إستمر هذا الوضع لآلاف السنين، جرى خلالها توظيف هذا المعتقد على أوسع نطاق، من أجل استعباد البشر واستنزاف مقدراتهم، فكان من أبشع صور الاستغلال التي لازمت كافة مراحل التاريخ. حتى إن الإغريق القادمين من أطراف أوروبا، عندما بسطوا نفوذهم على مصر في الفترة ما بين عامي 330 و30 قبل الميلاد تقريباً، استفادوا من هذا النهج القديم، وحكموا البلاد بنفس الأسلوب، فنصبوا أنفسهم آلهة، وأحالوا السكان إلى عبيد، وسيطروا على الأراضي والمنتجات، باعتبار كل ذلك من أملاك الإله المتجسد في شخص الملك(2).

وقد خضع السودان قديماً لهذا النمط من الاستغلال لحقبٍ طويلة، إذ أشار الجغرافي "سترابو" في القرن الأول الميلادي إلى هذا النوع من الحكم في "مروي"، فذكر أن ملوكها كانوا يتربعون على سدة الحكم بصفتهم من صنف الآلهة، وكانت الرعية تمجدهم وتمتثل لطاعتهم، بينما كانوا يعيشون في قصور معزولة تفصلهم عن عامة الناس(3). لقد كشف هذا عن التقاليد السائدة التي تميز بين الحكام والمحكومين على أساس عقائدي، ثم أضاف معلومة أخرى، تتمثل في العزلة التي كان يفرضها الملوك حول أنفسهم، فكانوا ينأون عن الاختلاط بأفراد الشعب، وهذا السلوك لا يُعد ابتكاراً خاصاً بمروي، وإنما هو تقليد راسخ ظل متبعاً في جميع المراحل االسابقة.

هذا التعالي نابع من الاعتقاد العام بأن الملك ليس إنساناً عادياً، بل كائن مقدس، من فصيلة الآلهة، وبحسب هذه القناعة، يسلمون إليه مقاليد أمورهم، ويوكلون إليه مهام تصريف شؤون حياتهم. فهو المؤهل  لأداء هذه الوظيفة بحكم تكوينه الإلهي، أو لكونه إلهاُ، ينتمي إلى السماء ويحكم الأرض، أو مفوضاً منها للنظر في أحوال سكان الأرض. فإن لم يكن إلهاً بالمعنى الصريح، فهو صاحب قدرات إلهية لا تقهر ولا ترد. ومن أجل ترسيخ هذه الفكرة، عملت الحاشية والكهنة على ملء ردهات المعابد بالتماثيل والرسوم التي تظهر الملوك في مقام الآلهة(4)، حتى يقتنع الناس بأن لهم قدسية خاصة، وأنهم يحتلون مكانةً فوق البشر، ويملكون قدرات مطلقة تمكنهم من فرض مشيئتهم، فيكون التسليم لهم شاملاً، والطاعة واجبة، لا خوفاً من سلطة الحاكم، وإنما خضوعاً لإرادة الإله.

هذه العقيدة يصنعها الكهنة ويروجون لها ويشرفون عليها، فهي وسيلتهم الأنجع للسيطرة على المجتمع. ولم يكتف هؤلاء بمنح الملوك هذه السلطة القاهرة، بل ميزوا أنفسهم أيضاً بمكانة روحية سامية تجعلهم في مرتبة أعلى من سائر البشر، بادعاء أن لهم قدرات خارقة، تمكنهم من إسباغ الراحة والأمان على من يرضون عنه، وإنزال الويل والثبور بمن يسخطون عليه. فكان السكان ينصاعون لهم ويتحاشون غضبهم. هذا على مستوى عامة الناس، أما تأثيرهم الأكبر فكان وطأته تقع على عاتق الملك نفسه، فهم الذين ينصبونه حاكماً، ثم يعلنون عنه إلهاً، وبنفس القدر يمكنهم التخلص منه، إذا ما حاد عن دربهم أو ظهرت عليه بوادر الضعف والوهن، حينها يعدون له مراسم قتل طقوسي تليق بمقامه، وعليه أن يذعن لإرادتهم ويسلمهم رقبته، يقتلونه، وينصبون ابن أخته ملكاً وإلهاً جديداً. هذا هو النظام الذي كان متبعاً في كل من كرمة ونبتة ومروي ونوباديا والمقرة وعلوة، وكان حاضراً كذلك في الثقافة السياسية لدولة الفونج، وسلطنة الفور، وربما تقلي والمسبعات.

بدأت هذه المعتقدات تتبلور منذ آمادٍ سحيقة في نطاق وادي النيل، وذلك في سياق بحث الإنسان عن معينات تحد من آثار تقلبات الطبيعة وتحميه مما يخبئه القدر. ففي إطار هذا السعي، تصور الإنسان وجود قوى غيبية تتحكم في الكون، فسعى للتقرب إليها من خلال التضرع والابتهال لبعض المظاهر الطبيعية، التي رأى فيها تجسيداً لتلك القوى المجهولة. فعبد الشمس والقمر والأنهار. ومع تطور الوعي، تشكلت لديه تصورات بدائية عن الآلهة، في هيئة رموز ذهنية قدسها بطرق ساذجة، ثم شاد لها بيوتاً على الأرض لإقامة الشعائر تقرباً إليها، وإظهاراً لمشاعر الخنوع والطاعة، لعل ذلك يؤدي إلى لجم غضبها وكسب رضاها. وفي مراحل لاحقة جرى تجسيد هذه التصورات المجردة في أشياء ملموسة يمكن التواصل معها ومخاطبتها بطريقة مباشرة عند الحاجة(5).

ومن هنا ظهرت الآلهة المقيمة بين الناس في صور حيوانات أو حجارة أو أشجار، أو أي كائن ذي دلالة خاصة. ثم أُضيف إلى هذه المنظومة بعض البشر، كفرسان الأساطير الشعبية والملوك الحماة. وتشير حكمة وردت في أحد النصوص القديمة إلى "أن الله خفي، ولذلك وجب على الناس تقديس صورته كبديل"(6). وقد أقيم لهذا البديل أماكن مخصصة للعبادة، خضعت لإدارة كهنة يحفظون أسرار العقيدة، ويشرفون على أداء طقوسها. فصارت الشعائر الدينية أكثر تعقيداً، وأبعد عن الفهم العام. وفي هذه المرحلة تداخل المقدس بالسياسي، وبرزت في هذا السياق عبادة الملوك، ولتعزيز مكانتهم أضفيت عليهم طبيعة استثنائية، ترفعهم عن الأرض وتلحقهم بالسماء، فأصبحوا في عرف الناس آلهة أو أنصاف آلهة. وتذهب بعض التصورات إلى أن الملك، وإن كان له أب معروف يحمل اسمه، فهو في الوقت ذاته ابن للإله الأكبر(7)، الذي يوصف بأنه "الخالق الذي تولد من نفسه في البدء، وصنع كل شيء ولم يصنع"(8). لذلك سعى الملوك إلى الانتساب إليه، فكان كل منهم يختار عند تتويجه اسماً يربطه بهذا الرب، ثم يحكم البلاد بصفته ابنه، وحين يدركه الموت ـــ كما يُعتقد ـــ فإنه يصعد إلى السماء ليتحد مع أبيه، وبذلك يكون قد عاد إلى الكينونة الإلهية التي ينتمي إليها(9). وقد أسهم هذا التصور الأبوي بين الإله والملك في ترسيخ وازع قوي للخضوع السياسي، إذ لم يكن الخوف موجهاً إلى شخص الحاكم بقدر ما كان موجهاً إلى الكيان الإلهي الذي يمثله. وتقوم هذه العقيدة على أن الآلهة الكبرى ليست آلهة للشعب، بل آلهة لأبنائها من الملوك، فهم وحدهم من يشيدون لها المعابد ويقدمون القرابين، ومن ثم يملكون الحق في مخاطبتها ورؤيتها. وإذا ما أنعمت الآلهة على الناس بالخيرات، فهي لا تفعل ذلك من أجلهم، وإنما حباً في ابنها الملك الذي يحكمهم(10).

وهكذا ترسخت صورة الوسيط الذي تقف ألوهيته عند هذا الحد، فينوب عن ملك السماوات والأرض(11) في تصريف شئون البشر. غير أن بعض الرؤى ذهبت أبعد من ذلك، فاعتبرت الملك إلهاً في ذاته، منزهاً عن الضعف، ومطلق القدرات(12). وسواء أكان الملك وسيطاً أم إلهاً، فهو في كلتا الحالتين كائن إلهي، ومن كان في مقامه، لا يليق به الضعف البشري. ولذلك متى ما إفتقد مظاهر القوة والحكمة، وبدت عليه أعراض الضعف والانحلال، ينبغي التخلص منه، لأنه لم يعد صالحاً لحمل صورة الرب. وكما ذكرت سابقاً، فقد بدأ هذا التقليد في أقدم ممالك وادي النيل، وظلت بقايا ملامحه حاضرة في أواخر ممالكه، لدى الفونج والفور، في دلالة واضحة على استمرارية التواصل الثقافي عبر العصور.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.

2 ـــ ماسبيرو في عمر طوسون؛ مالية مصر ـــ 1931، ص 16.

3 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.

4 ـــ صلاح عمر الصادق؛ الحضارات السودانية القديمة ـــ 2007، ص 53.

5 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 16.

6 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 98.

7 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 88.

8 ـــ شيخ أنتا ديوب؛ الأصول الزنجية للحضارة المصرية، الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 24.

9 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 153.

10 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 93.

11 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 23.

12 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...