الجمعة، 29 مايو 2026

عرس الكورة

 يبدو أن كوش القديمة ساهمت بقدر كبير في تشكيل عادات وتقاليد المجتمع السوداني، التي استمرت عبر الحقب اللاحقة، لتكشف عن نفسها بجلاء في زماننا هذا من خلال طقوس العبور. مما يعني أن مراحل مروي المتأخرة وما بعدها لم تخصم من ذلك الإرث القديم، إن لم تكن قد أمدته بالمزيد من العناصر. ثم جاءت المسيحية فإصطحبت كل ذلك معها وأردفت إليه بعضاً من قيمها، فصارت الصلبان جزءاً من التعاويذ، ومريم العذراء من رموز القداسة التي يتوجه إليها الناس بالدعوات، وتنده في وقت الكرب والضيق. ولكن الإضافة الإجتماعية الأهم التي أقحمتها هذه الفترة في التراث السوداني، هي "عرس الكورة" الذي أصبح من التقاليد المميزة التي لها دور في إزالة بعض العوائق التي تؤدي لتعثر حالات الزواج.

بالنسبة لي ظل هذا الإسم ولفترة طويلة لغزاً محيراً. فكلما سمعت كلمة "كورة" مقترنة بالزواج الجماعي أتساءل ما الذي يربط بين هذا الإناء الذي ينشط استخدامه في شهر رمضان، وهذه المناسبة الاجتماعية؟ حاولت أن أجد تفسيراً لذلك، فتصورت أنها تستخدم لجمع التبرعات من أجل تغطية تكاليف هذه الأعراس، يعني تستخدم كما يفعل الشحادين بالقرعة، ومن هنا نشأت العلاقة بين الكورة والزواج الجماعي، فأصبح هذا التقليد يحمل إسمها، هذا ما توصلت إليه وإعتقدت أنه الصواب. ثم فيما بعد قرأت تفسيراً مختلفاً يقول أن هذا الإسم مشتق من "الكوار"، وهو نظام للبيع بالجملة بإسعار متدنية للتخلص من البضاعة الكاسدة(1)، فرأيت أن هذا التفسير قد يكون أقرب للمنطق، مع إنه بعيد عن القيم الإنسانية، ولكنني تبنيته على علاته وتنازلت عن رأيي الأول. غير إن ذلك لم يستمر طويلاً، حيث اتضح لي فيما بعد أن كلا التفسيرين غير دقيق، وأن الحقيقة غير ذلك، فالكورة لا هي من العدة ولا من التجارة، وإنما تنتمي للحقل الديني. فهي لفظة يونانية تسللت إلى النوبية في الفترة المسيحية، وظلت قيد التداول حتى اليوم. وما تزال في اللسان الدنقلاوي تستخدم بمعنى احتفال(2)، وقد التقطها الناس من تلك الفترة، التي كانت فيها اليونانية إلى جانب القبطية، لغة الدين بينما ظلت النوبية لغة المجتمع. فخرجت هذه الكلمة من الكنيسة ودخلت البيوت، وتغير مدلولها الديني ليأخذ طابع اجتماعي. فهي في الأصل كانت تعني "احتفال العذراء"(3)، أي هي مناسبة تقام إحياءً لذكرى السيدة مريم. وربما كان الناس يستغلون هذه العيد الديني المبارك لعقد زيجاتهم، فيكثر عدد الأعراس فيه إلى درجة تجعلها تبدو كأنها زفاف تشاركي. ومهما يكن الحال، فإن كلمة "كورة" التي تطلق اليوم على الزواج الجماعي هي من المساهمات المسيحية في العادات والتقاليد السودانية. وقد إنتقلت إلى العهد الإسلامي بسلاسة وتوافق، بل أصبح لها دور في معالجة بعض قضايا المجتمع. فعندما يعزف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الشيلة والحفلات والولائم، يلجأ الناس إلى هذا الأسلوب المبسط، الذي يتم فيه عقد عدد كبير من الزيجات في مناسبة واحدة وبتكاليف زهيدة، من أجل مساعدة الشباب على اكمال نصف دينهم، وفقاً لما يدعو إليه الإسلام، وإن كان ذلك يجري وفق أساليب مستوحاة من المسيحية، فلا تعارض بين عقيدة مضت وأخرى أتت. فقيم المجتمع تبنى خلال مسيرته عبر كل الحقب.

في نهاية الأمر أصبح الزواج الجماعي من المشاريع التي يتبناها رجال الدين ويدعونا إليها في خطب المساجد، دون الالتفات إلى منشئه الأصيل، إذ إنه صار جزءاً من قيم المجتمع، وذلك اضفى عليه درجة من الاستقلالية عن المعتقدات تحميه من أن يُلغى لمجرد تغير الأديان، خاصة وأن العبور بين العقيدتين تم بالدعوة الحسنة، دون مدافعة أو احتكاك خشن، فتقبل الناس الانتقال باريحية وعن طيب خاطر. لذلك لم يجد الجديد غضاضة في التعايش مع القديم، فبدلاً من أن يزيحه ويحتل مكانه، أبقى عليه وأعاد تأويله، وهكذا لم تقع قطيعة بين الماضي والحاضر. يقول عون الشريف: أننا لا ندري إن كان أهالي السودان في تاريخهم الطويل قد ظلوا يحافظون على هذه العادة (أي العرس الجماعي) بعد إنتهاء المسيحية. ولكن المؤكد أن العقل الشعبي ظلّ يحتفظ بالإحتفال القديم (أي إحتفال العذراء) ولم يستنكف من الإستفادة منه حين دعت الضرورة إليه بعد أن حور مدلوله ليلائم الظروف الجديدة(4). والمقصود بالظروف الجديدة الدين الجديد، أي الإسلام.

في العقود الأولى من القرن العشرين كانت تجرى مراسم هذه الزيجات الجماعية في يوم 27 رجب من كل عام، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى الإسراء والمعراج، ويتم ذلك تحت رعاية وإشراف بعض الزعامات الطائفية(5). وهكذا أصبحت مراسم عرس الكورة تقام في يوم له رمزيته في الإسلام، وبإدارة ومتابعة من شخصيات لها مكانتها الدينية، مما يدل على اكتمال عملية تكييفها وإستيعابها إسلامياً. وبالطبع لقد نسي الناس أصلها القديم، فمنهم من ظنها عادة مستحدثة، ومنهم من أدرجها ضمن مناسبات الدين الإسلامي معتقداً أنها من تعاليمه. أما مسألة أنها جزء من التراث السوداني المستمد من العقيدة المسيحية فقد سقطت عن الذاكرة. لقد طال العهد، وطغى النسيان، فغاب عن الأذهان أن هذا الشعب ظل قرابة الألف عام يتبع ملة أهل كتابٍ آخر. ولا بد لتلك الفترة الممتدة أن تترك أثراً في الإرث الذي تلقاه الأحفاد. ومن هذا التفاعل بين السابق والاحق تبلورت سمات القيم التي تشكل ثقافة الحاضر، فهناك مواءمات تبقي على ما إستقر في الأعراف من القديم، وتضيف إليه ما يلائمه من الجديد. وهذا التراكم شكل الهوية السودانية، التي لا تقوم على النقاء، بل على الامتزاج.

إن تبني المجتمعات المسلمة لهذا التقليد المسيحي، والإحتفال به في ليلة الإسراء والمعراج، يذكّرني بأبيات لحُمّيد، يقول فيها:

وطني الوطن

وطني وكفى

يا مَبْدِي بي فجر المسيح

مختوم بمسرى المصطفى

لقد تداخل القديم مع الجديد، وانصهرت قيم الديانتين في بوتقة واحدة مع مزيج من الماضي البعيد، فأخرجت لنا التوليفة السودانية التي تشكل الملامح الخاصة لهذا الشعب المتسامح ـــ أو الذي كان ـــ قبل أن تصيبه علل الأيديولوجيات المتشنجة، ولكنه حتماً سيعود.

المراجع:

1 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 205.

2 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 868.

3 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

4 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

5 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 205.

الرحط

 قطع الرحط من العادات التي تختص بها الأعراس السودانية، ومراسمه تشكل لحظة فارقة في حياة المرأة، إذ يعني إنتقالها من مرحلة في حياتها إلى أخرى، من البنت التي تلعب مع رفيقاتها، وتجلب الماء والحطب، وترعي الغنم، إلى ربة البيت المسؤولة، التي تدير شؤون أسرة قائمة بذاتها. وأول مظاهر هذا التحول هو التخلص من الرحط، الزي الذي لازمها منذ طفولتها، وإستبداله بثياب أخرى من نوع الفركة أو القرقاب، مما يعني أن هناك صفحة من حياتها قد انطوت. لذلك ظل الزواج بالنسبة للمرأة يعرف بقطع الرحط، وهو المرحلة الأخيرة في إجراءات العرس، قبلها يقال فلانة "سدوا مالها" ثم فلانة "عقدوا عليها"، وأخيراً يقال فلانة "قطعوا رحطها"، دلالة على أنها أصبحت زوجة، وبذلك تنفصل عن عالمها القديم وتدخل دنيا جديدة تبدأ فيها حياتها المستقلة في بيتها الخاص. وربط الزواج بالرحط يرجع للعادة التي تلزم الفتيات قبل الزواج أن لا يرتدين سواه، صحيح أنهن يتفنن في تزينة وتلوينه، لكنه يظل زيهن الوحيد، لا يتخلصن منه إلّا بعد قطعه، أي بعد زواجهن، حين يسمح لهن بارتداء الثياب النسائية. وقد استمرت هذه العادة في السودان حتى العقود الأولى من القرن العشرين. وبالطبع فإن قِدمه كزي نسائي لا يحتاج لأدلة وبراهين، فقد كانت الجلود هي الرداء الذي يستتر به جميع البشر، رجالاً ونساء في الماضي البعيد. لذلك لن نتوغل كثيراً في الحديث عند تاريخه القديم، فقط سنتوقف عند محطاته الرئيسية، لأن ما يهمنا هو استمراريته في السودان حتى وقت قريب، وما يعنيه ذلك بالنسبة لهذا الشعب من حيث الأصل والانتماء ونوعية الثقافة.

ظهر الرحط في حياة المرأة السودانية منذ زمنٍ سحيق، فقد تم الكشف عنه في مقابر كدروكة من العصر الحجري الحديث، في تلك الفترة الباكرة، كان يصنع من الجلد المضفور(1). ثم تطور تصميمه بدرجة ما، وأدخلت عليه بعض التحسينات واللمسات الجمالية في حضارة كرمة، بمراحلها الثلاث، القديمة والوسطى والكلاسيكية، والممتدة ما بين حوالي 2500 و1500 سنة قبل الميلاد. ففي هذه الفترة أصبح يصنع من الجلد المدبوغ، بالإضافة إلى نسجه من الصوف، وربطه من أعلى بحزام من الجلد أو السعف المضفور، مع تزيينه بالخرز المصنوع من الأصداف أو بيض النعام أو الخزف(2). وقد وجدت نماذج من هذه الأزياء ضمن المكتشفات الأثرية التي ترتبط بتلك الفترة. والمسألة لم تتوقف على وجوده المادي كنوع من الملابس، بل تم تصويره أيضاً في لوحات تلك الحقب، ففي عمل تشكيلي يعود لفترة كرمة الكلاسيكية، ما بين 1750 و1550 سنة قبل الميلاد، رسمت صورة لملكة مؤلهة وهي ترتدي هذا الرحط على شكل تنورة تغطي ما بين الخصر والركبتين(3). وإستمر هذا النوع من الملابس قيد الإستخدام في الأزمنة اللاحقة. ورغم معرفة الناس بصناعة الأقمشة، ظل هذا الزي على حاله وشكله، فقد عثر على جثمان لامرأة في مقبرة تعود للقرن الرابع الميلادي، أي في نهايات العصر المروي، وهي ترتدي هذا الرحط وتشده حول خصرها بحزام من الجلد(4). أما في الماضي القريب فقد تحدث عن هذا الزي النسائي السوداني عدد من الرحالة. وبالطبع فإن هؤلاء الأجانب، كانوا يبحثون عن الشيء الغريب والطريف، الذي تندر مشاهدته في بلدانهم ليتحدثوا عنه وينقلوا صورته إلى أهلهم. لذلك دائماً ما نجد انطباعات عن هذا النوع من الملابس في رسائلهم ومذكراتهم. أما أهل البلد فقد تغافلوا عنه تماماً، وبالذات في كتاباتهم، لأنه من الأمور المعتادة بالنسبة لهم. ولكن الغرباء اهتموا به، فليس بينهم من مرّ عليه مرور الكرام دون أن يشير إليه. ففي عام 1669 وصفه أحد الرحالة في رسالة بعث بها إلى بلاده يحكي فيها عن مشاهداته في شمال السودان، قال فيها إن الفتيات يربطن أحزمة حول خصورهن تتدلى منها خيوط لا تغطي سوى جزء ضئيل من أجسادهن(5). وفي نفس العام كتب رحالة آخر، واصفاً ما ترتديه النساء في سنار بقوله: أما النساء العاديات والفتيات فلا يلبسن أي شيء سوى ما يغطي من تحت السرة إلى الركبتين(6).

وفي عام 1701 أقام ملك سنار احتفالاً كبيراً بمناسبة تشريف مانجلك قري لعاصمة البلاد سنار، وكان من ضمن الحضور أحد الرحالة، فكتب وصفاً شيقاً لهذا المهرجان، دون أن ينسى ملابس الفتيات، إذ قال أنهن كن يتقدمن الموكب، ويبلغ عددهن الثلاثمائة، وكن جميعاً يلبسن تنورات من الحرير وباقي الجسم ليس عليه شيء(7). وبالطبع من كن في وضعهن لابد أن يرتدين تنورات من أنسجة مميزة لأنهن من الحاشية السلطانية، ومع ذلك ما تغطيه هذه الملابس الناعمة من أجسادهن، لا يتجاوز ما يحجبه الرحط، مع فارق في نوع الرداء لا في مقدار السترة. فهذه من الأقمشة الراقية، وتلك من السيور الجلدية. على العموم هذا هي ملابس الفتيات في بلاط سلطان أول دولة سودانية تعلن عن تبنيها للإسلام، ولكن من الواضح أنها كانت تدير شئونها وفقاً للقيم المحلية.

هكذا كان حال سنار في بداية القرن الثامن عشر. وفي العقد الثاني من القرن الذي تلاه، وبالتحديد في عام في عام 1813، زار السودان رحالة آخر وقد كتب ضمن مشاهداته أنه رأى فتيات الشمال يرتدين الرحط على أصوله، وقد وصفه بالشراريب الجلدية(8). وقبل أن يمضي عقد من الزمن جاء رحالة آخر مع بداية الغزو التركي عام 1821، وعاش في الشمال لبعض الوقت، وكتب الآتي عن ملابس البنات: ترتدي الفتيات حول خواصرهن حزام العذرية (الرحط) من جلد الغزال حتى يتزوجن(9). والشمال هنا ليس مجرد إتجاه جغرافي، وإنما هو موقع حضاري وثقافي وديني، فإذا كان الرحط هو الزي الذي ترتديه البنات في هذه المناطق حتى بدايات القرن التاسع عشر، فإن ذلك يعني أنه كان يجد القبول في أنحاء السودان كافة، بغض النظر عن عقيدة السكان.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، أتى إلى السودان أحد الرحالة، وقد سجل ملاحظاته منذ اللحظة الأولى التي تخطى فيها الحدود المصرية، وأول ما لفت نظره، هو التباين الواسع بين القطرين، وقد أعد مقارنة تظهر ما لمسه من فوارق. فالاختلاف لا يقف عن نوعية الأرض فحسب، بل هناك أيضاً اختلاف في اللغة والعادات والبشر أنفسهم. على حد تعبيره، أما عن مشاهداته، وهي كثيرة، فقد أبرز من بينها الملابس التي ترتديها الفتيات، فقال: "أما الصبايا ـــ ويعني البنات غير المتزوجات ـــ فيلبسن الرحط وحده، وهو لباس من السيور الجلدية مشهور في السودان". أما الأطفال دون الثانية عشر، فهم في الغالب عراة(10). لقد كانت هذه أولى الانطباعات التي لتقطها عندما انتقل إلى الجانب السوداني في أقصى الشمال، ومنها بدأ يتعرف على عادات أهل البلاد، ومن ضمنها أزياءهم.

وعندما وصل إلى الخرطوم تحصل على المزيد من التفاصيل عن هذا الملابس النسائي، فذكر أن الفتيات يلبسن الرحط حتى يتزوجن، وهو مصنوع من مئات السيور الجلدية، وموشى بأهداب، ومزين بالودع، وهو رمز لعذرية الفتاة، ويستبدل يوم الزواج بمئزر قطني "يعني القرقاب"(11). إذن هو ليس زي اختياري ترتديه الفتاة متى تشاء وتخلعه متى تشاء، وإنما هناك لحظة فارقة في حياتها تتيح لها التخلص منه. وعندما وصل إلى كردفان عمم مشاهداته عن الرحط على جميع أنحاء السودان. فحسب قوله أن بناتها يلبسن الرحط كما في كل أنحاء السودان، ثم أضاف بأنهن يعرفن أن هذا الزي يبرز جمالهن(12)، وربما هذه الملاحظة، هي التي جعلت قطع الرحط من أهم مراسم حفلات الزواج. ومن خلال ما استعرضه هذا الرحالة عبر هذه التنقلات الواسعة، يتضح أن الرحط هو الزي الذي كانت ترتديه الفتيات في جميع أنحاء السودان، وليس لإرتدائه إرتباطاً بالمزاج الشخصي أو الرغبة الذاتية، وإنما كانت تجبرهن العادات والتقاليد على لبسه كرمز للعذرية، في مقابل القرباب، الذي يدل على الانتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة، فهو لا يتم التعامل معه كنوع من الملابس فقط، وإنما هو زي له مدلول اجتماعي، وهذا ما دعم استمراريته حتى منتصف القرن الواحد والعشرين.   

وإذا ما تقدمنا في الزمن بعض الشيء، نجد في الربع الأول من القرن العشرين، وفي أواسط البلاد، وبالذات في العاصمة، كتب أحد موظفي الحكومة الإنجليزية عن أزياء الفتيات قائلا: كُنَّ يلبسن تنورات من الجلد رديئة الصنع أو خرقاً تكفي لستر العورة فقط(13)، وبالطبع طالما أنه أوروبي فلا بد أن يرى في هذه الملابس خرقاً. ثم جاء آخر في الفترة نفسها ليصف العروس بقوله: كانت تلبس أغلى الثياب من وسطها فنازلاً، وأما صدرها ورأسها فلا يستردهما إلا الحلي(14). حتى ذلك الحين كانت الفتيات لا يسترن أجسادهن بغير رداء يغطي ما بين الخصر والركبتين، سواء كان من الجلد أو القماش، وفي الحالتين يحمل نفس الإسم المتعارف عليه، وهو الرحط، وكان قطع الرحط" التعبير الأكثر شيوعاً عن العرس، حتى أن المرأة كانت تسأل صاحبتها بعفوية: "بتك لسه ما قطعوا رحطها؟" أي تسألها عن زواج ابنتها. وقد ظل هذا الزي وما يتبعه من عادات سارياً حتى النصف الأول من القرن العشرين. ففي أوائل عام 1926 زار الخرطوم وفد من السياسين والصحفيين المصريين للمشاركة في إفتتاح خزان سنار. وقد تنقل بعضهم في شوارع وأسواق العاصمة، وبعد عودتهم للقاهرة نشروا مشاهداتهم في الصحف. وما يعنينا هنا هو الوصف الذي قدمه الصحفي محمد حسين هيكل في ذلك الوقت عن ملابس الفتيات في السودان، فقد كتب: الرحط لباس للفتيات يأتزرن به، ما دمن أبكاراً. وهو حزام من جلد يبلغ عرضه قيراطان أو ثلاثة قراريط، تتدلى منه خيوط رفيعة من الجلد، وهي كثيرة وكثيفة، فإذا شدت الفتاة حزام الرهط على خصرها سترتها هذه الخيوط حتى ركبتها(15). فحتى ذلك التاريخ القريب من عهدنا كان الرحط يسجل حضوراً لا تخطئه العين في أزياء بنات السودان.

وفي أواخر الثلاثينيات كتب القاضي الشرعي عبد الرحمن أحمد، صاحب جريدة "السودان" التي صدرت لأول مرة في عام 1934، وكان يزيل مقالاته بـ"إبن السودان"(16). إذ كان الكتاب في زمن الانجليز يتوارون خلف اسماء مستعارة خوفاً من قمع السلطات(17). على العموم، لقد كتب مقالاً يدعوا فيه للإقلاع عن عادة لبس الرحط بالنسبة للفتيات والقرقاب بالنسبة للنساء المتزوجات(18)، وهذا أول مواطن سوداني يسجل إعتراضه على ارتداء هذه الأزياء. مما يعني أن الرحط والقرقاب كانا من الملابس النسائية الأكثر انتشاراً في أوساط الأسر السودانية طوال النصف الأول من القرن العشرين، وهما يشكلان العلامة الفارقة في حياة المرأة، التي تحدد حالتها الإجتماعية. وفي نفس الوقت فإن التمسك بارتدائهما حتى هذا الوقت القريب، يدل على هوية هذا الشعب ونوعية ثقافته. ويطرح علامة استفهام كبيرة ومعها علامة تعجب حول القصص الخيالة التي نسجت في زمن الحكم الأجنبي، عن تعرض السودان لهجرات جماعية من العرب، قالوا أنهم حلوا بهذه الأرض أفواجاً وزرافات، ولكن حين ننظر في واقع الحال، لا نجد لهم أثراً في العادات والتقاليد السائدة بين أهل البلاد، حتى النصف الأول من القرن العشرين، كان كل شيء على ما هو عليه، في الملابس وغيرها، إلى أن بدأت الأصوات الناقدة تعلو من المستعربين الجدد، خريجي المدارس النظامية التي أنشأها المستعمر، أما قبل ذلك فقد كان كل شيء يسير وفقاً لما تعارف عليه الناس، ولم يظهر للمؤثرات الخارجية دور فعال، إلا مع المحتل الأجنبي، لأنه استجلب معه مؤسسات لتغيير الوعي لم يعهدها الناس من قبل. أما بعض الأفراد من العرب الذين تسللوا إلى هذه البلاد في الماضي، فقد ذابوا في المجتمع وتبنوا قيمه، ولبست بناتهم الرحط مثل بنات أهل السودان، دون أن يعترض أحد، أو يرى في ذلك ما يشين، إلى ثلاثينيات القرن العشرين، لتظهر أول الأصوات التي تدعوا للخروج عن المألوف، وتغيير نمط العادات السائدة، وكانت تلك الأصوات من خريجي كلية غرودون، وليس من العرب المسلمين الذين هاجروا من قبل للسودان، مما يجعل أمر قدومهم الذي لا طعم له ولا لون ولا أثر، مسألة مختلقة، صنعتها نفس المؤسسات التي جاء بها المحتل، وعمل على ترويجها، من أجل تغيير هوية هذا الشعب وفصله عن جذوره وماضيه وزرع انتماءات جديدة مستحدثة تفرق بين أبنائه. وبكل أسف استلم منهم الراية خريجي مدارسهم من أولاد البلد، وتبنوا دعواهم، وصارت الجنسية لا تمنح للمواطن إلّا إذا كتب في الأورنيك أنه ينتمي لهذه الأرض منذ دخول العرب السودان، ولكن قيم الحياة الاجتماعية المتمثلة في العادات والتقاليد تفضح زيف الانتماء العربي المتوهم، وتكشف عن أن تراث هذه البلاد أقدم من ذلك بكثير، ولم تتغير عاداته وتقاليده لتواكب ما لدى العرب حتى النصف الأول من القرن العشرين.

لقد إستعرضنا بعض الشواهد التي تدل على أن الرحط كزي نسائي سوداني ظل مستخدماً منذ العصر الحجري وحتى منتصف القرن العشرين، ومع ذلك نجد بعض الكتاب يتحدثون عنه بإشارات توحي بأنه تسلل إلى هذه البلاد تحت تأثير الثقافة العربية. وهذا جزء من حملة التزوير الممنهجة التي ظهرت مع الحكومات الأجنبية. فنجد أحدهم يتحدث عن وجود هذه الملابس في السودان على خلاف الدول العربية الأخرى، ثم يقول: أما الرهط فهو لباس عربي قُح، ولبسه كان شائعاً لدى بنات العرب الصغار(19)، في البداية نحمد له إقراره بأن هذا النوع من الملابس لا يوجد إلّا في السودان على خلاف الدول العربية الأخرى، مما يعني أنه من خصائص ثقافة أهل السودان ولم يستمد من غيرهم. ولكنه يعقب الإقرار بقوله أنه لباس عربي قُح، وكأنه يلمح إلى أن أهل السودان قد إستشفوه من العرب، فبما أنه كان معروفاً لديهم، فلا غرابة أن يكون قد انتقل إلى السودان، فسكان هذا البلد ليست لديهم ثقافة خاصة، وكل ما لديهم مستمد من العرب. إذا كان هذا هو مقصوده ـــ وأظن أنه كذلك ـــ تكون "دي حسادة ساي" من أصحاب الإستعراب القسري، حتى هذا الزي الذن يتكون من قطعة واحدة، ولا يغطى من الجسد إلّا المنطقة ما بين الخصر والركبتين، أخذناه من العرب. إذن ماذا كان لدينا من قبل؟ ماذا كانت ترتدي بناتنا قبل أن يعرف العرب طريقهم للسودان، هل كنّ يخرجن عاريات؟ إن الترويج لعروبة السودان، لا ينبغي أن يبني على مثل هذه الأقوال الفطيرة. عليكم الإستناد إلى الدين واللغة، فهما يحملان التأثيرات الواضحة للثقافة العربية. ولكن هذا لا يكفي، فهاتين الرافعتين وحدهما لا يمكنهما تحمل ثقل البنية الثقافية لشعب. فالمسيحية التي خرجت من فلسطين، قيادتها الدينية اليوم تقبع في الفاتيكان، دون أن يدعي أهل روما أو بقية الطليان أن جدودهم جاءوا من بيت لحم. والإمبريالية الأوروبية نشرت لغاتها وعقائدها في الكثير من بقاع الأرض، دون أن يصبح سكان هذه الأرجاء من أصحاب الدم الآري. فهوية الشعوب تكمن في تراثها، لا في تلونها الديني والغوي. والعرب في السودان لا نصيب لهم في تراث أهل البلد، ووجود الرحط نفسه كزي نسائي حتى منتصف القرن العشرين فيه دلالة واضحة على أن تأثيرات الثقافة العربية على التراث الشعبي السوداني كانت صفراً كبيراً، وهو ليس في ذلك فحسب بل في كل ما تحدثنا عنه إبتداءً من عادات الولادة ثم الطهور والعرس، وما لم نتحدث عنه بعد. فالرحط من الملابس السودانية ذات الإمتداد الأفريقي. وبالطبع قد يكون له وجود في دنيا العرب قبل ظهور الإسلام، ولكنه بعد ذلك تلاشى من مجتمعاتهم. كما أن القول بأنه لباس عربي قُح فيه درجة من التخصيص تصل حد المبالغة، فهو لم يكن وقفاً عليهم حتى يصبح سمة حصرية لثقافتهم، فمن المعروف أن جميع شعوب الأرض كانت ترتدي الجلود في الأزمنة القديمة، وهذا الحقيقة تجعل الإشارة إلي أن العرب كانت ترتديه قولاً بلا قيمة. أما عن إشارته لعلاقة ذلك بالعرب، فكان من الضروري أن يحدد في أي عهد كانت صغار بنات العرب يرتدين هذا االنوع من الملابس، هل قبل الإسلام أم بعده؟ فقد قيل أن العرب في الجاهلية كان رجالهم يطوفون عراة والنساء في رهاط(20)، وهذا صحيح، ولكن هل الذين جلبوا الثقافة العربية للسودان، جاءوا إلينا من الجاهلية مباشرةً، أم بعد ذلك بقرونٍ، كانت فيها حضارتهم قد إزدهرت، وأصبحوا أهل مدنية. إن إدعاء التأثيرات العربية بهذه الطريقة الفجة يتناقض مع حقائق الواقع، فالعرب فتحوا الكثير من بلدان العالم، ولم يعلموا نسائها لبس الرحط، فلماذا كان السودان إستثناءً؟، مع أنه لم يخضع لفتوحاتهم في الأصل. أليس في ذلك ما يدل أن محاولات التعريب التعسفية ليست إلا أباطيل ودعاوي زائفة تحركها أغراض أيديولوجية. دفعت البعض لتزوير الحقائق بإنتقاء النماذج التي توافق أهواءهم، وانتزاعها عن سياقها التاريخي، وتقديمها كفرضية مقبولة يمكن أن تفسر الحالة السودانية. مع أن وجود هذا الزي في المجتمعات العربية ـــ إن ثبت ـــ فلا بد أنه كان في فترة ما قبل الإسلام، وقد أقلعت النساء عن إرتدائه قبل أن يغادرن وثنيتهن بالكامل، ثم عزز الإسلام ذلك وأضاف إليه شروط جديدة، منها أن تكون ملابس المرأة ضافية تغطي معظم الجسد ولا تكشف إلا الوجه والكفين والقدمين، فأين هذا من الرحط؟ وعليه، فإن كان حديثه عن زمن موغل في القدم، فإنه من المستبعد أن تكون للعرب تأثيرات ثقافية على السودان في تلك الحقب، أما إذا كان الحديث عن الفترات اللاحقة، فلا يكون ذلك مقبولاً إلّا بافترض أن جيوباً من عرب الجاهلية ظلت مختفية في مكانٍ ما من بقاع الجزيرة العربية، ثم تحركت وهي محملة بكل موروثاتها القديمة نحو السودان في القرن الرابع عشر الميلادي أو قبله بقليل، وحين استقرت به طبعت ثقافته بميسمها الجاهلي. هذا فيما يتعلق بالفترة الزمنية لإنتقال الأثر الثقافي العربي للسودان. أما المفارقة الثانية فتكمن في المرحلة العمرية لبنات العرب اللاتي قيل إنهن كنّ يرتدين تلك الملابس، فإن كان المقصود طفلات يافعات فإن الأمر يختلف، لأن من كن يرتدين الرحط في السودان نساء في سن الزواج قد اكتملت أنوثتهن. وبالتالي فهناك فرق واضح، سواء من حيث السياق التاريخي أو من حيث المظهر الاجتماعي، فإن كان الكلام عن الفترة التاريخية، فالتأثير العربي وصل للسودان بعد الإسلام، ولذلك لا ينبغي أن يكون محملاً بمثل هذا النوع من العادات والأزياء، وإن كان عن الصورة الاجتماعية، فأن الإسلام يدعو المرأة للإحتشام في ملبسها وهذا ما لا يوفره الرحط. وبناءً على ذلك، يبدو واضحاً أن هذه كانت عادة سودانية لا علاقة لها بالعرب، وإنما هي أكثر قرباً للتقاليد الأفريقية، ومحاولة تعريبها لا تخلو من نزعة ذاتية تميل لطمس الحقيقة، وإستبدالها بواقع مزيف.

ولهذا الزي موقع خاص لا يخلو من رمزية في الأعراس السودانية، إذ يظل القطعة الوحيدة التي تغطي جزء من جسم العروس في ليلة قطع الرحط، ونزعه عنها يعد بمثابة إعلان عن بداية الحياة الزوجية. ولهذه المناسبة تقاليد وتصورات معدة مسبقاً، فتجهز العروس ويوضع لها عنقريب في صدر المحفل، تحيط بها النساء، وهي لا ترتدي سوى الرحط، الذي يغطي ما بين الخصر والركبتين أما بقية جسدها فهو كاشف لا يستره شيء سوى السلاسل والحلي التي يوضع بعضها على الرأس والبعض الآخر يتدلى من العنق. بهذه الهيئة تجلس العروس على العنقريب المخصص لها، وفي المقابل يوضع عنقريب آخر للقادمين من الرجال. وبعد وجبة العشاء، ينتقل العريس ومعه إثنان من وزرائه إلى حوش النساء، إستعداداً لبدء حفل قطع الرحط، فيستقبل بالزغاريد والغناء، ثم يجلس هو ووزيريه على العنقريب المعد لهم، وعلى إيقاع الدلوكة يبدأ الغناء، فتنتقل العروس إلى السباتة، وتبدأ في الرقيص، بينما يحوم العريس حولها وهو يهز فوقها بالسوط والفركة على كتفه، وفي لحظة معينة من الرقيض يحددها إيقاع الدلوكة وتسارع الغناء، يقطع العريس الرحط، فينزع عنها قطعة الملابس الوحيدة التي تغطي جسدها، ولا يرون في ذلك حرج لأنه يتم وفقاً للعادات التي تعارف عليها الناس، كما أن ظهور العروس بهذا الشكل المكشوف يرون أنه ضروري لكي يشهد الجميع على جمالها. وبعد تلك اللحظة يقوم العريس بلفها بالفركة(21)، ثم يستمر الحفل الذي تواصل فيه العروس رقصها بزيها الجديد، وقد أصبحت زوجة. هذا نوع من التقاليد القديمة التي ظلت تمارس في الأعراس حتى وقت قريب، وقد نقل حسن نجيلة صورة لحفل قطع الرحط في الوسط حتى ثلاثينيات القرن الماضي بقوله: "في المدن يسمح للعروس أن ترقص شبه عارية وفي خلاعة أمام عدد ضخم من الرجال والنساء، ويحدث هذا أكثر من مرة خلال أيام عرسها"(22). هذه شهادته كما أوردها. وهي تؤكد أن العروس كانت ترقص شبه عارية حتى حلول القرن العشرين. وهذا أيضاً ما حفظته من قبل، قصة تاجوج والمحلق في روايتها الشفاهية(23)، التي وقعت أحداثها في منطقة الحمران على نهر عطبرة في منتصف القرن التاسع عشر(24) وفيها نجد تجسيد لعادة قطع الرحط، وما كانت تعنيه للناس في تلك الأوقات. وفي الحوار الذي تضمنته هذه القصة تتردد مقولة: "لا عيب في العادة" وكأنه تبرير لما قد يرى اليوم تعرياً غير اللائق، لكنه في وقته كان مقبولاً بحكم العرف الذي توافق عليه المجتمع. وأخيراً علينا أن نتساءل إذا كان الرحط السوداني هو الرهط العربي كما يقول عبد المجيد عابدين(25)، وكما يرد في قاموس اللهجة العامية(26)، فهل "قطعه" الذي يعني تعرية العروس أيضاً عربي؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك بما يوجب علينا أن نبحث بتروي ودون هياج عاطفي عن المصدر الثقافي الذي إستلهمنا منه هذا الموروث. كما علينا في كل الأحوال، أن نحذر من أن يجرنا تغير المفاهيم والقيم إلى تزوير التاريخ. فهذا هو الرحط الذي حافظ عليه المجتمع السوداني حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، والذي يبدو واضحاً أن أصوله محلية، تشده للواقع الأفريقي، دون أن يتأثر بمفاهيم واردة، وهو بذلك يقف دليلاً يتصدى لمزاعم الهجرات العربية الجماعية للسودان.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 186.

2 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 220.

3 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 284.

4 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013. ص 22.

5 ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى؛ 2017، ص 530.

6 ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012. ص 19.

7 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة، 2017، ص 58.

8 ـــ جون لويس بوركهارت؛ رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان، ص 57.

9 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان، الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 51.

10 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 59.

11 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 117.

12 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 181.

13 ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الثانية ـــ 2016، ص 146.

14 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 270.

15 ـــ حسن نجيلة؛ ملامح من المجتمع السوداني، الجزء الثاني، 2005، ص 261.

16 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158 ه 3.

17 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ 1989، ص 64.

18 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

19 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

20 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 382.

21 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 271.

22 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 149.

23 ـــ عبد الله الطيب؛ الأحاجي السودانية؛ مطبعة جامعة الخرطوم ـــ 2008، ص 170. 

24 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 69.

25 ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 158.

26 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 382.

البطان تحديات الدارة

 تحدثنا من قبل عن البطان في إطار الرد على إدعاءات إنتمائه للثقافة العربية، دون أن نتطرق لنماذج من تطبيقاته وحدود انتشاره الجغرافي، وهذا ما سنتناوله هنا، حيث نستعرض مشاهد توضح التقاليد المتبعة في ممارسة البطان، والقيم والأعراف التي تحكم مجرياته.  

قد يظن البعض أن هذا التقليد مفرغ من المعنى، خالٍ من الدلالة والهدف، مجرد لعب ولهو، غايته القصوى لفت أنظار البنات، وفقاً لما هو مشاع. بينما الأمر على ما يبدو، يتجاوز هذا التصور السطحي، إلى مفاهيم تتخلل النسيج القيمي للمجتمعات التي حافظت على هذا التراث. ولكن قبل أن نمضي في هذا الإتجاه، دعونا نستعرض بعض النماذج لنرى ما إذا كانت هذه المبارزة مجرد هزل ومزاح، أم أن وراءها دوافع أعمق. لقد كانت هذه العادة منتشرة في كثير من المدن والأرياف، حتى أن حفلات الأعراس قلما تخلو من حلقات البطان. لذلك سنأخذ الشكل الكلاسيكي، ونضعه في مواجهة نموذج آخر من غرب السودان، وفي كليهما كان الجلد بالسياط يجرى جنباً إلى جنب مع الغناء والرقيص والبشّير وشيل الشبال. فما أن تتلاحق ضربات الدلوكة، وتعلو الزغاريد، وتنطلق أغاني الحماس، حتى تلتهب المشاعر، وتتملك الشباب روح التحدي والإقدام، فيخرج أحد المتبرعين، ثم يخلع قميصه أو جلابيته ويتحزم بيها ويطلب من العريس أن يجلده. فيأخذ عدة سياط دون مقابل، إذ لا يستطيع أن يرد الضربات على "الملك" في يوم تتويجه. ومع ذلك تنهال السياط على جسده في قسوة لا تعرف الرحمة. ومع كل سوط ينفتح جرح، ويتناثر الدم، تزغرد النساء، ويبشّر الرجال(1)، وكلما وقع سوط على ظهره، حلف على العريس أن "يتنيه"، أي يتبعه بآخر، إلى أن تبلل الدماء ملابسه، ثم يمضي ليأتي غيره، وهكذا حتى يكل العريس من الضرب.

وما أن تسمع أغنية تردد مثل هذه الكلمات:

ضرب السـوط بشح      إن مــــا قـــــدرو زِح

يا جناي ما بـــــدور      ولـــــــــــدي يَــــــــــــوِح(2)

حتى يتدافع الشباب إلى النزال، وتفرد حلبة خاصة في الساحة تقام عليها منافسات البطان، تلك هي "الدارة" التي تشهد صمود الأبطال، يدخل إليها كل من يحس بالثقة في نفسه، ويرغب في إثبات وجوده واظهار شجاعته وقوة تحمله. مباراة حارة ملتهبة، تسمع فيها أصوات السياط تجلد الظهور، ولا ترى زحزحة ولا تسمع "وحوحة"، هذا بأمر التقاليد المرعية في هذه مثل هذه المواقف. الما قدر البطان يزح، والبنزل في الدارة يتحمل وما يقول أح. وبناءً على هذه القاعدة، يدخل الحلبة في كل مرة إثنان فقط، يتباريان في جولة واحدة يتبادلان فيها عدد من السياط. يعري أحدهما أعلى جسده، ويتحزم بملابسه، وقد يرتكز على "عكاز مضبب" أو يقف مطلوق اليدين. ويوجه نظره نحو نقطة واحدة لا يحيد عنها، ويقطع الحركة تماماً، وفيما هو في هذه الوقفة المتصلبة، يحاول الآخر استفزازه، يحوم حوله ساخراً، يقف خلفه وكأنه يهم بأن يضربه، يرفع السوط ثم يهوي به في الهواء دون أن يمسه، ثم يمضي بعيداً. وبعد لحظات، وسط ضجيج الدلاليك والغناء والزغاريد، يفاجئه بضربة خاطفة على الظهر. فيتمزق الجلد ويتدفق الدم، وتعلو الزغاريد، وهو ثابت في وقفته، لا يرمش له جفن ولا تبدر منه حركة، يتحمل الألم في صمت، بينما الآخر يتطلع إليه مستهزئاً، كأنه يريد أن يهز ثقته في نفسه، فلا يجد إستجابة. ثم يأخذ جولة أخرى، ويعود ليفاجئه بسوط ثانٍ، وهكذا يلعب بأعصابه محاولاً أن يدفعه نحو حافة الانهيار، ثم يعاود الكرة في كل مرة بنفس الأسلوب إلى أن تنتهي الجولة، عندها يتقدم إليه بكل جدية، يبشر فوق رأسه، ويلقي السوط على الأرض، ويخلع ملابسه ويتحزم ويقف في الموضع نفسه دون حراك منتظراً الرد. ويتكرر المشهد للمرة الثانية، ثم ينسحب الاثنان ليحل غيرهما، والزغاريد تصم الآذان. تلك صورة عامة للبطان في مناطق الوسط والشمال، والآن ننتقل إلى كردفان لنتابع مشاهد البطان في حفلات أعراس الغرب، وقد ذكرنا من قبل أن هناك لفظ مرادف يطلق على هذا التقليد في تلك المناطق، وهو "القشاط"، ولكن من هذا الاستعراض يتضح أن الإسم كان موحداً في كل أنحاء السودان، فهناك أيضاً كانوا يسمونه البطان، حسب شهادة حسن نجيلة الذي كان حضوراً لهذه المناسبة، وفي روايته لأحداثها يوضح أن البداية تكون على يد العريس، حيث يركز الشباب أمامه واحداً بعد الآخر فيوقع على ظهورهم سياطاً دامية، ثم ينفتح المجال أمام الجميع ليتباروا فيما بينهم، تحت تأثير الأغاني التي تحثهم على الثبات، وقد أورد لها مثالاً يقول:

يـا عِــدّي الــرَّوِي

مَاهْلاً مَـاك قوي

أركــز ليْ كــدي(3)

مثل هذه الأغنية غالباً ما تكون مدخل البطان في كردفان، وعلينا أولاً أن نفكك كلماتها:

يا عدي الروي: "العد" هو مورد الماء، بئر كان أو حفير أو نبع. و"الرَّوِي" الذي لا يجف طوال العام، يلاقي الخريفين. والمعنى العام إنسان مترع بالخير.

ماهلاً ماك قوي: "ماهل" يمكن تكون بمعنى متسامح، واسع الصدر، لطيف المعشر، حليم وكريم، كل هذه الصفات يمكن أن تعبر عنها كلمة "ماهل". أما جملة "ماك قوي" تعني ماك يابس، أو أنت ما من النوع الناشف، أي لين الجانب، أو لين الطبع. والقوة هنا ليست بمعنى القدرة والشدة، وإنما بمعنى القسوة والعناد والبخل. فهي تنفي عنه هذه الصفات وتؤكد أنه إنسان طيب ودود، منفتح وسخي.

أركز لي كدي: ونمسكها واحدة واحدة، "أركز" وهي شعار البطان، وتعني أثبت وتماسك. "لي": أي لأجلي أو عشان خاطري. "كدي" وهي مرادف كذا أو هكذا، وتعني على هذا النحو، أو بهذه الطريقة التي فيها عزم وشدة وصلابة، يعني أصمد للجلد وما تتراجف زي نار القصب، تجيب لينا فضيحة.

وعلى ضربات الدلوكة والزغاريد، ووقع مثل هذه كلمات يبدأ البطان في غرب السودان.

يقول حسن نجيلة: "وهنا يلتهب حماس الشباب، فيتدافعون إلى وسط حلبة الرقص، ويسارعون إلى ربط ثيابهم بشدة حول خصورهم ويتركون ظهورهم عارية. ويبدأ أحدهم فيحمل السوط في يده، ويتجه نحو الفتيات، ويلوح بسوطه وتتعالى زغاريدهن وترتفع أصواتهم بالأغنية إثارة للحماس، ويشتد كرير الشبان الذين يديرون حلبة الرقص، ويتراقص الفتى والسوط في يده، وهناك في طرف الحلبة وقف شاب آخر في ثبات وتحدي، وقد ارتكز على عصا ضخمة، وتعرى من ثوبه وكشف عن صدره وبطنه، وقد ثبت في وقفته حتى ليخيل إليك أنه تمثال إنسان لا حراك به، ويلوح صاحبنا بسوطه عدة مرات، ويهم بضرب الفتى العاري الكتفين والظهر، ثم يتراجع ويعاود الرقص والهز على البنات إمعاناً في اضعاف الروح المعنوية لغريمه، ولكي ينهار تحت ضرباته. ولكن هيهات فإن الفتى ثابت الجنان. وهو يعرف أن أي اختلاجة من جسمه تعد خوفاً وهلعاً، وهو أمر أهون منه الموت. ويدنو منه، ويرفع يده ويهوي بالسوط في عنف على ظهره، ويمزق السوط الجلد، ويسيل الدم حتى تبتل ملابسه، وقد يتناثر على الأرض، كل هذا والفتى ثابت كالطود، لا يختلج جسمه ولا يتحرك، وقد عاد حامل السوط إلى الحلبة يهز ويتراقص والسوط في يده، وتتعالى زغاريد النساء كلما أهوى بالسوط على ظهر غريمه ومزقه وسالت منه الدماء.

وينقلب الموقف، يسرع الفتى بسوطه إلى غريمه، لا ليضربه هذه المرة، وإنما ليهز على كتفه ورأسه، إيذاناً بأن دوره قد انتهى، وتقديراً لفروسيته، ثم يلقي السوط في وسط الحلبة، ويقف موقف غريمه، ويجرد منكبيه وظهره من الثياب، (ويركز) كما فعل صاحبه، الذي يدنو من السوط فيحمله، ويهز في الفتيات، والدم يسيل منه، ثم يرفع يده بالسوط ويهوي به في قوة وعنف على ظهر غريمه. ويتمزق الجلد وتسيل الدماء، ثم يمضي لبعض الوقت ويعود لينزل به سوطاً آخر، وهكذا يستمر في الضرب حتى ينال منه بعدد السياط التي نالها هو منه، ثم يغادران الدارة بين زغاريد النساء العالية، ليحل محلهما شابان آخران يعاودان الضرب إظهاراً للشجاعة والفروسية(4). هذه صورة حية لعادة البطان في بادية الكبابيش، حسب رواية حسن نجيلةـ ونلاحظ أنها صورة طبق الأصل لما يجري في المناطق الأخرى.

إن الصرامة والقسوة الذي تتسم به عادة البطان تنأى بها عن أن تكون مجرد لعب ولهو، أو محاولة عابرة للفت أنظار الفتيات كما يظن البعض. إنها أقرب إلى تدريب قتالي كامل. ويتجلى ذلك في الكيفية التي يدار بها هذا التحدي، فهو لا يقتصر على لسع السياط المؤلم فقط، وإنما تصاحبه حرب نفسية حقيقية، تهدف إلى اضعاف معنويات الخصم. فالممسك بالسوط يلوح به ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة، وحين يبدأ الجلد لا يتتابع الضرب سريعاً، بل يتوقف ويذهب بعيداً، بينما غريمه في الحلبة يتألم في صمت، ويتوقع أن ينزل سوط آخر على ظهره، ولكنه يماطله حتى يحدث خللاً في توازنه النفسي والعصبي، وهذا اختبار عملي لمدى قدرته على الصمود. عليه برغم الجراح التي تلهب جسده، أن يظل راكزاً دون أن يرمش له جفن أو تختلج له عضلة. بينما حامل السوط يمد في الوقت ويناور حتى تتضعضع قدرته على التحمل، وتتزعزع ثقته في نفسه. لذلك يستمر في المراوغة وكأنه يتلاعب بفريسته، بين كل ضربة وأخرى يذهب في جولة يُبَشّر على الحضور ويعرض في الدارة، ثم يعود ليوقع به سوطاً واحداً ثم ينصرف، كل ذلك لاختبار مدي قدرته على الثبات والتماسك، نفسياً وجسدياً. فالبطان معركة تدار بمنتهى الجدية والقوة والعنف، ليس هزل ومزاح بين صديقين، وإنما نزال بين عدوين، كل منهم يريد أن يوقع بالآخر أقصى درجة من الأذى المادي والمعنوي، ويحاول بكل ما أوتي من قوة ومكر أن يهزمه ويسحق كرامته ويلحق به العار أمام الناس وعلى رؤوس الأشهاد. فالخسارة في هذا المواجهة تعني الموت الإجتماعي والجماعي لأن وصمتها لا تقتصر على المهزوم وإنما تطال كل أفراد أسرته رجالاً ونساءٍ ولعدة أجيال، وهذه مسألة تخرج عن إطار اللعب، وتدخل في مجال التحدي المصيري الذي يضع قيمة الإنسان على المحك. والمسألة لا تتوقف عند بيت العرس، فالجراح التي تسببها السياط يتم علاجها بعد ذلك بالزيت الحار(5) والملح. وهذا نوع آخر من العذاب، يوضح أن البطان ليس مشاركة عابرة في حفل، وإنما هو إعداد قتالي حقيقي لهؤلاء الشباب.

إنها رياضة لكسر حاجز الخوف في مواجهة الألم، حتى أذا ما تداعت المخاطر، كانوا على قدر التحدي، لا يتهيب أحدهم شفرات السيوف وأسنة الرماح، يلاقيها ثابتاً لا يتزحز مهما أثخنته الجراح، وهذا ما يبديه الشباب في هذا الامتحان، والهدف منه ليس أظهار رجولته أمام البنات، وإنما أظهار قوته وشجاعته وصلابته وقدرته على التحمل أمام كل مجتمعه، فهو دخري الحوبة، القادر على الوقوف في وجه الأهوال، عندما تأتي الغارة ويدق النحاس. في زمن كان هؤلاء هم حماة الحمى، لا يوجد من يتصدى للعدو بالإنابة عنهم، ويأخذ ماهية في آخر الشهر، فكل فرد في وقت الحارة يتحول لمقاتل، لذلك يجب ألا يكون بينهم متردد أو خائف، أو زولاً جلده حلو. وهذه الحفلات هي المناسبة التي يظهر فيها كل شاب قدرته على الثبات في ميدان المعركة، من أجل أن يرد الخطر عن أهله وبلده، وهي الطريقة المتورثة لإعداد فرسان الحرابة، وقادة المستقبل.

هذه هي الدروس التي تقدمها حلقات البطان، لأن ما يجري فيها ليس بالأمر الهين، لا على المتبارين ولا المشاهدين، ما أوجع وقع السوط الذي يمزق الجسد، وما أفظع وأثقل مرأى الدم يسيل من جراح الإبن على قلب الأم. لكنها التربية التقليدية للرجال التي فرضتها القيم القديمة، وحافظت عليها الأجيال. هذا ما كان من شأن البطان. وعادات الأعراس السودانية تتضمن الكثير من المظاهر النوعية التي يتفرد بها هذا الشعب، والتي تكشف عن هويته المحلية، التي لم تتأثر بتيارات وافدة، بالذات من قبل العرب، رغم الأخذ بلغتهم ودينهم، ولكنه لم يأخذ شيئاً من تراثهم، لقد تحدث بلسانهم وإتبع ملتهم، ولكنه في واقع الحياة تمسك بما اختطه الأسلاف وحفظه التراث الشعبي.

المراجع:

1 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 151.

2 ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2015، ص 53.

3 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 196.

4 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 197.

5 ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2015، ص 55.

السيرة

 السيرة ـــ العمق التاريخي:

لا تبدو "السيرة" في الأعراس السودانية مجرد مظهر احتفالي طارئ، بل هي تقليد راسخ يستند إلى قيم موروثة عميقة الجذور؛ وربما كانت في الأصل ترتكز على أبعاد روحية تعود إلى معتقدات الأزمنة الغابرة، ففي الحكايات الأسطورية التي شكلت نواة التصورات الدينية في العصور الأولى، يروى أن الآلهة كانت تذهب في مسيرة حاشدة، حافلة بالبهجة والأهازيج، إلى الموقع الذي يقام فيه الاحتفال بالزواج المقدس(1)، إذ كانت للآلهة في مفاهيم أهل ذلك الزمان حياتها الخاصة التي تماثل في كثير من جوانبها ما يعيشه البشر على الأرض. أما الملوك فقد كانوا يعيشون حياة مزدوجة، لأن المعتقد السائد كان يرفعهم إلى مقام الآلهة، وبهذه الصفة، هم الأجدر بتطبيق مراسم السيرة باعتبارها عُرفاً سماوياً، وبالذات في احتفالات التتويج.

بناءً على ذلك، استقرت السيرة كأحد تقاليد الحكم الراسخة، إذ كان تنظيمها بمثابة إعلان رسمي عن شرعية الملك الجديد. وتزخر الآثار والنقوش من العهد المروي بشواهد على المظاهر الاحتفالية المهيبة التي كانت ترافق الملك في رحلته الأولى بعد اعتلائه العرش. فعقب تتويجه يخرج من العاصمة الجنوبية في موكب حاشد متجهاً صوب معبد البركل في نبتة، حيث يستمد الحق الإلهي في الحكم، فيصبح مطلق التصرف في الرعية وشؤون الدولة ـــ نظام قديم ما زال يتجدد باسم الدين ـــ وهي سلطة لا يكتسبها إلا بعد إكمال مراسم تنصيبه بالوقوف في محراب هذا المعبد، الذي يمثل الحلقة التي تربط بين الأرض والسماء. ونظراً لهذه الأهمية البالغة، فقد كان الملوك يحرصون على أن تكون هذه الزيارة هي المشوار الأول الذي يفتتحون به عهودهم في الحكم. ومن هنا بدأت قيمة "السيرة" تترسخ في البنية الاجتماعية، لتتحول من مراسم ملكية إلى تقاليد شعبية تشكل بداية كل مرحلة جديدة في الحياة.

لقد وثق الملوك ضمن حولياتهم تلك الرحلات المقدسة لتظل خالدة في الذاكرة، علّ الأجيال اللاحقة تتعرف على ملامح من المسيرة المباركة التي وضعتهم على أعتاب مرحلة جديدة من حياتهم. وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن العديد من تلك السجلات، التي أظهرت مدى رسوخ القيم المتوارثة، والحرص على استمرارها مهما تطاول الزمن. فمن تلك الرحلات ما دونه الملك "أماني نتي يركي" الذي حكم قبل الميلاد بأكثر من أربعة قرون، وقد سجل تفاصيل مسيرته أو "سيرته" من مروي إلى نبتة في نقش يروي الوقائع التي مر بها، والأحداث التي شهدها أثناء الطريق، لينتهي بتصوير الحفل الكبير الذي أقيم بهذه المناسبة في جبل البركل. ومن بعده سار "هارسيوتف" على ذات الدرب، فسرد مشاهداته وما جرى في تلك الرحلة من أحداث، ختمت بالاحتفال العظيم الذي استمر عدة أيام في البركل. ثم جاء "ناستاسن" ليسطر في لوحته، أسوةً بمن سبقوه، وصفاً للموكب ذاته احتوى على نفس التفاصيل تقريباً(2). وقد تتابع الملوك من بعدهم على ذات النهج، فنقشوا على الصخر مشاهد حية لتلك الرحلة لتظل خالدة عبر التاريخ وحاضرة أمام الأجيال المتعاقبة، تحكي قصة الحشود الضخمة التي كانت تنطلق في مسيرة أو "سيرة" من مروي، لتعبر صحراء "بيوضة" في طريقها إلى نبتة، حيث تزف في خاتمة المطاف إلى معبد البركل فتؤدى الطقوس والشعائر تضرعاً للآلهة بأن تحيط الملك برعايتها وتلهمه التوفيق والسداد. ثم تحتفل باكتمال مراسم انتقاله إلى مرحلة جديدة من حياته واعتلائه سدة الحكم.

لم تقتصر تفاصيل هذه الرحلات على النقوش المكتوبة فحسب، بل حظيت كذلك بنصيب وافر من التوثيق في الرسومات المروية؛ إذ عثر على لوحة منحوتة بنقوش بارزة في مقبرة تعود للقرن الثاني قبل الميلاد، تظهر تجمعاً حاشداً يلوح الكثير منهم بجريد النخل. ثم تكرر هذا المشهد بنفس الأسلوب والمضمون في العديد من المقصورات التي تنتمي لتلك الحقبة وما تلاها وصولاً إلى أواخر العهد المروي(3). ومن خلال هذه الشواهد البصرية إلى جانب المدونات الكتابية التي تناولت "السيرة"، يبدو واضحاً أن جذور هذا التقليد تمتد إلى أزمنة موغلة في القدم.

ومن ذلك العمق التاريخي البعيد، واصلت "السيرة" مشوارها دون أن تضل الطريق، ظلت تحمل نفس معالم الأصل القديم، ولكن بتكييفات طفيفة، حافظت من خلالها على ملامحها الموروثة. فالمظهر العام الذي ظل مشاهداً حتى النصف الثاني من القرن العشرين ـــ قبل أن تزدحم المدن بالعربات ـــ كان مشابهاً إلى حد كبير لما كان يجري في الماضي، حيث كانت الجموع تتحرك في مسيرة على الأقدام، ليس من بين المشاركين فيها من يمتطي دابة إلا العريس ـــ بصفته الملك ـــ الذي يعتلي فرساً تقوده بنتان من أهله، إحداهما على اليمين والأخرى علي الشمال، بينما تحمل أخريات الشموع، وتلوّح بعضهن بجريد النخل أو الأغصان الخضراء. وتتقدم النساء الركب وهن يضربن على الدلاليك والطبول تصاحبهن الأغاني والزغاريد.

وأحياناً تكون في طليعتهن امرأة تحمل "قناية" طويلة، قد أُعدت من قبل بغمر جزئها العلوي في الزيوت العطرية لعدة أيام حتى تتشبع تماماً. ومع بداية التحرك تشعل النار في قمتها، لتتحول إلى مُبخر طليق في الفضاء ينثر شذاه على طول الطريق، وكانت هذه تعرف بالسيرة "أم قناية"(4)، هذا التقليد بكل أسف كان من أول الملامح التراثية التي غيبها الزمن.

هذا الموكب عادةً تتصدره النساء، ومن بعدهن العريس الذي يتوسط الحشد، ثم يأتي الرجال من خلفه. وتتخلل هذا الزحف وقفات تتيح للفتيات التنافس في إستعراض مهارتهن في الرقيص، بينما يتبارى الشبان في الشجاعة وقوة التحمل بإقامة حلقات البطان(5)، مع وقفات أخرى في المزارات التي تحمل أبعاد روحية، مثل البحر، أو أضرحة الأولياْ أو موقع يُعتقد أنه مسكون بقوى خفية. كل ذلك والمسيرة تتقدم حتى الوصول إلى بيت العروس، حيث يستقبل هذا الجمع بالترحاب، ثم تقدم الولائم، وبعدها يبدأ فاصل جديد من مراسم العرس التي تمتد لعدة أيام. تلك هي الصورة العامة للسيرة التي تلقفها المجتمع من غياهب التاريخ وحافظ على جوهرها النابض حتى زماننا هذا.

وبما أن تقاليد الزواج في السودان تستمد أبرز ملامحها من مخزون القيم القديمة، فإن العرسان في ليلة الزفاف يتمثلون مواقع الملوك، التماساً لبركة السماء وحمايتها وتوفيقها. هذه المحاكاة تظهر أولاً في طقس الجرتق، ثم تتكرر مجدداً من خلال السيرة، ومن ذلك يتضح أن هذه الممارسات ما هي إلا إعادة تطبيق لتصورات كانت تختص بالآلهة، ثم أصبحت من المراسم الملكية، ومنها تنزلت إلى واقع الحياة الاجتماعية، لتندمج في تفاصيل الأعراس، هذا التحول يظهر بوضوح أن ما خطه الأجداد لم يمحه الزمن. ليسجل التراث السوداني بذلك نموذجاً متفرداً للتواصل الثقافي الممتد الذي يربط الحاضر بالماضي، دون أثر يذكر لتدخلات خارجية تنتقص منه أو تضيف إليه.

السيرة ـــ الامتداد الجغرافي:

وظلت السيرة، حتى وقتٍ قريب، تحتفظ بنفس الطابع الذي عرفت به قديماً، حفل في الطريق العام، تحت الأجواء المفتوحة، يبدأ من دار العريس ويمتد على طول المسافة التي تفصله عن بيت أهل العروس. وتتخلل هذا المشوار وقفات صغيرة "سندات" للإستراحة، تتعالي فيها حرارة الغناء والرقص وحلقات البطان(6)، ثم يتواصل المسير، لتكون هناك وقفات أخرى في محطات أكبر، أهمها البحر (النيل أو أحد روافده)، حيث تكون الزيارة من أجل التبرك، والابتهال بالدعاء للعرسان. عقب ذلك، تستأنف السيرة رحلتها لتكون المحطة التالية ضريح أحد الشيوخ(7)، وقد يضاف إليه آخر، تبعاً لمعتقدات أهل المنطقة والقباب التي تحيط بهم، فيطوف المشاركون حول المزار، ويندهونه صاحبه، راجين أن تحل بركته على الزوجين وأن يمن ألله عليهما بالرفاه والبنين، قبل أن تنطلق السيرة في خطوتها الأخيرة نحو وجهتها المنشودة حيث تقيم العروس.

هذه هي السيرة بما فيها من محطات وسطى، حسب ما جرت عليه تقاليد غالبية سكان الوسط والشمال، غير أننا إذا انتقلنا إلى أقاليم أخرى من السودان قد نجد بعض التباين في المسارات والمزارات، مع الحفاظ على الصورة الأصلية والقيم الجوهرية للسيرة، التي تتمثل في انتقال الحشود، في صخب وبهجة، من موقع إلى آخر، مع التوقف عند محطات لها قدسية خاصة، وهذا المظهر بالتحديد هو القاسم المشترك الأكبر الذي يربط بين تقاليد السيرة عبر مختلف مناطق البلاد.

فمن بين أهالي دارفور من لهم مزارات محددة يقصدونها في جميع المناسبات السعيدة، وفي مقدمتها الأعراس، وهي أماكن محاطة بالأسرار، ويتعامل معها الناس بدرجة عالية من الإجلال والتقديس. منها موقع به صخرة تسمى "فرننق"، ومنطقة أخرى تعرف بـ"عين سِرّة"، وهي واحة وادعة تحتضن نبع مائي، وعند مدخلها تربض صخرة تسمى "حجر العروس" أو "حجر العادة"، يعتقد أهل المنطقة أنها مسكونة بالأرواح، لذلك يتعاملون معها بكثير من الرهبة والمهابة. ويتقربون إليها وفقاً لطقوس وشعائر متوارثة. أما في الأعراس فلها دور مميز، وقد نستشف رمزيتها في هذه المناسبة من الإسم الذي يطلقه عليها الأهالي (حجر العروس)، فربما كانت في نظرهم هي المعبر الروحي الذي تجتازه الفتاة لتنتقل إلى مرحلة جديدة من حياتها، ومهما كان تصورهم عنها، فإن لها مكانة أثيرة في طقوس الزواج، تجعلها القبلة الأولى التي تتجه نحوها الأنظار، علّها تطرح بركتها على العرسان، وتقيهم من الدواهي والرزايا. وهم في ذلك مثل زوار النيل وأضرحة الأولياء في المناطق الأخرى، فهذا البعد الروحي هو ما تجسده هذه الصخرة لديهم، ولذلك تظل هي المحطة الأولى والأهم في مسيرة "السيرة".

فبمجرد إتمام عقد القران الذي يبدأ بقراءة الفاتحة وينتهي بتلاوة آيات من القرآن، تنطلق "السيرة" لزيارة هذه البقعة، وهي تضم جمع غفير من الناس، يتقدمهم شيخ الحلة، وقد يصحبه إمام الجامع، إلى جانب عامة الأهالي، من رجال ونساء، كبار وصغار، يتوجه هذا الموكب على إيقاع الدلاليك وصخب الأغاني والزغاريد نحو مسكن الأرواح. وعند وصولهم يذبحون قرباناً، ومن دمه يرسم العرسان علامة الصليب على واجهة الصخرة، ثم يضع كل منهما حجراً أو غصناً أخضر على قمة الكتلة الصخرية. وبعد ذلك يتحرك الركب نحو النبع، حيث يتولى كاهن المنطقة إكمال المراسم عبر طقس يشبه التعميد، فيأخذ قليلاً من الطين ويرسم به علامات على جبين الزوجين وكتفيهما من الأمام، ثم على ركبتيهما وخصريهما، وهو يتمتم بتعاويذه الخاصة. وفي الخطوة التالية يقوم بربط حزمة من النباتات الخضراء حول الساعدين والمعصمين، والعنق(8)، في مشهد يعيد إلى الأذهان الحريرة والأسورة والعقود التقليدية المستخدمة في الجرتق. وبعد اكتمال هذه الشعائر، يعود الحشد أدراجه للانخراط في بقية مظاهر الفرح.

تلك هي سيرة من دارفور، تجسد ببساطة طقوس كافة العقائد والمعتقدات ـــ الأرضية والسماوية ـــ التي اعتنقها أهل السودان، عبر تاريخهم الطويل، بدءاً من تقديس الأرواح وتقديم القرابين، مروراً برسم الصليب، وصولاً إلى قراءة الفاتحة. هذه المراسم، الممتدة حتى القرن العشرين، تقدم تلخيصاً وافياً للتواصل الثقافي الفريد الذي استمر عبر آلاف السنين، دون أن يندثر أو يتلاشى، أو تبتلعه مفاهيم طارئة.

وفي المناطق الحضرية من دارفور ـــ حتى بداية القرن التاسع عشر ـــ كانت "السيرة" في جوهرها تأخذ نفس المنحى المتبع في الأجزاء الأخرى من السودان مع بعض التغييرات الطفيفة، وذلك ما نستلهمه بوضوح من السرد الذي قدمه ابن عمر التونسي، عن حفلات الأعراس هناك. حيث يقول: "بعد العشاء بكثير يجتمع الشبان، ويأخذون العريس ويزفونه بالغناء والرقرقة (تعني الهتاف والصياح فرحاً)، حتى يأتون به إلى المحل المعلوم (أي مكان إقامة العروس)، فيجلسون خارجه. وحينئذٍ جميع الشابات مجتمعات مع العروس، والشبان مجموعون عند العريس، وقد استوزر العريس أعز إخوانه، لأنه حينئذٍ كالسلطان، وسموه الوزير، واستوزرت العروس امرأة، وسموه ميرم"(9).

هذا عرض مبسط لـ"لسيرة" الدافورية في الفاشر، لم يسترسل التونسي في الوصف، وربما يعود ذلك إلى أنه غريب بين أهل البلاد، ينظر إليهم بعين السائح العابر لا ببصيرة المقيم الملم بالخفايا والتفاصيل. ومع ذلك، فقد حدد ملامح الرحلة التي لا تختلف عما سبق ذكره، وهي تتمثل في الانتقال ضمن كرنفال صاخب من بيت العريس إلى بيت العروس. كما قدم في هذا التوصيف المقتضب إضافة تعيدنا إلى النسخة الأصلية لهذا التقليد، وذلك حين أشار إلى أن العريس في ذلك اليوم يعتبر سلطان، وهو التصور الراسخ في الأعراس السودانية، فالعريس يتم التعامل معه بشكل جاد على أنه ملك، ولذلك جرت العادة أن يعين له وزير يرافقه، وكذلك العروس فهي تعامل كملكة، تصحبها وزيرة، وتحمل في دارفور لقب "ميرم" العريق، وهو اللقب الرفيع الذي يعني الأميرة.

ثم يواصل التونسي حديثه عن مشاهداته في تلك الحفلات، فيقول: "تخرج الشابات من النساء متزينات، والشباب من الرجال في أكمل زينة يقدرون عليها. وتصطف النساء صفوفاً صفوفاً، وكل صف من النساء يقابله صف من الشبان، وتخرج النساء معهن الطبول، فيضربن ويقلن من كلامهن، فيبرز صف من صفوف النساء يمشين هوناً، ويرقصن بأكتافهن، ويتقاصرن إلى الأرض، حتى يصلن إلى صف الرجال. فكل شابة تعمد شاباً حتى تضع وجهها في وجهه، وتهز رأسها نحوه حتى تضربه بضفائرها في وجهه ـــ وضفائرها إذ ذاك مدهونة بالطيب وأنواع ما يعرفونه من العطر ـــ فيهيج الشاب ويهز حربته على رأسها، ثم تلتفت راجعة فيتبعها إلى مكانها الأول، فيقف فيه الرجل، وترجع هي القهقرى حتى تصل إلى المحل الذي كان واقفاً فيه الرجل"(10).

هذا هو الوصف الذي قدمه التونسي للحفل، مستخدماً مفرداته الخاصة، فسمى الدلوكة طبل، ورأى في الغناء مجرد كلام، ولعل ذلك يعود إلى صعوبة استيعابه للهجة ناس دارفور، مع أنه في حالات أخرى سجل بعض أشعارهم بدقة، وإذا تجاوزنا عن ذلك، نجده قدم صورة عامة لعادات العرس، مع وصف دقيق لأساليب الرقيص، ثم أشار إلى تقليد شائع في هذه المناسبات، وهو "شيل الشبال"، لم يذكر اللفظ صراحة، ولكن أثبته  بالفعل، وربما سقط الاسم عن ذاكرته عند الكتابة. "الشبال" هذا الإسم الذي نحتته اللغة البجاوية في الشرق، انتشر حتى غطى كل المساحة ما بين البحر الأحمر وجبل مرة، فما أن تدق دلوكة في عرس، حتى تنثر الفتيات عبير شبالاتهن على الوجوه. سواء كان الحفل في كسلا أو دنقلا، في الدامر أو الدمازين، في سنجة أو الجنينة، فإن هؤلاء جميعاً تحكمهم قيم متحدة المصدر، قد تختلف لهجاتهم وسحناتهم وأساليب حياتهم، ولكن هناك رابط قديم يشدهم نحو بؤرة ثقافية واحدة، تتمركز في قلب كوش، لذلك نجد أن الصورة التي نقلت إلينا من دارفور، تتفق إلى حد كبير مع ما يجري في معظم أرجاء السودان في مثل هذه المناسبات.

وكردفان لا تختلف في هذا السياق عن بقية أنحاء السودان، إلا بمقدار ما تفرضه الشروط البيئية. وقد وصف حسن نجيلة إحدى "السيرات" هناك وصفاً حياً، متناولاً تفاصيلها المبهجة منذ البداية، إذ يقول: "أخذ ميزان الشمس يميل نحو الغروب، وجاء وقت السيرة، تجمع أصدقاء العريس على ظهور الخيل والجمال وانطلقت الزغاريد والأغاني". ثم يرسم المنظر العام وفيه نرى الفتيات يحملن المباخر، والنساء يحملن الدلاليك على أكتافهن، وكل حاملة دلوكة تتبعها أخرى تضرب عليها. ويواصل نجيلة في سرد تفاصيل هذه السيرة قائلاً: "وتحرك الموكب صوب دار العروس، بعد أن امتطى العريس جواداً مطهماً، واحاطت به الفتيات من أهله من جانبي الحصان ومن خلفه يغنين ويرقصن، وقد أخذ بعضهن بمقود الحصان. كان الفتيات يرقصن وهن سائرات على طول الطريق، وكن يحرصن على الاحاطة بالعريس وأن يمنحنه "الشبال" وهو يهز بالسوط أو السيف، ومقود الفرس تتناوبه الفتيات من خاصة أهله، والبخور في أيدي بعضهن يعبق من حوله، أسراب أخرى ترقص من كل جانب، والفتيان على ظهور الخيل، تارةً يبدون فروسيتهم بأن يطلقوا للخيل أعنتها لتعدو بهم كالجن، وتارةً يحفون به يبشرون ويتصايحون، والموكب يقترب من دار العروس، وكلما دنا منها زاد تصايح الفرسان، وعلت زغاريد النساء، وتكاثر السرب الراقص حول العريس، وانهالت الشبالات على ملابسه من كل راقصة حوله، وهن يتوثبن كالفراشات ليبلغنه بالشبال، والحصان يتهادى به بينهن، ومقوده يتنقل بين أيديهن(11).

تلك كانت رواية حسن نجيلة عن "سيرة" في بادية الكبابيش؛ حيث نجد هذا اللفظ البجاوي "الشبال" حاضراً في عمق كردفان اسماً وفعلاً. ونلاحظ هنا أن بقية التفاصيل تتطابق تماماً مع السيرة المعروفة في مناطق السودان الأخرى، ولكنها فقط لا تتضمن وقفات في محطات وسطى بين دار العريس وبيت العروس. وبالطبع، فإن حياة الظعن والترحال قد لا تتيح لبعض الجماعات الفرصة الكافية لتجسيد قيمهم الروحية في معالم ومجسمات ثابتة ترتبط ببقعة جغرافية معينة، فهم يبدلون أماكن إقامتهم مع تغير فصول السنة؛ لذلك تنطلق السيرة لديهم في خط مستقيم من خيمة العريس إلى خباء العروس. وهي في مسارها هذا، لا تخرج عما اختطه الملوك قديماً، ثم اتبعته المجتمعات بعد ذلك، على تنوعها وتباعدها، وهو ما قد يشير إلى أنهم جميعاً ظلوا ينهلون من نفس النبع، وإن تفرقت بهم السبل. فقد عاش أسلافهم من قبل تحت مظلة قيم واحدة رسمت معالم تراثهم المشترك، فظلت ملامحه باقية عبر العصور دون أن تتأثر بتدخلات خارجية أو مفاهيم وافدة.

المراجع:

1 ـــ جفري بارندر؛ المعتقدات الدينية لدى الشعوب ـــ 1993، ص 43.

2 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 25.

3 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 67.

4 ـــ الحسيني معدّي؛ الأساطير النوبية والسودانية ـــ 2012، ص 173.

5 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 270.

6 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 105.

7 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 208.

8 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 164.

9 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 237.

10 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 231.

11 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 147.

أغاني وأشعار الجرتق

 الأغاني التي تقدم في هذا الطقس تسمى "البنينة"، أما القصائد فتسمى "السومار"، وفي الحالتين هي الإطار الذي يمتدح من خلاله العرسان، كلمات منظومة تشيد بحسن مناقبهم، وطيب أصلهم، وكرم خصالهم. ولكن لماذا هذه الأسماء الغريبة؟ لماذا لم نعرفهما بمفردات من لغتنا الحالية، فنستخدم الألفاظ التي تشير إلى ذلك بشكل مباشر: أغنية، شعر، لحن، قصيدة؟ وإنما أُطلق عليهما اسمان خارج نطاق التداول في الوقت الحاضر، ولا يوجد لهما مقابل في القاموس العربي بنفس المعنى والدلالة.

هذا الأمر لا ينبغي أن يثير الاستغراب، فهما مثل كثير من العناصر التراثية التي نعايشها في مجريات حياتنا اليومية، دون أن نتحرى عن أصلها وفصلها، أو جذورها وخلفياتها، فهي من الموروثات التي استقرت في وجدان المجتمع، وتأطرت ضمن منظومة القيم والعادات والتقاليد، فأصبح الحياد عنها خروجاً عن المألوف، وذلك ما أكسبها القدرة على الصمود في وجه الزمن. ونفس الحال ينطبق على الكثير من المفردات التي تجري على ألسنتنا اليوم، فهي ذات أصول ضاربة في القدم، ومُنبتّة الصلة بالعربية، وقد أصبحت دارجة في كلامنا، نستخدمها ونفهمها دون أن نتفحص مصدرها اللغوي. فكلمة "جرتق" نفسها التي تتضمن مظاهر هذا الاحتفال، ليست عربية، و"الأنقيب" ـــ الشاعر الذي يلقي القصائد في هذا الحفل ـــ يحمل لقباً لا علاقة له بالعربية؛ ومن ينظر بتمعن، يرى في تراثنا الكثير من هذه المظاهر.

لقد تشكلت هذه التقاليد حين كانت مجتمعاتنا تتحدث بلسانٍ آخر، ثم توارثتها الأجيال بنفس صيغها ومفرداتها، وظلت تتجسد قولاً وفعلاً في مسارات الحياة، فرغم تقلب الزمن، وتغير الأحوال لم نتوقف عن مزاولتها عملياً أو نكف عن تداولها لفظياً، نتعامل معها بمنتهى الالفة، مع أنها، في كثير من جوانبها، أصبحت مبهمة الدلالة، غامضة المعنى. وهذا تماماً ما ينطبق على هذه الأغاني والأشعار، فنحن لا نستوعب بعض مفرداتها، لكننا حريصون على حفظها نصاً، ومتمسكون بمضمونها وأسلوب أدائها.

يبدو أن هناك عوامل قوية أبقت على هذه المظاهر الاحتفالية حية رغم تعاقب الأزمنة، فمن التقاليد الراسخة أن طقس الجرتق لا يكتمل إلا بحضور مغنٍ يترنم بالبنينة، وشاعر يشدو بالسومار، ووظيفة كل منهما الإشادة بالعرسان وأسرتيهما. ولكن ما هي الدوافع التي جعلت هذا الأداء يتشكل على هذا الصورة؟ لا أحد يملك إجابة! إلا إذا أخذنا هذه المراسم وعدنا بها إلى الأزمان الغابرة، فقد نجد لها نظيراً في بقعة ما من التاريخ.

والأماكن الأكثر ترجيحاً التي يمكن أن تتجسد فيها مظاهر احتفالية تزخر بهذه المضامين، هي القصور الملكية حيث يكثر المنشدون، فهنا تجد الكلمات التي تمجد السلاطين تقدم إلقاءً ولحناً، وفي أروقة صروحهم تزدهر صناعة المديح الذي ارتبط بالطبقات القائدة، حسب تعبير محمد المكي إبراهيم(1). ومن مواقع النفوذ انتقلت هذه الظاهرة إلى قاعدة المجتمع، وعلى منوالها نسجت الأغاني والأشعار التي تؤدى في طقس الجرتق، حيث يعامل العرسان في هذا اليوم كملوك حقيقيين. والمسألة ليست مجرد تمثيل، وإنما هي مخاطبة جادة للقوى الغيبية، بأن تحيطهم بحمايتها، وتشملهم بعطفها ورعايتها، مثلما تفعل مع الملوك، الذين كانوا ـــ في عرف أهل ذلك الزمان ـــ من نسل الآلهة، وبحكم هذه العلاقة، فهي تصونهم وتحصنهم من النكبات والبلايا. لذلك تأتي إجراءات هذا الحفل نموذجاً مصغراً لاحتفالات تنصيب الملوك، تضم كل المراسم التي تدخل في هذه العملية، ويندرج ضمنها دور المادح الذي يقوم بتمجيد العرسان، بالطريقة نفسها التي كان يروج بها للحكام، وذلك بتفخيم مكانتهم، والإشادة بمحاسنهم والإعلاء من شأن أسرهم، وإغداق الإطراء عليهم، بما فيهم وما ليس فيهم.

كل ذلك يتم من خلال أغنية تسمى البنينة، أو إلقاء شعري يسمى السومار. وهي نوع من الإطراء الشخصي، ومن هذا السياق الوظيفي الذي تقوم به يمكن أن نستشف المضامين التي تشير إليها هذه الأسماء، غير أننا لا نستطيع أن نحدد معانيها على وجه الدقة، لأن القالب اللغوي الذي كانت تقدم فيه قد اندثر. ومن الطبيعي أن هذه الألفاظ كانت مفهومة في زمانها، وكان هناك تطابق بين الاسم والمسمى. أما اليوم فقد أصبح الاسم غريباً وإن ظل الفعل ماثلاً، فهو جزءٌ من التراث نتعامل معه دون أن نفسره.

البنينة ـــ العمق التاريخي:

الجرتق في كل تفاصيله يمثل عملية محاكاة لمراسم تنصيب الملك، التي تتضمن تقديم الأغاني وإلقاء القصائد والكلمات المنمقة تمجيداً له وترويجاً لعهده الزاهر. لقد ظل المغنون والشعراء أهم أبواق السلطة وأدوات إعلامها، فكل بلاط ملكي أو بيت حاكم لابد أن يكون في حاشيته شاعر ينظم الأبيات، وآخر يتغنى بها من أجل تعظيم شأنه، فهو سليل الأسرة الكريمة، الشجاع المقدام الباسل الشهم. وهذا ما نجده في تقاليد الحكم لدينا حتى وقتٍ قريب، فقد كان كل "مك" أو "مانجلك" أو "أرباب" يتبعه "أنقيب". والأنقيب لفظ من لغاتنا القديمة ظل حياً في دارجيتنا، ويعني في الأصل مساعد الراعي الذي يقرع البهائم ويوجهها نحو مراتع الخصب وموارد المياه، فأطلقت على شاعر السلطة ـــ ربما تهكماً ـــ الذي يمجد الزعيم، ويعمل في الوقت نفسه مستشاراً له يعاونه في إدارة شؤون الرعية(2)، ولكن وظيفته الأولى أن يصوغ القوافي ليكيل فيها المديح لصاحب السلطة، وأن يبث هذه الكلمات بين الجمهور ليترنموا بحسن سيرته ومكارم أخلاقه.

هذا الشعر لدى الحكام من أهم أدوات الإعلام السياسي. أما على المستوى المجتمعي فله مدلول آخر يرتبط بقناعات قديمة تضع الملك في مرتبة أسمى من البشر، فيحاط بهالة من القداسة. وبما أن العريس هو الملك في هذه الليلة، فلا بد له من أنقيب يجيد نظم الكلام، فينمق العبارات التي ترفع من شأنه وتكيل له الصفات الحميدة، وهذا هو دور البنينة والسومار في الأعراس، إنه مواصلة للتقاليد القديمة التي تضع العريس في موقع الملك. والمسألة ليست محاكاة بلهاء، وإنما عملية لها عمق روحي اكتسبته مع الزمن، وأصبح لها ارتباط وثيق بمعتقدات الناس، تجعلها أقرب لمظاهر التقرب إلى للآلهة، تترتب عليها في حالة التقصير والإخلال عقوبات وعواقب، قد يكون من بينها العقم أو العجز أو الفقر والمرض، لذلك يتمسك بها الناس ويواظبون على أدائها بحرص.

القيمة المعنوية لأغاني الجرتق دفعت بلفظ "البنينة" إلى الواجهة وجعلته يتردد كثيراً في الأغاني التراثية، وأمام هذا التواتر، مع غياب المعنى المباشر للكلمة، ظهرت بعض الاجتهادات التي سعت إلى الاقتراب من مدلولها عبر طرق متباينة، أكثر المحاولات ذهبت في اتجاه البحث عن منافذ لإدراجها ضمن الثقافة العربية، فأنتجت تفسيرات تبدو بعيدة عن السياق الوظيفي للكلمة. غير أن هناك محاولات أخرى مضت في الاتجاه المعاكس، وعملت على البحث عن معناها ومضمونها في أروقة التاريخ ومستودعات الموروث، وكانت النتيجة ـــ في وجهة نظري ـــ أقرب إلى الواقع، مع أن الجهود التي بذلت في هذه الوجهة كانت قليلة، ولكنها بمثابة الخطوات الأولى على أرضية ثابتة، فيها لا تفصل الظاهرة عن بيئتها، ولا يتم التعامل مع المفردات كألفاظ مجردة.

ومن هذا المنظور وضعت كلمة "البنينة" في مسار يتلاءم مع طبيعتها، فأدرجت ضمن مراسم طقوس الجرتق  القديم، الذي شاهدنا ملامحه الأولى في لوحات العهد الكوشي، مما جعل هذا التصور يبدو مقبولاً إلى حدٍ كبير، خاصة في تحديد المرحلة الزمنية التي ظهرت فيها النصوص المبكرة لهذه الأغنية. فبعد التعرف على بعض الرموز اللغوية، اتضح أنها تعود إلى العصر المروي، وإذا صحت هذه القراءة، يمكننا القول إنها ـــ على الأقل ـــ أصبحت منذ ذلك العهد جزءاً من التقاليد المتوارثة، تغنى عند تنصيب الملوك وفي احتفالات الأعراس، وتؤدى بنفس الطريقة، لتحقق نفس الهدف، وهو امتداح المحتفى به وإسباغ الثناء عليه.

لقد اتضحت ملامح هذا التصور بعد أن تم الكشف عن المعاني المتضمنة في بعض المفردات المروية ومن بينها صيغة اللازمة التي تتكرر في هذه الأغنية وهي تقول:

بنينه هييه؛ بنا بِين يا بينا؛ يا بنينه هييه

اللفظة الرئيسية فيها تتركب كالآتي: "بَ ـــ ني ـــ نينو"؛ أولها بَ: وتشير إلى شيء له علاقة بالرجل؛ ثم ني: وتعني حسن الأخلاق أو صاحب خصال حميدة؛ ونينو: التي تعني يظهر أو يبين أو يبرز في الساحة(3). والمعنى العام هو تقديم صورة تقريظية يمتدح بها الشخص المعني، ويشاد بمناقبه، وما يتمتع به من كرم وشجاعة وحكمة، وهي نفس المعاني التي تتضمنها البنينة التي تقدم اليوم في حفلات الزواج، فهذا النوع من الغناء ظل يدور في هذا الفلك منذ ذلك الزمن وحتى وقتنا الحاضر، مما يعني أن التغني بمكارم أخلاق العريس وإضفاء الصفات التي ترفع من شأنه وشأن عائلته ليس وليد اللحظة، ولا نتاج مزاج شخصي، أو مجرد تعبير عن الإعجاب، وإنما هو تقليد تاريخي راسخ.

لقد كانت هذه الأغنية تحمل المعاني نفسها وتؤدى بالقالب ذاته منذ أمد بعيد، وتوارثتها الأجيال حتى اليوم. ففي كل زمن كانت تقدم باللغة السائدة حينها، وربما كانت بداياتها الأولى في عهود كوش المبكرة، ثم انتقلت إلى مروي، ومنها إلى المقرة وعلوة، إلى أن وصلت إلينا. وفي كل حقبة كانت الكلمات تُستبدل لتتوافق مع لسان المرحلة، بينما تظل المعاني في جوهرها واحدة. وعندما انتقلنا للحديث بالعربية، أعدنا صياغتها بأسلوب يتواءم مع أداة الخطاب الجديدة، لكن دون التنازل عن بعض الألفاظ المروية، وربما دون التنازل عن الصيغة اللحنية أيضاً. فالمقطع أو البيت الأكثر تكراراً في الأغنية يظل باقياً، وتتغير الكلمات من حوله، فهو كما تقول العرب "بيت القصيد" وهو بحق كذلك، وإن لم تكن لألفاظه وقع في الأذن العربية.

أما من حيث طريقة الأداء التي تقدم بها اليوم، فقد لاحظت في كل الأغاني التي استمعت إليها أنها تتبع أسلوباً في الغناء يكاد يكون متطابقاً، مما يعني أن نمطها اللحني متوارث. فكل من أراد أن يبتدع أغنية بصيغة البنينة، فعليه أن يجري جميع المقاطع على نفس النسق من البداية إلى النهاية. وهذا يدل على أنها من التراث القديم، ولا علاقة لها بأي مصدر خارجي، لا بالعرب ولا بغيرهم. وكلمة بنينة نفسها لا وجود لها في العربية بمعنى له علاقة بالغناء أو المدح، وإنما تطلق على نوع من الأطعمة. كل ذلك قد يشكل قناعة بأن هذه الطريقة في الأداء الغنائي من إبداعات الأسلاف.

البنينة ـــ الامتداد الجغرافي:

هذه الأغنية بما تحمله من ملامح ذات خصوصية، ترتبط بالثقافة المحلية، لا يبدو أنها كانت محصورة في موقع دون آخر، وإنما كان لها انتشار واسع في الساحة السودانية، ونجد لها نماذج في أكثر من مكان، وسوف أستعرض ما تحصلت عليه من نصوص في كل حالة، ولكني سأكتفي بمقطع واحد فقط من كل أغنية للتعريف فقط حتى لا أطيل. وأبدأ أولاً بالصيغة الأكثر انتشاراً في الوسط والشمال، والتي يمكن أن تمثلها الأغنية الشهيرة التي يقول مطلعها:

بنَ بنْ يا بينا يا بنينه هييه .. نحمد ربنا الشفنا جديد دُخرينا

قطعاً الشطر الأول لا أحد فهم منه شيء، لأنه يمثل الجزء المروي من البيت، أما الشطر الثاني فهو واضح لأنه جاء بدارجيتنا اليومية، ومعناه حمداً لله الذي أتاح لهم أن يروا ابنهم المدخر ليوم الحوبة وقد انتقل إلى مرحلة جديدة من حياته.

وبنفس هذه المعاني نجدها عند أهل دارفور يتغنون بها في مناسبات الأعراس، مع بعض الاختلافات الطفيفة التي ربما تعزى إلى أسباب جهوية، وهي ليست ذات تأثير كبير، إذ تبدو من حيث الشكل والمضمون متقاربة إلى حد التطابق بدرجة تخرجها عن إطار الصدفة وتضعها في حيز وحدة المصدر والثقافة، يقول مطلعها:

هي باني هي بنان وبنين حِسَّ البنان .. يا هزازين القنا، أريت ما يجيكم فنا(4)

وبالمثل، لا يمكن أن نستخلص معنى من الشطر الأول لأنه متنزل من الأصل القديم، أما الشطر الثاني فهو واضح لأنه جاء بعاميتنا الحالية، وفيه تمجيد للفرسان الذين يحملون الحراب، مع التمني لهم بالبقاء وطول العمر وألا يدركهم الفناء.

هذه التقاليد المستمدة من القيم القديمة نجدها محافظة على سماتها العامة في مختلف مناطق السودان، مع بعض التكيفات التي تلائم إيقاع الحركة الثقافية في المكان والزمان. لذلك نجد بعض الاختلافات الطفيفة للبنينة في دارفور، وربما كذلك في كردفان، مقارنة بالوسط، كما قد نجد في المكان الواحد بعض التباين في الروايات، لأن العهد قد طال بها، والمجتمعات شهدت الكثير من التحولات، لكنها مع ذلك، تظل محافظة على طابعها الأصيل، تقدم في الأفراح، ولا تخرج عن إطار الإطراء والمديح، مع بعض التحورات التي تساير الواقع.

لذلك نجد أهل العاصمة، في الفترات المتأخرة، بدأوا يضيفون مضامين جديدة للبنينة لتتواءم أكثر مع مفاهيم الحاضر، وهذا ليس مستغرباً، فهناك دائماً تغيرات تواكب المرحلة دون أن تخل بالجوهر، فهي عمليات تكيف تحافظ على القالب وتعيد تأويل المضمون، مثل وضع المصحف مع تعاويذ الجرتق في الطهور، أو إدراج زيارة أضرحة الأولياء ضمن محطات السيرة. وهذا هو التوافق المطلوب مع حركة المجتمع، ولكن تظل العادة القديمة سارية بكل تفاصيلها المتعارف عليها، مع تحميلها بعض المعاني التي تجعلها أكثر قرباً وتوافقاً مع قيم المرحلة.

ومن ذلك ما أدخل على البنينة فصار مطلعها الذي كان يقول:

بنَ بنْ يا بينا يا بنينه هييه

تحول إلى صورة أخرى ولكنها شبيهة جداً بالأصل، تقول:

يا بارينا بي أنا بي نبينا الساري .. شافع المذنبين يوم النهار القالي

الشطر الأول جاء على نفس الإيقاع القديم، لكنه أصبح مفهوماً، إذ أدخل فيه اسم من أسماء الله وهو الباري في "يا بارينا"، ثم تضمن نديهة أو استجارة بالنبي "أنا بي نبينا" مثلما نقول أنا في حوى النبي، ثم جاءت كلمة "الساري" في إشارة للإسراء والمعراج. أما الشطر الثاني فيخاطب النبي بصفته شفيع للمذنبين يوم القيامة، و"يوم النهار القالي" يعني يوم الحشر والقيظ الشديد. ورغم أنني لم أستطع أن أميز من الأداء الصوتي هل الكلمة منطوقة بالغين أم القاف أي هل هي الغالي أم القالي، إلا أنني فضلت الاحتمال الثاني لأنه يشير إلى لظى الحر والقلي على النار. وفي جميع الأحوال، يبدو أن هذه المعاني المكتسبة ترتبط بالتكيف الزماني والمكاني للنص القديم، ولذلك ظهرت فيها بوضوح محاولة جادة للمحافظة على التشابه اللفظي بين الأصل والتقليد. في الأولى "يا بينا" وفي الثانية "يا بارينا"، في الأولى "بن يا بينا" وفي الثانية "أنا بي نبينا". أضيفت معانٍ جديدة ولكن داخل نفس القالب القديم.

النماذج الثلاثة التي تم استعراضها، ربما تعتبر الأقدم، ثم بعد ذلك ظهرت صور أخرى للبنينة خرجت عن إطارها التقليدي وانتقلت إلى فضاءات أرحب، وسّعت من مجال استخدامها في مناحٍ لم تكن تطرقها من قبل، وهذا يدل على عمق تأثر الوجدان السوداني بتراثه القديم، فقد أخذت البنينة بنفس مفرداتها ومضامينها وأدخلت في عالم السياسة، باحتفالية مشابهة لما يجري في مناسبات الأعراس، مستفيدة من ثنائية المدح والذم، فالإشادة بطرف تعني التنديد بالآخر. وهذا ما نجده في البنينة التي نظمها محمد طه القدال. ولا أريد أن أتعرض لمناسبتها، حتى لا نخرج عن موضوعنا، ولكنها بشكل عام صرخة في وجه الجور والعسف الذي كان يمارسه جهاز أمن حكومة الإنقاذ في حق الوطن والمواطن. أما فيما يتعلق بالأغنية فهو يقول في مطلعها:

بنا بنَ بنْ يا بينا يا بنينا هييي

نبنِي البُنى البانينا يا بنينا هييي

ومن هذين البيتين يتضح أن القدال عاد للصيغة القديمة، الأقرب إلى المنطوق الأصلي للكلمات المروية، لذلك البيت الأول لا يمكن الخروج منه بمعنى محدد، إنما هو استحضار تراثي تعود الناس على ترديده في المناسبات. أما البيت الثاني فقد دخلت فيه بعض الألفاظ العربية، في قوله: "نبنِي البُنى البانينا"، وهي صيغة تحمل رمزية عالية، ربما تعني: نشيد البناء الذي يدعم وجودنا وحريتنا، خاصة أن القصيدة في مجملها تتحدث عن الحق في الحياة الكريمة وكسر طوق الكبت والذل. وفي أية حال، فإن هذا النموذج يوضح أن البنينة، بالرغم من الغموض الذي يكتنف كلماتها، إلا أنها لا تزال تؤدي دورها في مخاطبة العقل والضمير السوداني.

وبعد ثورة ديسمبر ظهرت بنينة جديدة، ترفع شعار المرحلة المتمثل في "لم الشتات"، بعد الشرذمة والتفتيت الذي كرسته الحكومة المطاحة، مع أحلام وارفة بوطن أجمل، ورؤى تنبض بالخير والسلام. ومع ذلك، فقد كانت تستشعر الخطر وتحذر من اندلاع الحرب، وهو التوقع الذي حدث بالفعل، حين لجأ الكيزان إلى لغة السلاح قبل أن تبلغ الأغنية عامها الثالث. وهذه البنينة جاءت على ذات نسق تلك التي تحدثنا عنها من قبل، والتي تبدأ بـ"يا بارينا بي أنا بي نبينا الساري". والتي كانت تندرج بشكل عام ضمن النمط التقليدي الذي يقدم في حفلات الأعراس، أما هذه فقد كانت تخاطب الحشود في الشوارع، محملة بالهم العام، ومشبعة بروح التغيير، ومتشحة بثوب التراث ـــ لما له من أثر في وجدان الناس ـــ من أجل مناقشة قضايا سياسية واجتماعية، وهذا ما عبرت عنه في مطلعها الذي يقول:

يا بارينا بي أنا بي نبينا الهادي      يتلم الشتات والخير يعـم الـوادي

البيت الأول جاء على نفس وزن وإيقاع البنينة، لكن بمفردات عربية بالكامل، فيها مناشدة لله في قولهم: يا بارينا، أي يا خالقنا، ثم اللفظ "بي" للمحافظة على الوزن، ثم الإستجارة بالنبي في قولهم: أنا بي نبينا، أي أنا في حماه، مع ملاحظة التشابه الكبير بين الألفاظ، إذ استبدلت "يا بينا" في الصيغة الأصلية القديمة بـ"يا بارينا"، وتحولت "بنينة" إلى "بي نبينا"، ومن الواضح أن هذه محاولة لابتعاث النمط المتوارث في ثوب جديد، جعله أكثر مواءمة مع واقع الحياة المتغير، فخرجت عن نطاق حفلات الزواج، ودخلت إلى ساحة العمل السياسي، وهذا يدل على أن النبرة الصوتية لهذه الأغنية تحولت إلى رمز في المزاج العام، فمثلما تأتي محملةً بصور العز والمجد للعرسان، يمكنها أن تذهب بهذه الصور إلى الأوطان.

وهناك أنواع خفيفة من الغناء تساير البنينة في صيغتها اللحنية، وتؤدى في ذات المناسبات، لكنها تكتفي ببعض مفرداتها دون حرص شديد على التطابق اللفظي مع الصيغة القديمة، مع أن افتتاحيتها تبدأ بنفس الصورة المتعارف عليها. ومن أمثلة ذلك هذا المقطع الذي يقول:

يا بنينه هي أحمدك يا ربي بي دا الليل

شـفت الحـنة في إيديك يا صباح الخير(5)

وقد نجد لهذه اللونية الغنائية القديمة انعكاسات في جوانب أخرى من التراث الشعبي، فقد حملت بعض الأحاجي ملامح منها في الألحان القصيرة التي تتخللها، مما قد يُعد إشارة إلى تسرب بعض صورها إلى عالم الأطفال. ففي أحجية كان صغار دارفور ينامون على ترديدها ـــ وهذا نموذج آخر من الغرب ـــ نجد البطلة تناشد أختها المفقودة، والتي تُدعى بنونة ـــ ولا أظن أن الاسم جاء مصادفةً ـــ إذ تناديها بصوت لا يخلو من أسى، في صورة تحيل البنينة من الطرب إلى الشجى، فنسمع هذه الطفلة تناجي أختها بنغمٍ حزين، قائلة:

بنونة هاي

الحية أمكي يا بنونة

الميتة أمي يا بنونة(6).

التشابه واضح، في الأغاني والأشعار والأحاجي، مما يعني أن تلك الترانيم القديمة لا يزال صداها يتردد في فضاءات الحاضر، فهي ممتدة من كرنفالات الملوك إلى بيوت الأفراح، ومن مناسبات الأعراس إلى ساحات السياسة، ومن التعبير عن الرضا إلى ثورة الغضب. وفي كل الأحوال تبقى البنينة مع الناس تجسد لحظات السعادة، وتصور ملامح الحزن، ورغم تعدد مساراتها، وتجوالها في براحات الزمن العريض، ستظل تؤدي دورها الأصيل في طقس الجرتق.

البنينة والسومار ـــ اللفظ والمعنى:

هناك بعض الاجتهادات التي حاولت الكشف عن معاني هذه الكلمات، ولكن الميل الغالب كان نحو نسبتها إلى العربية بغض النظر عن مصدرها الحقيقي، وذلك لأن أغلب الذين اضطلعوا بهذه المهام، كانوا يضعون الهدف من البحث نصب أعينهم قبل البدء في إجرائه، فتأتي النتيجة مطابقة لأهوائهم. وهذا ما عبر عنه محمد المكي إبراهيم بقوله: "إن المؤلفات التي وضعت عن اللهجة العامية كان الغرض منها إثبات عروبة اللسان السوداني"(7). أي إن الذين تصدوا لهذه المسألة كانوا يسعون من وراء ذلك لتحقيق غاية مقصودة في ذاتها، وليس من أجل الوصول إلى الحقيقة كما هي، وهذا ما يقدح في صدقية طرحهم. ولكن في جميع الأحوال، تبقى تلك وجهات نظر قابلة للخطأ أو الصواب، وعلينا التعامل معها وفقاً لهذا المنظور.

وبالطبع يُعتبر "قاموس اللهجة العامية" ـــ بلا منازع ـــ من أهم المراجع في هذا المجال؛ ويكفي أنه قد حوى من مفردات الدارجة ما تعجز عن تحصيله المؤسسات، وفض مغالق الكثير من الألفاظ المبهمة. ولكن بالرغم من ذلك، كان ينحو في بعض الأحيان إلى تعريب الكلمات المحلية قسراً، وقد لا يغفل الإشارة إلى أصلها العجمي مع ترجيح موقعها من الفصحى. ومن ذلك ما جاء في تفسيره لـ"البنينة" حيث يثبت في البداية أنها كلمة سودانية مما يشي بأنها ليست عربية. إذ يقول: "بنينة (س)" ـــ أي سودانية ـــ ثم يواصل: "البنينة والعديلة من أغاني الأعراس. وبنينة (يا بنينة هي) تقال في السومار في نهاية كل مجموعة، وهي مخاطبة للشبان تشهدهم على مناقب الممدوح، وكأنها محرفة من بنين والبنَّان (س) المادح أو المغنى"، انتهى شرح القاموس ولكن مع إحالتنا للنظر في كلمة بن(8). ومما ورد في هذا الطرح، نلاحظ أن هناك إقرار بأن هذه الكلمة محلية وليست عربية، فقد كان دائماً يتبعها بحرف (س) الذي يشير إلى أنها من العامية السودانية الصرفة، وليس بحرف (ع) الذي يدرجها ضمن العامية العربية، أو (عرح) التي تجعلها من العربية الحديثة أو (ف) التي تحيلها إلى العربية الفصحى. ومن ذلك يتضح أن كلاً من البنينة والبنَّان من الصيغ المحلية التي لا تتردد في الأوساط الثقافية العربية.

ثم علينا أن ننظر في كلمة "بن" التي أحالنا إليها القاموس للتوسع في معرفة المعنى، فنجد أن هذا اللفظ قد أُلحق بالرمز (ف س)، أي إنه من الفصحى، وفي نفس الوقت مستخدم في دارجيتنا. ولكن سوف نتجاوز عن ذلك لنرى معنى اللفظ في اللغة العربية، وعما إذا كان يتطابق مع مدلوله في العامية. فما ورد عنه أن استخدامه في الحالتين يأتي بمعنى فاح وانتشر، وفي هذا السياق يقول: "جاء في لسان العرب وكتاب تاج العروس: البنة الريح الطيبة، وقد تطلق على النتنة المكروهة كرائحة بعر الظباء". ثم يواصل في شرح المعنى المحلي بقوله: "بَنَّ، بنان (س)" ـــ أي سودانية ـــ "وبناني (س) مغنى الأفراح الذي يمدح العريس". ثم يضيف: "والبنان (س) المغني لعلها من بنين (ف)" أي فصحى. ويستشهد على ذلك بما أورده ابن الإعرابي بقوله: "بنين بكلام الفحش، والبنبان الرديء من المنطق، وهي البنينة". هذا هو الشرح الذي قدمه إبن الإعرابي، وما جاء فيه تبدو معانيه متعاكسة تماماً مع المضامين الرفيعة التي تزخر بها أغنية البنينة في واقعنا، ثم يضيف مستشهداً بقول شخص يُكنى بأبي عمرو، الذي يقول عن البنينة إنها صوت الفحش والقذع(9). إلى هنا ينتهي الاقتباس من قاموس اللهجة العامية. ونقول باختصار إن المعاني العربية التي وردت فيه عن البنينة لا تمت للاغنية السودانية التي تقدم في حفلات الجرتق بصلة.

فما يترنم به مغني الأفراح وهو يمتدح العريس والعروس لا علاقة له بالروائح، سواء كانت عطرة أم نتنة، ناهيك عن رائحة بعر الظباء. كما أن تلك المعاني تقف على طرفي نقيض من القول الرديء، إذ إن البنينة لا تنطق بغير الكلام الطيب الجميل، فهي في مجملها إطراء ومدح وثناء، ولو كانت تقال في سياق الذم والهجاء، لكان هذا التفسير مقبولاً. على العموم، يبدو جلياً أن ما ورد في القاموس لا يعدو كونه تعسفاً في التعريب، فالكلمة محلية تنتسب لبعض لغاتنا القديمة، وأُدرجت ضمن عاميتنا بما تحمله من معنى وما يتبعها من عادات وتقاليد. فلا هي عربية، ولا الجرتق الذي تُغني ضمن طقوسه عربياً، ولا "الأنقيب" الذي يقوم بتقديمها لفظ عربي. ولكن هناك الكثير من المحاولات التي تسعى لتقويض الحقيقة انتصاراً لانتماءات عرقية زائفة.

السومار شعر يقال في مدح العرسان، وقد ظل معروفاً بهذا الاسم، برغم أنه يبدو بعيداً عن الألفاظ العربية. وللوقوف على مدلوله أو موقعه من التراث، يتطلب الأمر البحث عن نص يجسد ملامحه، حتى نتعرف على مفرداته، وطريقة صياغته وما إذا كان يحتوي على لازمات معينة تتكرر في أبياته، كما هو الحال في البنينة. وبذلك يمكننا أن نتبين ما إذا كانت له ارتباطات باللغات السابقة أم لا. مع أن هذا الأسلوب القديم في النظم قد يكون ترك أثراً في الدوبيت أو المدائح، أو في الشعر الشعبي عموماً، ولكننا لا نستطيع تحديد موقعه بدقة، نظراً لعدم توفر نموذج نصي بين أيدينا. لذلك ليس أمامنا إلا الاسم ذاته، لعلنا نستشف منه دليلاً على أصوله المحلية، وعلى استمراريته عبر الزمن بالرغم من التحولات الثقافية الكبرى التي طرأت على البلاد.

من الجلي أن هذا النمط من القصائد كان ينظم في الماضي باللغات المحلية حسب النقلة الحضارية: كوشية، مروية، نوبية. وعندما تغير اللسان تبدلت المفردات والألفاظ، بينما ظلت المعاني على حالها، واستمرت هذه اللونية الشعرية محافظة على موقعها ووظيفتها، تتجسد في الكلام الجميل الذي يُلقى في حفلات الأفراح، ويتضمن آيات من الإطراء والتمجيد في قالب إيقاعي موزون، وأحياناً يقدم منغماً أو ملحناً في صورة ترنيمة تجعله أقرب للغناء. وربما يكون الفارق الوحيد بينه وبين البنينة أنه لا يتضمن تلك اللازمة المروية التي تتكرر بين كل مقطع وآخر من القصيدة. ولكن ومهما كانت الطريقة التي يقدم بها أو الأسلوب المتبع في أدائه، فإنه يحمل مؤشرات واضحة بأنه من الموروث القديم الذي تشكل تحت تأثير توجهات عقائدية. وهذا ما منح البنينة والسومار القدرة على الاستمرارية، بذات اسميهما القديمين، إذ إن الأمر لا يعود إلى أنهما مجرد أساليب محببة في الأداء الغنائي أو الإلقاء الشعري اعتاد عليهما الناس في المناسبات، وإنما لأنهما يؤديان دوراً محورياً ضمن منظومة روحية تتجاوز المراسم الاحتفالية إلى الشعائر الدينية التي تتعلق بالغيب، وترتبط بالثواب والعقاب.

أما بالنسبة لمعنى كلمة "سومار"، فقد جاء في قاموس اللهجة العامية: أن سومر كلمة سودانية تطلق على من يقول السومار. ثم جاء شرحها على هذا النحو: "سومار (س) ضرب بعينه من شعر المدح حيث يمدح أحد أقرباء المحتفى به قريبه. ولعله من السمر المسامرة. السَّومَارة (س) المادحة. قالت الرباطابية: غني ووليفيلو الليلة يا السومارة. والسومار عادة قديمة تقام يوم الجرتق أو الطهور حيث يفاخر المغني عادةً بأخوال العريس وآبائه. ويبدأ السومار في منطقة الرباطاب بألفاظ لعلها رطانة تقول: سَمْبُوب بيا بيا بِيّة. وهو يختلف باختلاف المناطق ولعل الأصل فيه السمر والمسامرة"(10) انتهى.

من الإشارات المهمة في تعريف القاموس لكلمة "سومار" أن هذا الشعر يتضمن التفاخر بأخوال العريس، وهذا ما نلاحظه جلياً في أغاني البنينة، مثل التي يؤديها "تيمان عطبرة" حيث تتكرر الإشارة للخال وللأخوال أو الخيلان أكثر من مرة، مع الإغفال التام للأعمام. ومن ذلك قولهم: أخوالك يدخلوا أم حديداً زحمة، وتعني أن أخواله يخوضون المعارك التي تتزاحم فيها أدوات القتال، ومقطع آخر يقول: قرن الجنزبيل خالك لدغة القَبَّه، على الرغم من غموض لفظة "قَبَّه"، إلا أن المعنى العام يوحي بشجاعة الخال وقوته وضربته المميتة، كلدغة العقرب. على العموم الكلمات التي تتردد في هذه المناسبة تركز بصورة واضحة على تمجيد الخال، مع ذكر بعض أفراد الأسرة، مثل الإشارة إلى الآباء بقولهم: "أبواتك قبيل"، والأمهات كذلك بنفس الطريقة "أماتك"، وأخوانك وأخواتك، وجدودك، فكل هؤلاء لهم وجود في أغاني البنينة وأشعار السومار، ماعدا الأعمام، فكل ما يحظون به هو التجاهل التام، مقابل إبراز دور الخال. وهذا التقدير لا يقتصر على التفاخر به شعراً وغناءً فحسب، بل نجده الوحيد المسموح له بالوقوف إلى جوار العريس في أهم مراحل مراسم الجرتق، حيث يقوم بوضع عقد السوميت حول عنقه ترميزاً للتتويج. هذا الموقع المميز الذي يحتله الخال في هذه المناسبة يعود أساساً للنظام الأمومي في التوريث، الذي كان متبعاً في المجتمعات السودانية سابقاً قبل أن تطغى على ثقافتنا المسحة العربية، ولذلك جاء في تعريف السومار أنه يتضمن التفاخر بالخال.

ثم بعد ذلك أشار القاموس إلى أن السومار عادة قديمة تقام يوم الجرتق، مما يعني أن قدمها من قدم الجرتق نفسه، أي أنها كانت تمارس قبل أن يعرف الشعب السوداني اللغة العربية، فإن كانت قديماً تقال بهذا اللفظ ـــ ولا أشك في ذلك ـــ فهذا ينفي صلتها تماماُ بكلمة سمر ومسامرة، وهذه كلمات تنتمي لفصيلة الفصحى التي يندر استخدامها في عاميتنا، فنحن لا نميل للتقعر في استخدام الألفاظ العربية، فذلك قد نجده في وسائل الإعلام فقط، أما في التعامل اليومي فدارجيتنا هي السائدة، وإذا كانت مسألة التشابه اللفظي تكفي لاستنتاج المعنى، فربما نقول إن هذه الكلمة قد دخلت إلى لهجتنا من "سومر" العراقية، فهي الأقرب إليها نطقاً، ويسهل منها اشتقاق إسم سومار، أكثر من سمر. ولكن يبدو أنها لا من هذه ولا من تلك،  وبالطبع هي أكثر بعداً من سامراء المدينة العراقية الحالية، وعليه فهي ليست مشتقة من السمر والمسامرة، ولا من اسم أي مدينة عربية. ومع ذلك، وربما نجد من يحاول إقناعنا عنوة، بنسبتها إلى بني العباس مثلما نسبوا إليهم الجعليين، مدعين أنهم عند هجرتهم من بغداد قد جلبوا معهم هذا الإسم، برغم أن العباسيين أنفسهم قد لا يعرفون الحضارة السومرية التي سبقت البابلية بأرض الرافدين! ولكن في زمن الادعاءات كل شيء وارد. وعلى العموم، فإن كل المؤشرات تدل على أن هذا النمط من الشعر كان يقال قبل أن يعرف الشعب السوداني اللغة العربية، وتأكيد ذلك حسب ما ورد في القاموس أنها ما زالت تقال في منطقة الرباطاب بألفاظ أشبه بالرطانة. لذا يتوجب علينا أن نبحث عن معناه ليس لدى العرب، وإنما في مروي أو نبتة، وربما كرمة أو غيرها من حضاراتنا المحلية القديمة.

المراجع:

1 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ 1989، ص 27.

2 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 55.

3 ـــ مبارك مجذوب الشريف؛ البنينة؛ نشر على موقع الراكوبة الإلكتروني ـــ 3 يناير 2020.

4 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 230.

5 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 136. 

6 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 151.

7 ـــ محمد المكي إبراهيم؛ الفكر السوداني؛ الطبعة الثانية ـــ 1989، ص 24.

8 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 120.

9 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 116

10 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 497.

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...