الأربعاء، 8 يوليو 2026

النديهة من زمن كُر

 تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم التحولات الدينية واللغوية والتطورات الاجتماعية. ومن بين الظواهر التي حافظت على استقرارها واستمراريتها ما يُعرف بـ"النديهة"، وهي المناداة استنجاداً بأصحاب القدرات الغيبية، أو الذين يتميزون ـــ في الفهم العام ـــ بالكرامات وخوارق العادات، والصيغة المستخدمة في مخاطبتهم أو الاستغاثة بهم وطلب عونهم ومساندتهم لها أكثر من أسلوب، منها ما يأتي في صورة إعلان بالتبيعية، فترفع المرأة صوتها قائلةً: "أنا في زريبة الشيخ فلان" أي في حماه، وهي بذلك تضع نفسها تحت رعايته، إذ إن "زريبة الشيخ" تعني مجال تمدد نفوذه الروحي، ومن ينتمي إليها يُعد من حيرانه ومريديه، وبذلك تقع مسؤولية تأمين حياته واحتياجاته عليه. وأحياناً تأتي النديهة في قالب استجارة، فتقول إحداهن: "أنا في حوا الشيخ فلان"، أي إلى جواره وفي حفظه وعنايته(1). وقد تأخذ طابع الالتماس والمساومة، فتنادي المرأة بأعلى صوتها: "يا يابا الشيخ فلان طالباك في كذا وكذا". ثمّ تعلن عن نذرٍ تحفيزي إن تحققت غايتها(2). وفي حالات الضيق يلجأ الناس، رجالاً ونساءً، إلى شيوخهم فتسمعهم يرددون: "يا شيخ فلان، يا سريع النهمة، تلحقني وتفزعني". هكذا ظلت الاستغاثة بالشيوخ تدور على الألسن في السودان حتى اليوم، مجسدة نديهة موروثة من الماضي ما زالت الأكثر تداولاً بين الناس.

فأقدم من ندهنا هو "كُر"، ولا نزال نناديه ونستدعيه. و"كُر" هذه اللفظة الشهيرة التي ترددها النساء كثيراً في السودان، وتنطق بعفوية، دون التوقف عند أصلها أو مدلولها، فرغم استخدامها الدائم، لا يبدو أن هناك دراية بمصدرها ومعناها وما ترمز إليه، ومع ذلك لا تكف الألسن عن ترديدها. فإذا كحَّ الطفل أو تعثر تقول الأم: "كُر" وتكتفي بذلك، وإذا سألتها عن السبب الذي دفعها للتفوه بهذا اللفظ، ربما بانت عليها علامات الدهشة ونظرت إليك شذراً، وظنت أنك تحاول السخرية منها أو إحراجها بطرح تساؤلات غبية عن أمور بديهية ليست محل أخذ ورد، ولكنها إذا تمعنت في هذه المفردة، فلن تعرف لماذا نطقت بها، بينما هي في قرارة نفسها تدرك أنها تهدف بذلك إلى تحصينه. ومن الشائع في السودان أن أي امرأة إذا سمعت بأن هناك مكروهاً قد حل ببعض الناس، تقابل ذلك بقولها "كُر عليهم" هكذا تلقي بهذه الجملة دون تفكير، وكأنها تطلب من قوة خفية أن تحيطهم بلطفها وعنايتها، حتى تبدو عبارة "كر عليهم" وكأنها المقابل المباشر لعبارة "الله يغطي عليهم"، فهي من السياق العام تبدو واضحة الدلالة بأنها دعاء في وجه الغيب بأن يتوفر لهم الأمن والسلام، فالمعنى الذي تستبطنه هو طلب الحماية والنجاة.

"كُر" هذا اللفظ المألوف الذي يجري على الألسن بعفوية حتى اليوم، ظل متداولاً كتقليد متوارث منذ زمن بعيد. وقد تجذرت هذه المفردة في ثقافتنا، وانطبعت في لاوعينا الجمعي، فأصبحنا نستخدمها كمسلمة غير قابلة للنقاش. فمن هو "كُر" الذي يطلب منه أن يحمي هؤلاء الناس؟ إنه الملك المؤله في حضارات السودان القديمة، أو بالأصح هو اللقب الذي كان يطلق على الملك؛ حيث كان المعتقد السائد أنه يحتل منزلة بين البشر والآلهة، ويمتلك قدرات خارقة تمكنه من صد الأخطار المحدقة بالرعية، وإبعاد المصائب عنهم، واستجلاب الخير لهم. ومن هنا، حين تتردد هذه العبارة بصيغها المتعددة، فهي تمثل دعاء أو "نديهة" للملك بأن يوفر لهم الأمن والحماية، ويبعد عنهم البلايا والكوارث ونوازل الدهر، أي أن يشملهم برعايته ويقيهم من كل شر. وعندما تقول إحداهن "كُر عليهم" فهي تنده ذلك الملك التاريخي وتناشده أن يحيطهم بعطفه ورحمته، ويخلصهم من المصيبة التي حلت بهم.

هذه العبارة على غموضها وغرابتها لم تبرح السودان يوماً في ماضيه ولا في حاضره. ونظراً لأن الزمان قد طال بها، فقد أصبحت مبهمة تدخل في حيز الطلاسم والألغاز، وهناك من عمل على فك شفرتها بدرجات متفاوتة من الإصابة والإخفاق. فقد سعى عون الشريف إلى إيجاد رديف لها في العربية، ففسرها بأن المرأة عندما تقول "كُر يا يمة" من الكُره وهو المكروه(3). ثم شرحها في قاموس اللهجة العامية على النحو التالي: "كُر" كلمة تقولها النساء عند ذكر ما ينفرن منه، فيقلن "كُر يا يُمّا". وكأنها "كُره يا يُمّا"(4). وتمثل هذه التخريجة وجهة نظر عون الشريف التي اعتمد فيها على صيغة واحدة يرد فيها اللفظ، وهي "كُر يا يُما". والظاهر أنه اختار هذه الجملة عن قصد، فجعلها تبدو في صورة تحذير من البنت لأمها تجنباً لوقوع مكروه، رغبةً منه في إكساب اللفظ صبغة عربية قسرية، متجاهلاً في الوقت ذاته الكم الأكبر من العبارات التي تستخدم فيها هذه المفردة. فكلمة "كُر" لا تقتصر على هذا السياق الضيق، بل إن الاستعمال الأوسع تداولاً، لا يأتي في صورة تحذير، وإنما في صيغة طلب يتنزل على الشخص نفسه أو من يحيطون به. وذلك ما نجده في الاستخدامات الأخرى والأكثر توارداً، مثل: "كُر عليّ" إذا كان الأمر يتعلق بالمرأة نفسها، و"كر عليه" أو "كُر عليها" إذا كان يتعلق بشخص آخر، "وكر علينا" إذا شمل الجميع بمن فيهم المتحدثة، و"كُر عليكم" أو "كُر عليهم" إذا كان الأمر يتعلق بمجموعة من الناس المتحدثة ليست بينهم.

في جميع هذه الصيغ يتضح أن العبارة تتضمن تضرعاً وطلباً للرحمة والحماية، سواء لقائلتها أو لغيرها. لذلك، فإن تفسير كلمة "كُر" بمعنى "الكُره" يبدو بعيداً عن الصواب، ويندرج في إطار محاولات التعريب المتعسف، إذ لا يبدو منطقياً أن نتوقع من امرأة، مهما كانت حالتها الذهنية، أن تدعو على نفسها وتتمنى أن يصيبها مكروه بقولها "كُر عليّ"، أو أن تدعو علناً على من يحيطون بها أن تحيق بهم المصائب حين تقول "كُر عليهم". كما لا يستقيم عقلاً أن يكون هناك بعض الناس يعانون من مشكلة أو محنة، فتأتي إليهم امرأة وتقول لهم: "كره عليكم" أي أتمنى لكم المزيد من المآسي والنكبات، فاستخدام كلمة بهذا المعنى في مثل هذه الحالات أمر غير مقبول، وقد يعد وقاحة تجر على صاحبها عواقب غير حميدة. لذلك من الواضح أن تفسير لفظ "كُر" بمعنى "الكُره" المشتق من الكراهة، يناقض تماماً المقصد والغاية من استخدامه الفعلي، وبعيداً عن أي مراوغة لغوية، فإن هذه العبارة تأتي دائماً في سياق النديهة أو المناشدة أو الاستغاثة طلباً للحماية والسلامة والنجاة. وعندما تطلقها المرأة فهي ترجو ألا يصيبها أو يصيب غيرها أي مكروه. فالهدف منها دفع البلاء لا استجلابه، وهذا الفهم الوجودي والوظيفي هو وحده الذي يفسر استمرار هذا اللفظ على ألسنة النساء وتداوله حياً حتى اليوم.

وهناك عبارة قديمة كانت تتردد عند توقع حدوث مصيبة أو معضلة من نوعٍ ما، وهي "كُر حاح"، التي يبدو أنها أصبحت خارج نطاق الخدمة اليوم، بعد أن كانت متداولة إلى وقتٍ قريب. وكما أسلفنا فإن "كُر" هو لقب الملك، أما "حاح" فربما جاءت من محاحاة الطير، أي هشه لطرده بعيداً من الزرع(5)، والحاحاية راكوبة يجلس فيها من يكلف بطرد الطير(6)، وبالتالي "حاح" تعبر عن محاولة الطرد والإبعاد، وبذلك يكون المعنى العام لهذه النديهة: يا كُر، أي أيها الملك "حاحي" وأطرد عنا هذا الشر بعيداً.

وإذا وضعنا كلمة "كره" بدلاً من "كُر"، لأصبحت العبارة "كره حاح"، أي أيها المكروه انصرف عن ديارنا. وهي صيغة قد تبدو مقبولة من حيث التركيب، لكنها غير مألوفة من حيث الاستخدام، لأنها تخرج عن إطار النديهة التي درج السودانيون على اللجوء إليها في حالات الضيق، وتدخل في باب المناشدة المباشرة للمكروه نفسه بأن يبتعد عنهم، وهو ما لا يستقيم مع عقيدة الناس. فهم لا يعتمدون على أنفسهم في دفع المصائب، بل يلجؤون إلى ربهم، أو إلى غيرهم ممن يعتقدون في صلاحهم وقربهم من الله، بما يجعل دعوتهم مستجابة. فالشخص عندما يصيبه مرض، قد يتضرع لله ويدعوه أن يزيل عنه مصابه ويشفيه ويعافيه، أو قد ينده شيخه متوسلاً إليه أن يساعده ويأخذ بيده ويخفف عنه آلامه، وفي كل الأحوال، لا يخاطب المرض نفسه ويطلب منه أن يغادر جسده. لذلك "كُر" لا علاقة لها بالكُره، ولن نجد لها تفسيراً صحيحاً ما لم نرجعها لأصلها التاريخي، حيث كان هذا اللفظ هو اللقب الملكي حتى العهد المروي.

وهناك استخدام آخر لا يخرج عن هذا المنحى، فهو مناشدة أو نديهة مباشرة. ومن ذلك ما حكاه ابن عمر التونسي في كتابه "تشحيذ الأذهان" عن أهل دارفور، حيث يقول: "ومن عاداتهم أن المظلوم إذا جاء أمام السلطان، يضع إصبعي يده اليمنى، أي السبابة والإبهام، على شدقيه ويرددهما (يحركهما) مع إخراج صوت عالٍ، فيه كاف واحدة وراءات كثيرة مضمومة، فيخرج من فيه (فمه) صوتٌ يقال له: الكروراك. وهذا الصوت لا يصوِّت به أحد، إلّا إذا كان أصيب بمصيبة"(7). ومن خلال ما أورده التونسي، نلاحظ أن اللفظ الذي يطلقه المظلوم أو المستغيث بصوت عالٍ، يتكون من حرفين هما الكاف مع تكرار الراء، أي تصبح على النحو الآتي: (كُررررر) ويُعرف الناس هذا الصوت بـ"الكروراك" وهو الأصل اللفظي لكلمة "الكوراك" كما ينطقها أهل السودان اليوم.

ولا يصدر هذا الصوت من أحد إلّا إذا كان قد أصيب بمصيبة حسب تعبيره، أي أن هذا اللفظ لا يقال بهذه الطريقة إلّا عند الشدائد والمحن. وعندما يكورك شخص ما في وجه السلطان، هو في الحقيقة يصيح مستنجداً به، باستخدام اللقب الذي عرف به كملك، وهو لقب قديم ما زال مستخدماً حتى بعد أن تحول الناس إلى اللسان العربي، فطرأت عليه بعض التحورات الطفيفة بفعل التأثيرات اللغوية الوافدة. ومن ذلك أن أهل دارفور أدخلوا على اللفظ إضافة بسيطة تدل على زيادة الإجلال والتوقير، فصاروا يطلقون على السلطان لقب "أبا كوري" حيث إن "أب" عربية تستخدم للتبجيل، بينما "كور" ترجع إلى اللقب الملكي المروي(8). فكلمة "أب" تطلق عادة على من يراد تعظيم مقامهم في المجتمع، ففي الطرق الصوفية ينادي المريدون شيخهم "أبونا فلان"، احتراماً وتقديراً له، وعلى هذا النحو أصبح "كُر" في دارفور "أباكوري". ولكن مع ذلك، في اللحظات الحاسمة التي تتطلب "النهمة" وسرعة الاستجابة يسقطون هذا اللفظ الإضافي ويعودون إلى "كُر" القديمة، يطلقونها صرخة، تخرج من أفواههم ممطوطة طويلة (كررررر) حتى يسمعها صاحب الأمر.

بناءً على ذلك يمكننا أن نستخلص أن "كُر" هي الأصل الذي اشتقت منه كلمة "كوراك" بمعنى صياح بصوت مرتفع. ففي البدء كان الناس يندهون الملك بصوت مسموع بمناداته بلقبه "كُر"، ثم صار كل من يهتف للملك بهذه الطريقة، يقولون عن الفعل الذي يقوم به "كوراك"، ثم بعد ذلك اتسع مدلوله ليشمل كل صياح بصوت عالٍ، سواءً كان هتافه موجهاً للملك أو غيره. ومن هنا اندرجت كلمة "كوراك" في لهجتنا العامية بأنها تعني رفع الصوت، ونسينا الجذر الذي نشأت منه. فتوصيف هذه النديهة بالكوراك جاء من اللفظة المستخدمة فيها وهي "كُر"، وبالتالي يمكننا أن نفسر كلمة كوراك بأنها تعني مناداة أو نديهة للملك بلقبه القديم. ثم صارت كلمة دارجة على لساننا لكل صرخة تخرج من الأفواه،  ودخلت في قاموسنا العامي كفعل، فصرنا نقول لكل من تصدر عنه أصوات عالية: "بتكورك مالك؟" وإذا رفع أحدهم صوته في وجهك تقول له محذراً: "يا زول ما تكورك" أو "أوعك تكورك!".

وهذا الكوراك أو هذه الكواريك تتكرر في سياقات متعددة. فعندما تسمع النساء بخبر وفاة، يتقاطرن نحو بيت العزاء، وحين تقترب إحداهن من الدار، وقبل أن تدخل الحوش، تسكلب وتصرخ بأعلى صوتها، مرددة عبارة غير مفهومة، تتكون من لفظين مع بعض التنويع في المفردات ومواقعها من تقديم وتأخير، وغالباً ما تكون الصرخة الأولى هي "كُر ووب" ثم تضيف إليها "كُر حي" و"حي ووب" وهكذا تظل تردد هذه الألفاظ حتى تلتحم بالنساء من أهل الميت، وتستمر في ترديدها وهي تعانق قريبات المرحوم وتبكي معهن دون أن تكف عن تكرار نفس الكلمات. ولو أوقفتها وطلبت منها أن تستكين، ثم سألتها عن معنى الكلمات التي ظلت ترددها، لنظرت إليك مشدوهة، وقالت: هذا ما تعودنا عليه، فهذه طريقة التعبير عن الحزن التي توارثناها عن أمهاتنا وحبوباتنا. هذه العادة ظلت راسخة إلى زمن قريب.

فمن هو "كُر" وماذا تعني "ووب" و"حي"، تشير المصادر التاريخية إلى إن "كُر" هو الملك المؤله، أما "ووب" فيقال إنه اللفظ الذي كان يطلق على كبير الكهنة والمشرف على تحضير الأموات، ولذلك يتم استدعاؤه في هذه اللحظات الفاجعة برفقة الملك الإله، وبذلك تصبح "كُر ووب" هي نديهة أو مناشدة للرب والوسيط في نفس الوقت، ومطالبتهم بحسن استقبال عزيزهم الراحل إلى عالمهم الغيبي. وأغلب الظن أن "حي" تخفيف لـ"أحي" من اللفظ "أح" الذي يقال تعبيراً عن الألم. وفي كل الأحوال، وسواءً كان التفسير ملامساً للواقع أو مجافياً له، فالأمر المؤكد أن الصور التي نشاهدها في بيوت البكيات هي أنماط طقسية متوارثة من الماضي البعيد.

وهناك لفظ آخر كنا نسمعه كثيراً في القضارف عندما يشب حريق في أحد البيوت، والقضارف قديماً كانت في معظمها مدينة من القش، فعندما تشتعل النار في إحدى القطاطي تتعالى أصوات النساء من كل صوب، جميعهن يرددن لفظاً واحداً وهو "كُرروك"، كاف مضمومة، وراءين كل منهما مضمومة أيضاً ثم واو ممدودة إلى أقصى حد، وتختم بالكاف، صرخة مدوية، غالباً ما تعقبها عبارات أخرى مثل "يا سيدي فلان" أو يا "الشيخ فلان"، وبحد أدنى يا "أبو مروة". فإذا كانت الألفاظ الأخيرة مفهومة، فإن "كرروك" تظل غامضة ما لم نرجعها لأصلها التاريخي. مع ملاحظة أن جميع هذه الصيغ والعبارات التي تتضمن اللفظ "كُر" تستخدم فقط في حالات الذعر والجزع وطلب الدعم والمؤازرة، أي أنها تقال في حالات الضيق والشدة، فتصدر بأصوات عالية "كوراك" في سياق استغاثة واستنجاد.

كلمة كُر ومشتقاتها ظلت تشغل حيزاً معتبراً في الوجدان السوداني، وهي ألفاظ لا وجود لها في اللغة العربية، ولا مدلول لها لدى العرب، لا يستخدمونها ولا تعنيهم في شيء. أما في السودان فلها وقع خاص، فهي بما تحمله من رمزية ومعانٍ مضمرة تشكل جزءاً مميزاً من الثقافة الشعبية التي تحتفظ بها النساء في مستودعات حصينة من القيم والعادات والتقاليد، يدخرن فيها أرث الحبوبات والأجداد. لذلك تجدهن ـــ وإلى وقتٍ قريب ـــ هن الأكثر حرصاً على المشاط والشلوخ ودق الشلوفة وطهارة البنات وطقوس الجرتق وكسر تربة الميت، وعندما يكح الطفل يقلن له "كُر". لقد ظل "كُر" قابعاً في لاوعينا حتى بعد أن استبدلناه بالشيوخ والأولياء. وقد ألقينا على عاتقهم ذات الأعباء الروحية التي كان يضطلع بها الملك قديماً. وفي الخلاصة نقول إن البوتقة التي تشكل فيها التراث السوداني ضاربة في عمق التاريخ، يعود عمرها لآلاف السنين، وما تزال بعض مفرداتها شاهدة على ذلك الامتداد الحضاري.

المراجع:

1 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 48 ه 5.

2 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 57 ه 2.

3 ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 317.

4 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 823.

5 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 171 ه 18.

6 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 233.

7 ـــ محمد بن عمر التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 115.

8 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 386 ه 1.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...