الجمعة، 29 مايو 2026

عرس الكورة

 يبدو أن كوش القديمة ساهمت بقدر كبير في تشكيل عادات وتقاليد المجتمع السوداني، التي استمرت عبر الحقب اللاحقة، لتكشف عن نفسها بجلاء في زماننا هذا من خلال طقوس العبور. مما يعني أن مراحل مروي المتأخرة وما بعدها لم تخصم من ذلك الإرث القديم، إن لم تكن قد أمدته بالمزيد من العناصر. ثم جاءت المسيحية فإصطحبت كل ذلك معها وأردفت إليه بعضاً من قيمها، فصارت الصلبان جزءاً من التعاويذ، ومريم العذراء من رموز القداسة التي يتوجه إليها الناس بالدعوات، وتنده في وقت الكرب والضيق. ولكن الإضافة الإجتماعية الأهم التي أقحمتها هذه الفترة في التراث السوداني، هي "عرس الكورة" الذي أصبح من التقاليد المميزة التي لها دور في إزالة بعض العوائق التي تؤدي لتعثر حالات الزواج.

بالنسبة لي ظل هذا الإسم ولفترة طويلة لغزاً محيراً. فكلما سمعت كلمة "كورة" مقترنة بالزواج الجماعي أتساءل ما الذي يربط بين هذا الإناء الذي ينشط استخدامه في شهر رمضان، وهذه المناسبة الاجتماعية؟ حاولت أن أجد تفسيراً لذلك، فتصورت أنها تستخدم لجمع التبرعات من أجل تغطية تكاليف هذه الأعراس، يعني تستخدم كما يفعل الشحادين بالقرعة، ومن هنا نشأت العلاقة بين الكورة والزواج الجماعي، فأصبح هذا التقليد يحمل إسمها، هذا ما توصلت إليه وإعتقدت أنه الصواب. ثم فيما بعد قرأت تفسيراً مختلفاً يقول أن هذا الإسم مشتق من "الكوار"، وهو نظام للبيع بالجملة بإسعار متدنية للتخلص من البضاعة الكاسدة(1)، فرأيت أن هذا التفسير قد يكون أقرب للمنطق، مع إنه بعيد عن القيم الإنسانية، ولكنني تبنيته على علاته وتنازلت عن رأيي الأول. غير إن ذلك لم يستمر طويلاً، حيث اتضح لي فيما بعد أن كلا التفسيرين غير دقيق، وأن الحقيقة غير ذلك، فالكورة لا هي من العدة ولا من التجارة، وإنما تنتمي للحقل الديني. فهي لفظة يونانية تسللت إلى النوبية في الفترة المسيحية، وظلت قيد التداول حتى اليوم. وما تزال في اللسان الدنقلاوي تستخدم بمعنى احتفال(2)، وقد التقطها الناس من تلك الفترة، التي كانت فيها اليونانية إلى جانب القبطية، لغة الدين بينما ظلت النوبية لغة المجتمع. فخرجت هذه الكلمة من الكنيسة ودخلت البيوت، وتغير مدلولها الديني ليأخذ طابع اجتماعي. فهي في الأصل كانت تعني "احتفال العذراء"(3)، أي هي مناسبة تقام إحياءً لذكرى السيدة مريم. وربما كان الناس يستغلون هذه العيد الديني المبارك لعقد زيجاتهم، فيكثر عدد الأعراس فيه إلى درجة تجعلها تبدو كأنها زفاف تشاركي. ومهما يكن الحال، فإن كلمة "كورة" التي تطلق اليوم على الزواج الجماعي هي من المساهمات المسيحية في العادات والتقاليد السودانية. وقد إنتقلت إلى العهد الإسلامي بسلاسة وتوافق، بل أصبح لها دور في معالجة بعض قضايا المجتمع. فعندما يعزف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الشيلة والحفلات والولائم، يلجأ الناس إلى هذا الأسلوب المبسط، الذي يتم فيه عقد عدد كبير من الزيجات في مناسبة واحدة وبتكاليف زهيدة، من أجل مساعدة الشباب على اكمال نصف دينهم، وفقاً لما يدعو إليه الإسلام، وإن كان ذلك يجري وفق أساليب مستوحاة من المسيحية، فلا تعارض بين عقيدة مضت وأخرى أتت. فقيم المجتمع تبنى خلال مسيرته عبر كل الحقب.

في نهاية الأمر أصبح الزواج الجماعي من المشاريع التي يتبناها رجال الدين ويدعونا إليها في خطب المساجد، دون الالتفات إلى منشئه الأصيل، إذ إنه صار جزءاً من قيم المجتمع، وذلك اضفى عليه درجة من الاستقلالية عن المعتقدات تحميه من أن يُلغى لمجرد تغير الأديان، خاصة وأن العبور بين العقيدتين تم بالدعوة الحسنة، دون مدافعة أو احتكاك خشن، فتقبل الناس الانتقال باريحية وعن طيب خاطر. لذلك لم يجد الجديد غضاضة في التعايش مع القديم، فبدلاً من أن يزيحه ويحتل مكانه، أبقى عليه وأعاد تأويله، وهكذا لم تقع قطيعة بين الماضي والحاضر. يقول عون الشريف: أننا لا ندري إن كان أهالي السودان في تاريخهم الطويل قد ظلوا يحافظون على هذه العادة (أي العرس الجماعي) بعد إنتهاء المسيحية. ولكن المؤكد أن العقل الشعبي ظلّ يحتفظ بالإحتفال القديم (أي إحتفال العذراء) ولم يستنكف من الإستفادة منه حين دعت الضرورة إليه بعد أن حور مدلوله ليلائم الظروف الجديدة(4). والمقصود بالظروف الجديدة الدين الجديد، أي الإسلام.

في العقود الأولى من القرن العشرين كانت تجرى مراسم هذه الزيجات الجماعية في يوم 27 رجب من كل عام، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى الإسراء والمعراج، ويتم ذلك تحت رعاية وإشراف بعض الزعامات الطائفية(5). وهكذا أصبحت مراسم عرس الكورة تقام في يوم له رمزيته في الإسلام، وبإدارة ومتابعة من شخصيات لها مكانتها الدينية، مما يدل على اكتمال عملية تكييفها وإستيعابها إسلامياً. وبالطبع لقد نسي الناس أصلها القديم، فمنهم من ظنها عادة مستحدثة، ومنهم من أدرجها ضمن مناسبات الدين الإسلامي معتقداً أنها من تعاليمه. أما مسألة أنها جزء من التراث السوداني المستمد من العقيدة المسيحية فقد سقطت عن الذاكرة. لقد طال العهد، وطغى النسيان، فغاب عن الأذهان أن هذا الشعب ظل قرابة الألف عام يتبع ملة أهل كتابٍ آخر. ولا بد لتلك الفترة الممتدة أن تترك أثراً في الإرث الذي تلقاه الأحفاد. ومن هذا التفاعل بين السابق والاحق تبلورت سمات القيم التي تشكل ثقافة الحاضر، فهناك مواءمات تبقي على ما إستقر في الأعراف من القديم، وتضيف إليه ما يلائمه من الجديد. وهذا التراكم شكل الهوية السودانية، التي لا تقوم على النقاء، بل على الامتزاج.

إن تبني المجتمعات المسلمة لهذا التقليد المسيحي، والإحتفال به في ليلة الإسراء والمعراج، يذكّرني بأبيات لحُمّيد، يقول فيها:

وطني الوطن

وطني وكفى

يا مَبْدِي بي فجر المسيح

مختوم بمسرى المصطفى

لقد تداخل القديم مع الجديد، وانصهرت قيم الديانتين في بوتقة واحدة مع مزيج من الماضي البعيد، فأخرجت لنا التوليفة السودانية التي تشكل الملامح الخاصة لهذا الشعب المتسامح ـــ أو الذي كان ـــ قبل أن تصيبه علل الأيديولوجيات المتشنجة، ولكنه حتماً سيعود.

المراجع:

1 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 205.

2 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 868.

3 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

4 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

5 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 205.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...