الأربعاء، 8 يوليو 2026

النديهة من زمن كُر

 تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم التحولات الدينية واللغوية والتطورات الاجتماعية. ومن بين الظواهر التي حافظت على استقرارها واستمراريتها ما يُعرف بـ"النديهة"، وهي المناداة استنجاداً بأصحاب القدرات الغيبية، أو الذين يتميزون ـــ في الفهم العام ـــ بالكرامات وخوارق العادات، والصيغة المستخدمة في مخاطبتهم أو الاستغاثة بهم وطلب عونهم ومساندتهم لها أكثر من أسلوب، منها ما يأتي في صورة إعلان بالتبيعية، فترفع المرأة صوتها قائلةً: "أنا في زريبة الشيخ فلان" أي في حماه، وهي بذلك تضع نفسها تحت رعايته، إذ إن "زريبة الشيخ" تعني مجال تمدد نفوذه الروحي، ومن ينتمي إليها يُعد من حيرانه ومريديه، وبذلك تقع مسؤولية تأمين حياته واحتياجاته عليه. وأحياناً تأتي النديهة في قالب استجارة، فتقول إحداهن: "أنا في حوا الشيخ فلان"، أي إلى جواره وفي حفظه وعنايته(1). وقد تأخذ طابع الالتماس والمساومة، فتنادي المرأة بأعلى صوتها: "يا يابا الشيخ فلان طالباك في كذا وكذا". ثمّ تعلن عن نذرٍ تحفيزي إن تحققت غايتها(2). وفي حالات الضيق يلجأ الناس، رجالاً ونساءً، إلى شيوخهم فتسمعهم يرددون: "يا شيخ فلان، يا سريع النهمة، تلحقني وتفزعني". هكذا ظلت الاستغاثة بالشيوخ تدور على الألسن في السودان حتى اليوم، مجسدة نديهة موروثة من الماضي ما زالت الأكثر تداولاً بين الناس.

فأقدم من ندهنا هو "كُر"، ولا نزال نناديه ونستدعيه. و"كُر" هذه اللفظة الشهيرة التي ترددها النساء كثيراً في السودان، وتنطق بعفوية، دون التوقف عند أصلها أو مدلولها، فرغم استخدامها الدائم، لا يبدو أن هناك دراية بمصدرها ومعناها وما ترمز إليه، ومع ذلك لا تكف الألسن عن ترديدها. فإذا كحَّ الطفل أو تعثر تقول الأم: "كُر" وتكتفي بذلك، وإذا سألتها عن السبب الذي دفعها للتفوه بهذا اللفظ، ربما بانت عليها علامات الدهشة ونظرت إليك شذراً، وظنت أنك تحاول السخرية منها أو إحراجها بطرح تساؤلات غبية عن أمور بديهية ليست محل أخذ ورد، ولكنها إذا تمعنت في هذه المفردة، فلن تعرف لماذا نطقت بها، بينما هي في قرارة نفسها تدرك أنها تهدف بذلك إلى تحصينه. ومن الشائع في السودان أن أي امرأة إذا سمعت بأن هناك مكروهاً قد حل ببعض الناس، تقابل ذلك بقولها "كُر عليهم" هكذا تلقي بهذه الجملة دون تفكير، وكأنها تطلب من قوة خفية أن تحيطهم بلطفها وعنايتها، حتى تبدو عبارة "كر عليهم" وكأنها المقابل المباشر لعبارة "الله يغطي عليهم"، فهي من السياق العام تبدو واضحة الدلالة بأنها دعاء في وجه الغيب بأن يتوفر لهم الأمن والسلام، فالمعنى الذي تستبطنه هو طلب الحماية والنجاة.

"كُر" هذا اللفظ المألوف الذي يجري على الألسن بعفوية حتى اليوم، ظل متداولاً كتقليد متوارث منذ زمن بعيد. وقد تجذرت هذه المفردة في ثقافتنا، وانطبعت في لاوعينا الجمعي، فأصبحنا نستخدمها كمسلمة غير قابلة للنقاش. فمن هو "كُر" الذي يطلب منه أن يحمي هؤلاء الناس؟ إنه الملك المؤله في حضارات السودان القديمة، أو بالأصح هو اللقب الذي كان يطلق على الملك؛ حيث كان المعتقد السائد أنه يحتل منزلة بين البشر والآلهة، ويمتلك قدرات خارقة تمكنه من صد الأخطار المحدقة بالرعية، وإبعاد المصائب عنهم، واستجلاب الخير لهم. ومن هنا، حين تتردد هذه العبارة بصيغها المتعددة، فهي تمثل دعاء أو "نديهة" للملك بأن يوفر لهم الأمن والحماية، ويبعد عنهم البلايا والكوارث ونوازل الدهر، أي أن يشملهم برعايته ويقيهم من كل شر. وعندما تقول إحداهن "كُر عليهم" فهي تنده ذلك الملك التاريخي وتناشده أن يحيطهم بعطفه ورحمته، ويخلصهم من المصيبة التي حلت بهم.

هذه العبارة على غموضها وغرابتها لم تبرح السودان يوماً في ماضيه ولا في حاضره. ونظراً لأن الزمان قد طال بها، فقد أصبحت مبهمة تدخل في حيز الطلاسم والألغاز، وهناك من عمل على فك شفرتها بدرجات متفاوتة من الإصابة والإخفاق. فقد سعى عون الشريف إلى إيجاد رديف لها في العربية، ففسرها بأن المرأة عندما تقول "كُر يا يمة" من الكُره وهو المكروه(3). ثم شرحها في قاموس اللهجة العامية على النحو التالي: "كُر" كلمة تقولها النساء عند ذكر ما ينفرن منه، فيقلن "كُر يا يُمّا". وكأنها "كُره يا يُمّا"(4). وتمثل هذه التخريجة وجهة نظر عون الشريف التي اعتمد فيها على صيغة واحدة يرد فيها اللفظ، وهي "كُر يا يُما". والظاهر أنه اختار هذه الجملة عن قصد، فجعلها تبدو في صورة تحذير من البنت لأمها تجنباً لوقوع مكروه، رغبةً منه في إكساب اللفظ صبغة عربية قسرية، متجاهلاً في الوقت ذاته الكم الأكبر من العبارات التي تستخدم فيها هذه المفردة. فكلمة "كُر" لا تقتصر على هذا السياق الضيق، بل إن الاستعمال الأوسع تداولاً، لا يأتي في صورة تحذير، وإنما في صيغة طلب يتنزل على الشخص نفسه أو من يحيطون به. وذلك ما نجده في الاستخدامات الأخرى والأكثر توارداً، مثل: "كُر عليّ" إذا كان الأمر يتعلق بالمرأة نفسها، و"كر عليه" أو "كُر عليها" إذا كان يتعلق بشخص آخر، "وكر علينا" إذا شمل الجميع بمن فيهم المتحدثة، و"كُر عليكم" أو "كُر عليهم" إذا كان الأمر يتعلق بمجموعة من الناس المتحدثة ليست بينهم.

في جميع هذه الصيغ يتضح أن العبارة تتضمن تضرعاً وطلباً للرحمة والحماية، سواء لقائلتها أو لغيرها. لذلك، فإن تفسير كلمة "كُر" بمعنى "الكُره" يبدو بعيداً عن الصواب، ويندرج في إطار محاولات التعريب المتعسف، إذ لا يبدو منطقياً أن نتوقع من امرأة، مهما كانت حالتها الذهنية، أن تدعو على نفسها وتتمنى أن يصيبها مكروه بقولها "كُر عليّ"، أو أن تدعو علناً على من يحيطون بها أن تحيق بهم المصائب حين تقول "كُر عليهم". كما لا يستقيم عقلاً أن يكون هناك بعض الناس يعانون من مشكلة أو محنة، فتأتي إليهم امرأة وتقول لهم: "كره عليكم" أي أتمنى لكم المزيد من المآسي والنكبات، فاستخدام كلمة بهذا المعنى في مثل هذه الحالات أمر غير مقبول، وقد يعد وقاحة تجر على صاحبها عواقب غير حميدة. لذلك من الواضح أن تفسير لفظ "كُر" بمعنى "الكُره" المشتق من الكراهة، يناقض تماماً المقصد والغاية من استخدامه الفعلي، وبعيداً عن أي مراوغة لغوية، فإن هذه العبارة تأتي دائماً في سياق النديهة أو المناشدة أو الاستغاثة طلباً للحماية والسلامة والنجاة. وعندما تطلقها المرأة فهي ترجو ألا يصيبها أو يصيب غيرها أي مكروه. فالهدف منها دفع البلاء لا استجلابه، وهذا الفهم الوجودي والوظيفي هو وحده الذي يفسر استمرار هذا اللفظ على ألسنة النساء وتداوله حياً حتى اليوم.

وهناك عبارة قديمة كانت تتردد عند توقع حدوث مصيبة أو معضلة من نوعٍ ما، وهي "كُر حاح"، التي يبدو أنها أصبحت خارج نطاق الخدمة اليوم، بعد أن كانت متداولة إلى وقتٍ قريب. وكما أسلفنا فإن "كُر" هو لقب الملك، أما "حاح" فربما جاءت من محاحاة الطير، أي هشه لطرده بعيداً من الزرع(5)، والحاحاية راكوبة يجلس فيها من يكلف بطرد الطير(6)، وبالتالي "حاح" تعبر عن محاولة الطرد والإبعاد، وبذلك يكون المعنى العام لهذه النديهة: يا كُر، أي أيها الملك "حاحي" وأطرد عنا هذا الشر بعيداً.

وإذا وضعنا كلمة "كره" بدلاً من "كُر"، لأصبحت العبارة "كره حاح"، أي أيها المكروه انصرف عن ديارنا. وهي صيغة قد تبدو مقبولة من حيث التركيب، لكنها غير مألوفة من حيث الاستخدام، لأنها تخرج عن إطار النديهة التي درج السودانيون على اللجوء إليها في حالات الضيق، وتدخل في باب المناشدة المباشرة للمكروه نفسه بأن يبتعد عنهم، وهو ما لا يستقيم مع عقيدة الناس. فهم لا يعتمدون على أنفسهم في دفع المصائب، بل يلجؤون إلى ربهم، أو إلى غيرهم ممن يعتقدون في صلاحهم وقربهم من الله، بما يجعل دعوتهم مستجابة. فالشخص عندما يصيبه مرض، قد يتضرع لله ويدعوه أن يزيل عنه مصابه ويشفيه ويعافيه، أو قد ينده شيخه متوسلاً إليه أن يساعده ويأخذ بيده ويخفف عنه آلامه، وفي كل الأحوال، لا يخاطب المرض نفسه ويطلب منه أن يغادر جسده. لذلك "كُر" لا علاقة لها بالكُره، ولن نجد لها تفسيراً صحيحاً ما لم نرجعها لأصلها التاريخي، حيث كان هذا اللفظ هو اللقب الملكي حتى العهد المروي.

وهناك استخدام آخر لا يخرج عن هذا المنحى، فهو مناشدة أو نديهة مباشرة. ومن ذلك ما حكاه ابن عمر التونسي في كتابه "تشحيذ الأذهان" عن أهل دارفور، حيث يقول: "ومن عاداتهم أن المظلوم إذا جاء أمام السلطان، يضع إصبعي يده اليمنى، أي السبابة والإبهام، على شدقيه ويرددهما (يحركهما) مع إخراج صوت عالٍ، فيه كاف واحدة وراءات كثيرة مضمومة، فيخرج من فيه (فمه) صوتٌ يقال له: الكروراك. وهذا الصوت لا يصوِّت به أحد، إلّا إذا كان أصيب بمصيبة"(7). ومن خلال ما أورده التونسي، نلاحظ أن اللفظ الذي يطلقه المظلوم أو المستغيث بصوت عالٍ، يتكون من حرفين هما الكاف مع تكرار الراء، أي تصبح على النحو الآتي: (كُررررر) ويُعرف الناس هذا الصوت بـ"الكروراك" وهو الأصل اللفظي لكلمة "الكوراك" كما ينطقها أهل السودان اليوم.

ولا يصدر هذا الصوت من أحد إلّا إذا كان قد أصيب بمصيبة حسب تعبيره، أي أن هذا اللفظ لا يقال بهذه الطريقة إلّا عند الشدائد والمحن. وعندما يكورك شخص ما في وجه السلطان، هو في الحقيقة يصيح مستنجداً به، باستخدام اللقب الذي عرف به كملك، وهو لقب قديم ما زال مستخدماً حتى بعد أن تحول الناس إلى اللسان العربي، فطرأت عليه بعض التحورات الطفيفة بفعل التأثيرات اللغوية الوافدة. ومن ذلك أن أهل دارفور أدخلوا على اللفظ إضافة بسيطة تدل على زيادة الإجلال والتوقير، فصاروا يطلقون على السلطان لقب "أبا كوري" حيث إن "أب" عربية تستخدم للتبجيل، بينما "كور" ترجع إلى اللقب الملكي المروي(8). فكلمة "أب" تطلق عادة على من يراد تعظيم مقامهم في المجتمع، ففي الطرق الصوفية ينادي المريدون شيخهم "أبونا فلان"، احتراماً وتقديراً له، وعلى هذا النحو أصبح "كُر" في دارفور "أباكوري". ولكن مع ذلك، في اللحظات الحاسمة التي تتطلب "النهمة" وسرعة الاستجابة يسقطون هذا اللفظ الإضافي ويعودون إلى "كُر" القديمة، يطلقونها صرخة، تخرج من أفواههم ممطوطة طويلة (كررررر) حتى يسمعها صاحب الأمر.

بناءً على ذلك يمكننا أن نستخلص أن "كُر" هي الأصل الذي اشتقت منه كلمة "كوراك" بمعنى صياح بصوت مرتفع. ففي البدء كان الناس يندهون الملك بصوت مسموع بمناداته بلقبه "كُر"، ثم صار كل من يهتف للملك بهذه الطريقة، يقولون عن الفعل الذي يقوم به "كوراك"، ثم بعد ذلك اتسع مدلوله ليشمل كل صياح بصوت عالٍ، سواءً كان هتافه موجهاً للملك أو غيره. ومن هنا اندرجت كلمة "كوراك" في لهجتنا العامية بأنها تعني رفع الصوت، ونسينا الجذر الذي نشأت منه. فتوصيف هذه النديهة بالكوراك جاء من اللفظة المستخدمة فيها وهي "كُر"، وبالتالي يمكننا أن نفسر كلمة كوراك بأنها تعني مناداة أو نديهة للملك بلقبه القديم. ثم صارت كلمة دارجة على لساننا لكل صرخة تخرج من الأفواه،  ودخلت في قاموسنا العامي كفعل، فصرنا نقول لكل من تصدر عنه أصوات عالية: "بتكورك مالك؟" وإذا رفع أحدهم صوته في وجهك تقول له محذراً: "يا زول ما تكورك" أو "أوعك تكورك!".

وهذا الكوراك أو هذه الكواريك تتكرر في سياقات متعددة. فعندما تسمع النساء بخبر وفاة، يتقاطرن نحو بيت العزاء، وحين تقترب إحداهن من الدار، وقبل أن تدخل الحوش، تسكلب وتصرخ بأعلى صوتها، مرددة عبارة غير مفهومة، تتكون من لفظين مع بعض التنويع في المفردات ومواقعها من تقديم وتأخير، وغالباً ما تكون الصرخة الأولى هي "كُر ووب" ثم تضيف إليها "كُر حي" و"حي ووب" وهكذا تظل تردد هذه الألفاظ حتى تلتحم بالنساء من أهل الميت، وتستمر في ترديدها وهي تعانق قريبات المرحوم وتبكي معهن دون أن تكف عن تكرار نفس الكلمات. ولو أوقفتها وطلبت منها أن تستكين، ثم سألتها عن معنى الكلمات التي ظلت ترددها، لنظرت إليك مشدوهة، وقالت: هذا ما تعودنا عليه، فهذه طريقة التعبير عن الحزن التي توارثناها عن أمهاتنا وحبوباتنا. هذه العادة ظلت راسخة إلى زمن قريب.

فمن هو "كُر" وماذا تعني "ووب" و"حي"، تشير المصادر التاريخية إلى إن "كُر" هو الملك المؤله، أما "ووب" فيقال إنه اللفظ الذي كان يطلق على كبير الكهنة والمشرف على تحضير الأموات، ولذلك يتم استدعاؤه في هذه اللحظات الفاجعة برفقة الملك الإله، وبذلك تصبح "كُر ووب" هي نديهة أو مناشدة للرب والوسيط في نفس الوقت، ومطالبتهم بحسن استقبال عزيزهم الراحل إلى عالمهم الغيبي. وأغلب الظن أن "حي" تخفيف لـ"أحي" من اللفظ "أح" الذي يقال تعبيراً عن الألم. وفي كل الأحوال، وسواءً كان التفسير ملامساً للواقع أو مجافياً له، فالأمر المؤكد أن الصور التي نشاهدها في بيوت البكيات هي أنماط طقسية متوارثة من الماضي البعيد.

وهناك لفظ آخر كنا نسمعه كثيراً في القضارف عندما يشب حريق في أحد البيوت، والقضارف قديماً كانت في معظمها مدينة من القش، فعندما تشتعل النار في إحدى القطاطي تتعالى أصوات النساء من كل صوب، جميعهن يرددن لفظاً واحداً وهو "كُرروك"، كاف مضمومة، وراءين كل منهما مضمومة أيضاً ثم واو ممدودة إلى أقصى حد، وتختم بالكاف، صرخة مدوية، غالباً ما تعقبها عبارات أخرى مثل "يا سيدي فلان" أو يا "الشيخ فلان"، وبحد أدنى يا "أبو مروة". فإذا كانت الألفاظ الأخيرة مفهومة، فإن "كرروك" تظل غامضة ما لم نرجعها لأصلها التاريخي. مع ملاحظة أن جميع هذه الصيغ والعبارات التي تتضمن اللفظ "كُر" تستخدم فقط في حالات الذعر والجزع وطلب الدعم والمؤازرة، أي أنها تقال في حالات الضيق والشدة، فتصدر بأصوات عالية "كوراك" في سياق استغاثة واستنجاد.

كلمة كُر ومشتقاتها ظلت تشغل حيزاً معتبراً في الوجدان السوداني، وهي ألفاظ لا وجود لها في اللغة العربية، ولا مدلول لها لدى العرب، لا يستخدمونها ولا تعنيهم في شيء. أما في السودان فلها وقع خاص، فهي بما تحمله من رمزية ومعانٍ مضمرة تشكل جزءاً مميزاً من الثقافة الشعبية التي تحتفظ بها النساء في مستودعات حصينة من القيم والعادات والتقاليد، يدخرن فيها أرث الحبوبات والأجداد. لذلك تجدهن ـــ وإلى وقتٍ قريب ـــ هن الأكثر حرصاً على المشاط والشلوخ ودق الشلوفة وطهارة البنات وطقوس الجرتق وكسر تربة الميت، وعندما يكح الطفل يقلن له "كُر". لقد ظل "كُر" قابعاً في لاوعينا حتى بعد أن استبدلناه بالشيوخ والأولياء. وقد ألقينا على عاتقهم ذات الأعباء الروحية التي كان يضطلع بها الملك قديماً. وفي الخلاصة نقول إن البوتقة التي تشكل فيها التراث السوداني ضاربة في عمق التاريخ، يعود عمرها لآلاف السنين، وما تزال بعض مفرداتها شاهدة على ذلك الامتداد الحضاري.

المراجع:

1 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 48 ه 5.

2 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 57 ه 2.

3 ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 317.

4 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 823.

5 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 171 ه 18.

6 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 233.

7 ـــ محمد بن عمر التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 115.

8 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 386 ه 1.

الاثنين، 6 يوليو 2026

أولياء الزمن الإسلامي

 تُعد ظاهرة تقديس الرموز الدينية إحدى سمات الثقافة السودانية، إذ يمكن تتبع جذورها منذ أقدم العصور، وإلى فترات ما قبل دخول الإسلام، هذا الامتداد التاريخي الطويل ساد فيه اعتقاد عام بوجود أفراد يمتلكون قدرات خاصة تؤهلهم للقيام بدور الوسيط بين الإنسان والقوى الغيبية. ومع انتشار الإسلام، لم تحدث قطيعة كاملة مع هذا التصور، بل أُعيد إنتاج نسخ جديدة منه، أفسحت المجال لصعود شيوخ الطرق الصوفية ليؤدوا وظيفة الوساطة الروحية ذاتها التي اضطلع بها الكهنة والقيادات الدينية في العهود السابقة. وقد أشار يوسف فضل إلى هذا الدور بقوله: "إن في مقدور الشيخ، لما يتمتع به من بركة، أن يساعد المريد في دنياه وآخرته، فهو نعم الوسيط بين العبد وربه"(1). وتعكس هذه الرؤية استمرارية وجود حلقة وسطى بين الأرض والسماء في بنية التدين المحلي. إذ لا تزال العقيدة تحمل في ثناياها الإيمان بالله، ثم بمن ينوب عنه على الأرض. هذا الاعتقاد المزدوج، عبر عنه الكاتب نفسه بقوله: "انتقلت التعاليم الصوفية بكل ما فيها من شعوذة وعادات وثنية فامتصتها الطرق الصوفية المحلية دون تمحيص"(2). هذه الإشارة تتضمن تلخيص لطبيعة النسخة السودانية من الإسلام، بوصفها محملة بقيم الماضي، أو مطعمة بالموروث المحلي. أما ما يعنيه بالعادات الوثنية فهو قطعاً لا يتحدث عن عبادة الأصنام، وإنما يشير إلى تأليه الأفراد.

وقد تناول المفارقة بين الدين الرسمي والتدين الشعبي بقوله: "إن الطرق الصوفية قد امتصت هذه العادات دون تمحيص"، وفي ذلك إشارة خفية إلى أن الإسلام قد دخل إلى السودان بصورة نقية، أو في طبعته النموذجية، ولكن الأفراد الذين اضطلعوا بمهام الدعوة قد قصروا في نشر تعاليمه كما ينبغي، ففي غفلة منهم حدث مزج بين الدين والمفاهيم السائدة في المجتمع، وقد انعكس ذلك في التشوهات التي تخللت نمط التدين الصوفي. والحقيقة عكس ذلك، إذ إن هذه العقيدة لم تأتِ كرسالة واحدة، بل تسربت عبر الحدود مجزأة، وفي فترة زمنية ممتدة، ومن مصادر متعددة، ودروب مختلفة، ودخلت في عملية تفاعل طويلة الأمد مع الموروثات القديمة، جرت خلالها سلسلة من المواءمات، أدت في النهاية إلى استيعاب الدين الجديد ضمن منظومة القيم المحلية، في نسيج واحد يشكل صورة التدين الشعبي.

ولعل هذا ما ألمح إليه عون الشريف بقوله: "إن المسلم السوداني قد هضم في إسلامه كل موروث الماضي، وكل الحضارات التي تعاقبت على أرض السودان وكونته هو شخصياً"(3). وهو أيضاً ما أشار إليه يوسف فضل حين ربط التدين السوداني بالعادات الأفريقية، قائلاً: "ويبدو لي أنهم سعوا إلى بث مبادئ الدين بالتلقين وباستعمال الترانيم والمدائح، والطبول في الأذكار الصوفية، فأعطوها طابعاً أفريقياً خاصاً"(4). ولا أعتقد أن الطابع الذي أشار إليه كان نتاجاً لاستلهام شيوخ الطرق الصوفية للتراث السوداني من أجل نشر دعواهم، بمعنى أنهم انتقوا بعض العناصر من الثقافة المحلية ودمجوها في مشروعهم الديني، سعياً للتوفيق بين تعاليم الدين وميول الناس ورغباتهم. فالأمر لم يكن كذلك، إنما الفكرة الدينية في الأساس تبلورت في هذه البيئة المحلية، فانطبعت ملامحها بالصور التراثية المتعارف عليها، وهذا ما جعل الترانيم والطبول جزءاً من طقوسها التعبدية، لأن الظاهرة في مجملها وليدة المزاج العام للمجتمع، ولذلك وجدت الطرق الصوفية استجابة واسعة، ودون ذلك ما كان لها أن تجد أرضية تقف عليها، ولا مرتكز تنطلق منه، ولا مساحة تنتشر فيها، ولظلّت فكرة معزولة مصيرها الذبول. ولكن ما دعمها، وشد من أزرها هو هذا التمازج بين المحلي والوافد، ومنه تولدت الثنائية التعبدية لله ولوليه الصالح، ولذلك ظل الشيوخ في نظر المجتمع يحتلون موقعاً أعلى من البشر.

أسهم هؤلاء الشيوخ في نشر الدين الإسلامي، على رغم من أن عدداً كبيراً منهم كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب، وقد اكتسب رصيده من المعارف الدينية عن طريق التلقين، مع حفظه للأوراد الخاصة بالطريقة. ولكن مع ذلك، ورغم ضآلة محصولهم الفقهي، فقد اكتسبوا الكثير من الأتباع، إذ تعددت أسباب الالتفاف حولهم، فثمة من اجتذبته قصص الكرامات وخوارق العادات، ومنهم من جاءت به احتياجات ذاتية، سواء لملء فراغ روحي أو تسكين قلق نفسي، وبعضهم استهوته حيوية الطرق الصوفية وأساليبها المتفردة في أداء الطقوس الدينية عبر "النوبة" وحلقات الذكر، ومن بينهم من أتت به الضرورة فارتمى في أحضان "المسيد" الذي يوفر المأوى والملاذ ومقومات الحياة. هذه العناصر لا يمكن إغفال أثرها، ولكنها ليست الدوافع الوحيدة التي تقف وراء انتشار هذا النهج الديني، فهناك عوامل أخرى، لعل من أبرزها، النظام التربوي والتعليمي الذي كان متبعاً في المجتمع آنذاك. وفي هذا الجانب برز دور شيوخ الطرق الصوفية، الذين خرجوا عن دائرة الأمية، واكتسبوا القدرة على "فك الخط"، وإلى هؤلاء أوكلت مهمة إنشاء الخلاوي لتدريس الدين وتعليم مبادئ القراءة  والكتابة.

وكلمة "خلوة" في حد ذاتها تحمل مدلولاً رمزياً عميقاً، فهي تشير إلى الاختلاء، حيث يعيش الشيخ الصوفي لحظات التأمل في ملكوت الله ويتلقى المدد الروحي(5). وهذا المكان نفسه تحول إلى فصل دراسي، يستقبل التلاميذ الراغبين في تحصيل بعض المعارف الأولية في اللغة والدين. ووفقاً لطبيعته المركبة ـــ مدرسة للتعليم وخلوة للعبادة ـــ فإنه لا يحثهم على حفظ القرآن فحسب، أو إجادة القراءة والكتابة، وإنما يحملهم أيضاً على التدريب للانخراط في مسالك الطرق الصوفية، فالصغار بعقولهم الغضة، يسهل تشكيل بنيتهم الفكرية، وعندما يتعايشون مع الأجواء الروحية والنفسية للخلوة، يشتد انتماؤهم إليها، فيصبحون بالفطرة "حيراناً" لشيخهم، ومن معتنقي طريقته، وناشري دعوته، أي إنهم في المحصلة يشكلون الرصيد المستقبلي للطرق الصوفية. وبالتالي قدمت الخلاوي مساهمة قيمة لهذه النهج الديني، ودفعت به لأن يتوسع ويزدهر، مما يعني أن تمدد هذه الطرق، لم يكن نتاجاً لقناعات الناس بالقدرات الخارقة للشيوخ فحسب، أو لتمكنهم من إعالة المحتاجين، وتوفير ملاذ آمن للهاربين من القصاص أو من ملاحقة السلطات الرسمية، وإنما لأنها تمكنت من ترسيخ أيديولوجيتها الخاصة التي تتناغم مع المفاهيم الموروثة.

لقد شكلت الخلاوي الرافد الفكري للطرح الصوفي، وصار للدفعات التي تخرّج سنوياً من الشباب الذين نالوا قسطاً من التعليم ـــ في مجتمع أمي ـــ أثر كبير في واقع الحياة اليومي، ابتداء من كتابة وقراءة الخطابات للأسر في البيوت، إلى التوظيف في دواوين الحكومة، وما يوفره ذلك من وضع مادي مريح، يعزز من مكانتهم بين الناس. هذه المكتسبات لم ينظر إليها خريجو الخلاوي بوصفها نتيجة لحصولهم على درجة من التعليم، وإنما أرجعوها لانتمائهم الصوفي، فصاروا أكثر وفاءً لشيوخهم، يرفعون من شأنهم، ويروجون لكراماتهم وقدراتهم الروحية، وقد أسهم هؤلاء بدرجة كبيرة في انتشار الطرق الصوفية من ناحية، ودعم مواقع قادتها كوسطاء بين الناس وربهم من ناحية أخرى.

وبذلك وظفت الخلاوي لخدمة القيم الموروثة، فبدلاً من أن يؤدي التعليم إلى إضعاف التصورات السابقة عن مكانة رجل الدين ودوره في الحياة والمجتمع، نجده قد وطدها أكثر، وزاد من رسوخها ومد في عمرها. فاستمرت هذه الظاهرة إلى وقت قريب. فعندما سيطر الأتراك على حكم البلاد، حاولوا فرض نوع جديد من التعليم النظامي(6)، ولكن مخططاتهم في هذا المجال كانت فطيرة، فباءت مجهوداتهم بالفشل. ولم يصبح للتعليم دور بارز في تغيير المفاهيم الاجتماعية، إلّا بعد مجيء الإنجليز، وفي عهدهم أُنشئت مدارس حديثة تهدف إلى تغيير بنية الوعي، وقد انعكس ذلك في إثارة الجدل حول بعض القضايا الانتقائية، فنسبةً لحساسية موقفهم كثقافة وافدة، تجنبوا المساس بالمكونات العقائدية، واكتفوا بالتعامل معها بصورة وصفية بعيداً عن النقد والتحليل، مع تصويب سهامهم نحو بعض السلوكيات الاجتماعية. وهذا ما سار عليه أوائل الخريجين الذين تلقوا تعليمهم وفقاً للمناهج الغربية، إذ بدأت طلائعهم في مناقشة بعض العادات والتقاليد السائدة، مع عدم الخوض المباشر في القضايا الدينية، فظل شيوخ الصوفية في مواقعهم القديمة، يمارسون الوساطة بين الأرض والسماء. واستمر هذا الحال إلى ما بعد خروج الإنجليز، ونيل السودان استقلاله، وحينها مثلما في السابق، تصدر المشهد زعماء الطوائف الدينية، كقوة فاعلة، بينما جاء الخريجون من خلفهم كقوة داعمة. وهكذا ظلت الهيمنة للمقدس إلى وقتٍ قريب، وظل الشيوخ في مرتبة أعلى من البشر.

تدل الكثير من الرويات المتداولة في التراث الشفاهي على أن العديد من الناس، وفي أزمنة مختلفة، ظلوا على اعتقادهم بأن للأولياء قدرات إلهية. فكتاب "الطبقات" الذي جمع فيه "ود ضيف الله" حكاياته عن هؤلاء الشيوخ من الروايات المتداولة في المجتمع، يحتوي على الكثير من المعجزات التي لا تتأتى إلا للآلهة، ودون محاكمة هذه الحكايات بمعايير المنطق، إذ إن الحديث هنا يدور حول القناعات الشخصية وفي ظرف تاريخي محدد. وفيه نجد أن الناس كان لديهم في ذلك الوقت إيمان لا يتزحزح، وعقيدة راسخة بأن أولياءهم يمتلكون من القوة والقدرة ما يجعل مشيئتهم نافذة؛ بحيث يقولون للشيء "كن فيكون". والأمر لا يقتصر على الطيران في الهواء أو السير على الماء، فهذه مجرد استعراضات، فيها متسع للتأليف والخيال، ولكن هناك أشياء تفوق ذلك، وتنطوي على ما يشبه التحدي لإله السماوات والأرض.

بعض الناس يدفعهم اعتقادهم في هؤلاء الشيوخ إلى حد الشطط، فينسبون إليهم ما يجعلهم أنداداً لله، بل أحياناً يتفوقون عليه، بما يحد من إرادته ويكبح قدرته. ومن ذلك ما يروى عن الشيخ حسن ود حسونة أنه أعاد لعدد من الأموات أرواحهم بعد أن غادرت أجسادهم بفترةٍ من الزمن(7)، ومن فرط قدرته على رد الحياة للجثث الهامدة، أصبح الأمر بالنسبة إليه مجرد هواية، ففي إحدى المرات، بينما كان سائراً في الطريق، قابله رجل وقد اصطاد عدداً من الطيور، فأخذها منه ومنحها عمراً جديدا، فرفرفت بأجنحتها وطارت إلى أعشاشها(8). أما الشيخ خوجلي أرزق توتي، فقد دخل ـــ بحسب الرواية ـــ في صراع مرير مع ملك الموت، حتى انتصر عليه ومنعه من تنفيذ أمر الله بانتزاع روح إحدى النساء(9). ولم يعد أمام هذا الملاك بعد أن دُحر، إلّا أن يعود إلى ربه ليخبره بأنه خسر المعركة، وأن المرأة التي كان من المفترض أن تكون في عداد الأموات ما زالت على قيد الحياة، حتى يتم تغيير أجلها المحتوم في اللوح المحفوظ، ويكتب لها عمر جديد. هكذا بمنتهى البساطة تتم الأشياء في معتقدات المريدين والأتباع. وعندما يؤلف البعض هذه القصص لا يفعلون ذلك للتسلية، وإنما هو تعبير عن قناعة حقيقية بأن من بين البشر من يملك قدرات إلهية لا تحدها حدود. أما الشيوخ أنفسهم، ففي الغالب لا علم لهم بما كان ينسج حولهم، إذ هي تهيؤات تحيكها المعتقدات الشعبية.

وإذا تجاوزنا كتاب الطبقات الذي جمعت مادته في القرن الثامن عشر، وما ورد فيه من معجزات، فإن هذه التصورات ظلت متداولة بين الناس حتى وقتنا الحاضر، مما يشير إلى استمرارية القيم المتوارثة التي كان يشكل فيها الوسيط البشري حلقة وصل بين الناس وخالقهم، وذلك ما يظهر بوضوح في نديهة الأولياء التي تأخذ طابع السلوك التلقائي عند الأزمات والمحن، انطلاقاً من مفهوم سائد بأن نديهة الشيوخ في وقت الضيق مفعولها أسرع في رفع البلاء وكشف الغمة بما يتجاوز النداء الموجه إلى الله مباشرة. لذلك من المألوف في حالات العسر أن يلجأ الملهوف والمضطر إلى الأولياء من أجل تفريج كربته، وقد اعتاد الناس ذلك حتى أصبح أحدهم ينشد شيخه وهو يطوف ببيت الله الحرام، فهناك الكثير من الحكايات التي تروى عن نساء كن يندهن الأولياء والصالحين ـــ بحسب اعتقادهن ـــ وهنّ متعلقات بأستار الكعبة. ومثل ذلك ما ظلت تقوم به بعض جماعات الطرق الصوفية، فهؤلاء، وبينما يؤدون مناسك الحج، تنطلق نداءاتهم التي تطلب الغوث والمدد من مشايخهم، رغم أنهم في بيت الله.

وفي الأدب الشعبي هناك العديد من النماذج التي تدل على أن الشيوخ كانوا ملجأ المستغيث، فالمادح حاج الماحي في أشهر قصائده نجده يستنجد بعشرات الأولياء، ويحثهم على الوقوف صفاً واحداً في وجه التهديدات التي شكلها "التمساح" الذي حجّر عليهم البحر. ففي مطلع القصيدة يناشد الله أن ينعم على البلاد بالمطر، أما في مواجهة الخطر فلم يجد سوى شيوخه. فهم أهل الفزعة وملاذ الخائف والمقهور. وبناءً على هذه القناعات نجد أسماء الشيوخ مكتوبة على العربات كتعويذة للحماية من عوارض الطريق. وهناك الكثير من الشواهد الأخرى التي تظهر أن لدى البعض إيمان عميق بمقدرات الأولياء على حماية الناس وتذليل مصاعب حياتهم.

وذلك ما عبر عنه أحد المواطنين ببساطة؛ ففي دراسة آثارية عن القباب أجريت في عام 1993، اعتمد الباحث على الحوار المباشر كمحور في تنفيذ مهمته، وضمن هذا العمل وجه سؤالاً لرجل كبير في السن من "البجة" يقوم بحراسة قبة في منطقة "محمد قول"، سأله عما إذا كان يحبذ زيارة الأولياء. فجاء رده نصاً: "اليوم ده ربنا ما يحمينا، الأولياء بتاعنا يحمينا من أي مصيبة(10). هكذا قال: إن الله لا يحميهم، وإنما الأولياء هم من يقومون بواجب حمايتهم من المصائب. وهذه الإجابة دفعت صاحب الدراسة إلى التعليق في الهامش قائلاً: "لم يستطع الراوي أن يعبر عن أفكاره باللغة العربية بصورة سليمة، مما أعطى انطباع بأنه يجدف"(11). ولكن في الحقيقة، لم يكن الرجل يجدف، وإنما كان يعبر عن قناعاته التى يؤمن بها؛ فمهما كانت الصفات التي يمكن أن نسم بها حديثه، فهو في قرارة نفسه يعتقد أن الولي أقرب إليه من الله، وقد عبر عن ذلك بعفوية تدل على أن هذا الأمر بالنسبة إليه لم يكن موضع تساؤل.

هذه القناعة لها تاريخ طويل ممتد في عمق الزمن. في كل عهد كان لها رموز عبارة عن وسطاء، يحتلون موقعاً بين الأرض والسماء، وأخيراً أصبح مكانهم هذا يشغله الأولياء، وعليهم أن يؤدوا نفس دور الذي كان موكلاً للملوك في الزمن القديم، وهو أن يوفروا الحماية للناس، ويصدوا عنهم قدر الله الذي ينزل عليهم في صورة كوارث وأوبئة، فهم "الآلهة المحلية" التي تعيش بينهم، ورغم أنهم من البشر، فإنهم ليسوا مثلهم، إذ يمتلكون القدرة على مواجهة آلهة السماء التي لا يأتي من قبلها إلّا المتاعب وعسرات الحياة، وهذا ما عبر عنه الرجل بلغته البسيطة.

وكل ذلك قد يجعلنا نرى في الولي بعض ملامح الملك الذي روج له الكهنوت القديم وسوّقه للناس بصفته صاحب "كرامات وخوارق عادات" تمكنه من استجلاب بركات السماء ومعالجة أزمات البشر بحكم قربه من الإله. فهو في وجوده، يعتبر الوسيط الحي بين الإنسان وربه،؛ يتوجه إليه أصحاب الحاجات بتوسلاتهم ليفك لهم عقدهم ويسهل عليهم أمورهم، وبعد رحيله يشيدون له مدفن صروحي (هرم ـــ قبة) ليواصل دور الوسيط بعد مماته، فيأتي الناس إلى مقامه للتبرك به ومواصلة ابتهالاتهم عله يسهم في حل مشاكلهم وإقالة عثراتهم، أو يحمل طلباتهم عنهم ويرفعها إلى الإله في السماء حتى تحظى بالقبول وتجد الحل المناسب، في ظل شفاعته وقربه من الله.

وهذا التقديس الذي كان يحظى به الملك قديماً انتقل إلى الأساقفة والقساوسة في ممالك السودان المسيحية. وعندما جاء الإسلام الذي لا يميز بين الناس بحكم الوظيفة أو السلطة، استعاد الناس صورة الوسيط في شخص الولي، الرجل الصالح الذي يتقرب إلى الله بفضائل الأعمال، فيمنحه قدرات خارقة تحقق للناس مقاصدهم؛ فيتوجهون إليه حياً بطلباتهم المستحيلة، وإذا ما اختطفه الموت شيدوا له قبة أو سيجوا له ضريحاً، ليظل مصدراً لليمن والبركات التي تتنزل عليهم بجاهه، ويتوسلون به لتذليل المصاعب، ومساعدتهم في تجاوز النكبات، وصرف البلاء. ومن هذا قد يبدو أن الولي هو أحد مظاهر استمرار المعتقدات القديمة في حلة جديدة، تتواءم مع الدين الذي اعتنقه أهل السودان في عهدهم الأخير.

أما في جبال النوبة فقد ظل النموذج القديم مسيطراً حتى النصف الثاني من القرن العشرين، وفيه نجد رأس القبيلة أو الملك ولقبه "شيرا" يتمتع بقدرات روحية تمكنه من الهيمنة على السلطة الدينية والدنيوية(12)، ويقف الكجور بجواره يعاونه في تصريف شؤون الحياة، وهو يحتل موقع كبير الكهنة في الحضارات القديمة، ولا يصبح مؤهلاً للقيام بمهامه ألا بعد أداء عدد من الأسبار(13)، نفس التأهيل الذي يخضع له الكهنة في المعبد قديماً، ولكن بأساليب مختلفة. وعلى العموم، يبدو النهج المتبع في الجبال، ظل قائماً على نفس القواعد التي أرستها المعتقدات القديمة، هكذا ظل الملك في حد ذاته إلهاً، والكاهن أو "الكجور" له قدراته الخاصة التي تمكنه من التعامل مع القوى الخفية. مما يدل على أن جبال النوبة حافظت على الإرث القديم دون تغيير كبير، حيث يتربع الملك على قمة السلطة بمقدراته الروحية، وإلى جواره الكجور أو كبير الكهنة، يقوم بالتصدي للمشاكل المباشرة التي تواجه الناس، ييسر لهم الأمور، ويذلل الصعاب، ويزيل العقبات، ويدرأ عنهم الكوارث والآفات. من الواضح أن هناك تشابه كبير في المواصفات، وأيضاً الوظائف التي كان يعزوها عامة الناس إلى رجال الدين عبر التاريخ، منذ زمن الكهنة مروراً بفترة الأساقفة والقساوسة، وصولاً إلى زمان الشيوخ والفقرا، وبموازاتهم الكجور. فقد ظل الملك في كل الأحوال ثابتاً في موقعه، بينما تتبدل حوله طبقة رجال الدين، دون أن تتغير وظائفهم، إذ كانوا جميعاً في نظر المجتمع يقومون بمهام الوسطاء بين الآلهة والبشر، وهكذا ظل المعتقد القديم حاضراً في كل الحقب، وظل الناس يستعينون بهم في تذليل أمور حياتهم، وذلك بمناداتهم عند الشدة والضيق، بالألفاظ التي تعرف اصطلاحاً بالنديهة.

المراجع:

1 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 146.

2 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 144.  

3 ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 24.

4 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 146.

5 ـــ خالد الكد؛ الأفندية ومفاهيم القومية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 2011، ص 60.

6 ـــ خالد الكد؛ الأفندية ومفاهيم القومية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 2011، ص 61.

7 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 143.

8 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 144.

9 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 198.

10 ـــ صلاح عمر الصادق؛ قباب شرق السودان ـــ 2006، ص 125.  

11 ـــ صلاح عمر الصادق؛ قباب شرق السودان ـــ 2006، ص 125 ه 1.

12 ـــ عيسى محمد حسب الله؛ تاريخ جبال النوبة؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 22.  

13 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 159.

الأربعاء، 24 يونيو 2026

الإسلام والألوهية المستبطنة

 إن تأليه الملوك في الثقافة السودانية لم يتوارَ بعد انتهاء الحقبة المسيحية، بل استمرت بعض مظاهره حتى بعد أن أصبح الإسلام دين غالبية السكان. ويتجلى ذلك بوضوح في تجربتي السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور، حيث حافظت الأنظمة الحاكمة فيهما على قدر كبير من سمات التقاليد القديمة، وبالذات تلك الممارسات التي تهدف إلى إحاطة الطبقة الحاكمة بهالة من القداسة، وكانت الإجراءات التي تشير إلى ذلك تطبق في الواقع العملي دون الإعلان عنها صراحةً، مما يدل على أنها ظلت حاضرة في الذهن الجمعي، وإن بشكل مستتر، وظلت تعبر عن وجودها من خلال اشاعة تصورات تضع الملك في منزلة أعلى من البشر. فمن الأوصاف التي أسبغت على الملك في سنار: "أنه لا يأكل ولا يشرب، وأنه مصدر الأمن في البلاد، والضامن لخصوبة الأرض، وصاحب قدرات تتجاوز الطبيعة(1). وهي صفات لا تترك مجالاً للشك أنها تصوّر الحاكم كائناً استثنائياً صاحب قدرات خارقة. ولترسيخ هذه الصورة عملوا على عزله عن المجتمع، وإبعاده عن الاحتكاك المباشر بالناس. ولم تكن هذه الاستراتيجية من تخطيطهم، بل استلهموها من الإرث القديم. وقد تطرقت سلفاً إلى الإشارة التي أوردها الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي عن ظاهرة تأليه الملوك في مروي، والتي جاء فيها: "أن ملوكها كانوا يعزلون أنفسهم في قصورهم"(2)، أي أنهم كانوا ينأون بأنفسهم عن عامة الناس، هذا التقليد وإن خفت بريقه في بعض الفترات، إلّا أنه عاد للظهور بعد عدة قرون في مملكتي الفونج ودارفور، حيث حرص حكام هاتين السلطنتين على إقامة حواجز اجتماعية تحول بينهم وبين رعاياهم، حفاظاً على جلال هيبتهم.

ففي دولة الفونج، لم يكن الملك يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم. فقد ذكر الرحالة بونسيه، الذي زار سنار عام 1699، في عهد بادي الثالث المعروف بـ"بادي الأحمر"(3) أن الملك لا يظهر أمام الجمهور إلا إذا كان وجهه مغطى بقطعة من النسيج الحريري(4). ولم يقتصر هذا التخفي على المناسبات العامة فحسب، بل شمل حتى الاجتماعات التي تعقد من أجل تصريف شؤون الدولة، والتي تتطلب وجوده الشخصي لتبادل الرأي وجهاً لوجه مع كبار معاونيه. ومع ذلك، فإنه يظل متوارياً عن الأنظار، يخاطب الحضور عبر وسيط، ينقل حديثه إليهم، ثم يعود إليه بآرائهم، وكان هذا الوسيط يعرف بـ"سيد الكلام"(5).

وتبدو هذه التقاليد أكثر تشدداً في سلطنة دارفور، حيث تمتع السلطان بنفوذ واسع جعله أقرب إلى الملك المؤله وإن لم يرفع نفسه إلى مقام الربوبية أو يطالب الرعايا بعبادته. ولكنه أمسك بتلابيب سكان البلاد، فكانت مقاليد حياتهم في قبضته. ويعكس ابن عمر التونسي هذا الواقع بقوله: "ولملكهم السلطنة التامة عليهم، فإذا قتل منهم ألوفاً، لا يسأل: لماذا؟ وإن عزل ذا منصب، لا يسأل: لماذا؟ فهو تام التصرف في كل أمر يريده، وإذا أمر بأمرٍ لا يراجع فيه ولو منكراً"(6). وعندما نقارن هذه الشهادة بما ذكره القزويني قبل ستة قرون، تتجلى بوضوح الاستمرارية في أعراف الحكم، إذ يقول عن الملك: "وحكمه نافذ في رعيته، ويده مطلقة يسترق من يشاء، ويتصرف في أموالهم كما يشاء". هاتان الصورتان تكشفان أن التقاليد الملكية القديمة ظلت حيّة في السودان حتى القرن التاسع عشر، وبالتفاصيل نفسها التي عُرفت بها في العصور السالفة.

وكما كان الحال قديماً، لم يكن سلطان دارفور، يظهر أمام الناس إلا وهو ملثّم، كما كان شديد الحرص على ألا يكون عرضة للمشاهدة أثناء تناوله الطعام. وهي أيضاً من العادات المتوارثة التي عبر عنها القزويني بقوله: "وهو ـــ أي الملك ـــ يوهم الناس أنه لا يأكل، ويدخلون الطعام عليه سراً، فإن عرف ذلك أحد من الرعية قتلوه لوقته"(7). وهذا يدل على أن تنزيه الملك عن مظاهر الضعف البشري كان يؤخذ بمنتهى الجدية، وهو ما تؤكده عملياً الحادثة الشهيرة التي وقعت بين السلطان محمد الفضل ووزيره الأول "أبو شيخ كِرّة". فعلى الرغم من القرب الشديد لهذا الرجل من السلطان، إذ كان وصياً عليه حين تولى الحكم وهو ما يزال يافعاً، ثم صار بعد ذلك ذراعه الأيمن، إلا أن ذلك لم يشفع له حين تجاوز حدوده في مسألة تتعلق بهيبة الموقع السلطاني. ففي إحدى المناسبات، أُقيم حفل كبير بالقصر حضرته أبرز شخصيات المجتمع الدارفوري، وأثناء تناول الطعام، كان السلطان يتنقل بين ضيوفه لتفقدهم، وعندما اقترب من المائدة التي يجلس عليها "أبو شيخ" حياهم، رد عليه الوزير مازحاً بقوله: "تفضل معنا".

إن مجرد هذه الدعوة للسلطان بمشاركتهم الطعام كانت سبباً في مقتله لاحقاً، أما ردة الفعل المباشرة، فقد تمثلت في أن انهال عليه السلطان ضرباً بالعصا على رأسه حتى كُسرت، ثم طرده من الحفل(8) دون أدنى اعتبار لمكانته الرفيعة في المجتمع، فهو الوزير الأول، أي إنه يحتل الموقع الثاني في الدولة. كل هذا الغضب والحنق فجرته دعوة مازحة للأكل على مرأى من الناس، ومن هذا الموقف يمكننا أن نتخيل مصير من يرى الملك وهو يتناول طعامه. وما حدث في قصر السلطان فيه دلالة واضحة على استمرارية هذه التقاليد القديمة بالقوة نفسها حتى اندثار الممالك السودانية على أيدي الغزاة.

ومن مظاهر إحكام العزلة حول الملك عدم مخاطبته الناس بشكل مباشر، يقول ابن عمر التونسي: "من عادتهم أن السلطان لا يسلم على غيره إلا بترجمان"(9)، أي إنه لا يلقي التحية على أحد، ولا يتقبلها منه إلا عبر وسيط، هذا في الظروف العادية، أما في مجالس الحكم فكانت الصورة أكثر تعقيداً، إذ يصف التونسي المشهد قائلاً: "إذا جلس السلطان للحكم في ديوانه، وقف المترجمون السبعة في الوسط، أولهم عند السلطان، وآخرهم عند الناس أصحاب الدعوى"(10). وبناءً على ذلك، كان الحوار في مجلسه يتم عبر سلسلة من المحطات تتكون من سبعة أفراد، يقف أولهم بالقرب منه وآخرهم بالقرب من الحضور، وذلك إمعاناً في التخفي حتى لا يصل صوته مباشرةً إلى الناس، فكلماته تنقل عبر هؤلاء الوسطاء الذين يعرف كل منهم بـ"خشم الكلام"(11)، ووظيفته تشابه ما يقوم به "سيد الكلام" لدى الفونج، مما يكشف عن وجود مشتركات ثقافية عميقة بين السلطنتين.

إن جميع هذه القيود لم تُفرض إلّا لهدف واحد، هو النأي بالملك عن التواصل المباشر مع الناس، خشية أن يؤدي الاحتكاك اليومي إلى تكوين انطباعات سالبة تحط من مكانته المقدسة. وتدل هذه الصور ـــ القديمة في أصلها والحديثة في تجلياتها ـــ على أن تقليد تأليه الملوك الذي ظهرت بوادره الأولى مع فجر حضارات وادي النيل، قد استمر دون انقطاع حتى القرن التاسع عشر، حين انهارت آخر الممالك السودانية. ويمثل ذلك دليلاً قوياً على استمرارية ثقافية ممتدة تربط الماضي السحيق بالحاضر القريب، وتؤكد أن هذه المجتمعات ظلت ـــ إلى حدٍ بعيد ـــ بمنأى عن المؤثرات الخارجية القادرة على إحداث تغيير جوهري في بنيتها الثقافية. ويتضح هذا المعنى أكثر عند مقارنة الوضع في السودان بمصر، التي تخلت منذ زمن بعيد عن تقاليد عزل الحكام عن المحكومين، في حين استمرت هذه الممارسات في السودان، بصور مختلفة حتى الغزو التركي، وهو ما يشير إلى أن العوامل التي أزاحت تلك التقاليد في مصر لم تصل إلى السودان إلا في الزمن الحديث بعد وقوع البلاد تحت نير الحكم الاستعماري.

ولعل من مظاهر تأليه الملك، القسم بحياته، وهو أسلوب لتعزيز المصداقية كان سائداً في الحضارات القديمة، حين كانت الرعية تقدس الحاكم وتحلف بحياته. ويبدو أن هذا التقليد لم يقتصر على تلك الفترات البعيدة، بل امتد حتى وقت قريب، إذ ظل الناس في دولة الفونج يؤدون نفس القسم. ولم يكن ذلك في بداية عهدها بل استمر حتى أيامها الأخيرة. كما لم يكن هذا السلوك ممارساً بين عامة الناس فقط، بل بين كبار شخصيات المجتمع كذلك. ومن أبرز الشواهد على ذلك الحوار الذي دار بين عمارة أبو سكيكين ـــ الذي حكم في الفترة ما بين 1558 و1569(12) ـــ والشيخ بان النقا الضرير، بحضور الشيخ إدريس ود الأرباب. ففي سياق طلب السلطان من الشيخ معالجة والدته المريضة، خاطبه قائلاً: أنت سابق كنت جُندينا ثمّ بقيت جندي الله، "وحات الملك" إن كان ما عافيت أمي أردك إلى جنديتك(13). لقد هدد الشيخ بأنه سيعيده إلى عمله القديم في حال لم يتحقق الشفاء على يديه، وذلك لأن الشيخ بان النقا كان في الماضي موظفاً لدى حكومة الفونج، وعندما تصوف واتبع الطريقة القادرية، تفرغ للعبادة، وأصبح من أهل الله. وما يهمنا من هذا الكلام هو الحليفة بحياة الملك، فهي بلاشك من الموروث القديم الذي تحول بطول الاستخدام إلى جزء من العادات الاجتماعية، وهذا ما جعلها تجري على لسان عمارة أبو سكيكين رغم إسلامه، وفي نفس الوقت وجدت القبول من الشيخ بان النقا الضرير، والشيخ إدريس ود الأرباب، وهما من كبار رجال الدين في ذلك العهد، ولكنهما لم يستنكرا منه هذا القول. ويكتسب هذا الصمت دلالة خاصة إذا حكمنا عليه من خلال المعايير الإسلامية التي تحصر القسم بالله وحده، وتعدّ الحلف بغيره نوعاً من الشرك. ومع ذلك مرّ التلفظ به دون مراجعة أو تصحيح، مما يدل على أنه كان مألوفًا ومقبولًا في الوعي الجمعي آنذاك. وما يعزز هذا الاستنتاج أن ود ضيف الله الذي أورد هذه القصة بعد قرابة قرنين من وقوعها، نقلها كما هي دون تدخل أو اعتراض، الأمر الذي يشير إلى أن هذا النوع من الحليفة، لم يكن غريباً على أسماع أهل زمانه. ويكشف ذلك عن مدى تمكن قيم الماضي من وجدان الناس، وسيطرتها على سلوكهم اليومي، بحيث تمارس هذه العادات بعفوية، بغض النظر عن التحولات الدينية العميقة التي شهدها المجتمع.

وتتأكد استمرارية مظاهر الالتزام بهذه العبودية مرة أخرى في المراحل المتأخرة من دولة الفونج، حيث نجد شخص مثل بادي ولد رجب ـــ ابن أخ محمد أبو لكيلك، والوزير الثاني في الدولة بعد سيطرة الهمج على الحكم ـــ يعلن عن عبوديته للملك، فهو "عبد المك"، فحسب قوله: "أن لا يأكل عبد المك إلا  من الحلال"(14). وتكمن أهمية هذا التصريح في توقيته، إذ أصبح بادي ولد رجب وزيراً، نحو عام 1780، مما يدل على أن العبودية الرمزية للملك ظلت حاضرة في أذهان الناس طوال معظم فترة حكم دولة الفونج، ولم تكن ظاهرة عابرة أو مقتصرة على البدايات.

وقد يرى البعض أن هذه الأمثلة مجرد حالات فردية معزولة لا يمكن تعميمها على المجتمع بأسره، غير أن هذا الرأي يتجاهل ندرة المصادر المكتوبة التي تناولت أحداث تلك الفترات، ففي ظل هذا الشح، تكتسب الشواهد القليلة الموثقة قيمة مضاعفة، إذ تشير إلى أن ما لم يسجل وسقط من الذاكرة يفوق بكثير ما تم تسجيله، ووصل إلينا. ثم إن الأشخاص الذين تناولتهم هذه الروايات يمثلون واجهات المجتمع، وهؤلاء ـــ بحكم صفويتهم ـــ هم الأكثر قابلية للتأثر بالمتغيرات، فإذا ظلوا أسرى للموروث القديم، فذلك يعني أن القاعدة الشعبية كانت أكثر التصاقاً وتشبثاً بقيم الماضي. فإذا كان السلطان نفسه يقسم بالملك القديم، فاعلم أن عامة الناس لم تكن تحلف به فحسب، بل كانت تلهج بحمده والثناء عليه، وربما التبرك باسمه. وهذا يعزز القول بأن هذا السلوك لم يكن استثناءً، بل ظاهرة عامة في مجتمع دولة الفونج، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنها لم تغادر قيم مملكة علوة المسيحية إلا ببضع سنوات. لذلك اعتقد أن ما وجدناه مسطراً في الكتب لا يعكس سوى جزء محدود من واقع اجتماعي وثقافي ظل محافظاً على قيم ومعتقدات يفترض ـــ نظرياً ـــ أنها اندثرت منذ قرون طويلة، لكنها بقيت حية في الممارسة اليومية.

ويقودنا ذلك إلى سؤال جوهري حول طبيعة هذه المجتمعات وأصولها. هل تمثل امتداداً مباشراً لذلك السلف القديم الذي واصل تجسيد قيمه عبر الأجيال؟ أم أنها من نسل جماعات وافدة محملة بثقافة مغايرة، حطت رحالها على حين غفلة من خارج الحدود؟ قد تبدو الإجابة أقرب إلى الاحتمال الأول، إذ إن العادات والتقاليد المتوارثة غالباً ما تكون من أكثر المؤشرات صدقاً على الجذور العميقة للمجتمعات. ففي حالة دولة الفونج، ـــ ورغم تبنيها اللسان العربي واعتناقها الإسلام ـــ ظلت معتقداتها القديمة تسري في نسيجها الثقافي حتى وقت قريب، وهو ما يدل على قوة الاستمرارية الحضارية، ويكشف في الوقت ذاته عن تعقيد مسارات التحول الديني والاجتماعي في هذه البلاد.

المراجع:

1 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 124.

2 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.

3 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الثانى؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 355.

4 ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012، ص 15.

5 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 32.

6 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 167.

7 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 25.  

8 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 456.

9 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 169.

10 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 171.

11 ـــ أوفاهي؛ الدولة والمجتمع في دارفور؛ الطبعة الأولى ـــ القاهرة ـــ 2000، ص 39.

12 ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 595.

13 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 50.

14 ـــ أحمد بن الحاج أبو علي؛ مخطوطة كاتب الشونة، الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 47.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

تداخل الأديان

 لقد بدأ الإسلام يتسرب إلى المجتمعات السودانية منذ وقت باكر، ولم يكن هذا التوجه يشكل ظاهرة لافتة للنظر، حيث لم يكن هناك من يعبأ بالنزعات العقائدية للأفراد. فالتحول في الرؤى الدينية والمفاهيم الروحية لم يكن مثار جدل، وإنما كان يجري في فضاء واسع من التصالح والتسامح والمواءمة، كل يؤمن بما يشاء دون فرض أو إكراه، فالقناعات تبنى عبر الخيار والتقبل، وللحريات الشخصية أولوية القرار الذي لا يخرج عن مساقات القيم المتوارثة وموجهاتها التي تؤطر السلوك العام، دون أن تعمل في الوقت نفسه على تنميط الأفكار وتحديد الميول الروحية. لذلك اتسمت الحياة العامة بمسيرة حافلة من التعايش بين القادم والمقيم دون شد وجذب، مهما كانت درجة الاختلاف. وقد لاحظنا من قبل عندما تبنّى الناس المسيحية احتفظوا بكثير من قناعاتهم السابقة، فقد ظلوا يتعاملون مع الملك بصفته إلهاً ـــ أو على الأقل كائناً مقدساً ـــ على الرغم من إيمانهم المعلن بالمسيح، واتباعهم للإنجيل، وتعبدهم في الكنيسة. وكأنهم بذلك يعبرون عن طبيعتهم الخاصة التي تنفتح على المستقبل دون أن تلغي الماضي، لأن فيه مستودع قيمهم وتقاليدهم التي فطروا عليها.

لم تتبنَّ المجتمعات السودانية الإسلام بشكل فجائي أو نتيجة ظرف طارئ، وإنما انتقلت إليه عبر مراحل متدرجة وفي فترة زمنية طويلة، بدأت ملامحها الأولى في الظهور منذ وقت بعيد، يسبق بكثير الأطروحات التي تربط دخوله بنهاية الممالك المسيحية، فقد أشار الجغرافي والرحالة ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي إلى أنه قد وجد من بين المجموعات السكانية التي إلتقى بها فئات تدين بالأسلام، وكانوا يتلقون نفس المعاملة ـــ مثل الآخرين ـــ من قبل الملك. ومن خلال هذه الشهادة يتضح أن الإسلام قد تسلل إلى السودان منذ فترة زمنية يصعب تحديدها، فهي على كل حال تعود إلى ما قبل تاريخ هذه الزيارة. وهذا يدحض القول بأن هذا الدين كان محجوزاً عند الحدود ـــ كما يدعي البعض ـــ في انتظار انهيار المملكة حتى يأذن له بالدخول، فأمر انتقاله لم يكن مرهوناً بالظروف السياسية، وإنما كانت تحركه عوامل وشروط أخرى ترتبط بمصالح الناس، لذلك وجد طريقه نحو بعض مجتمعات "علوة"، والدولة المسيحية تتمتع بدرجة عالية من القوة والتماسك، وفي ذلك الوقت كان لمعتنقي هذه الديانة الجديدة وجود مميز في نسيجها الاجتماعي.

وتكشف لنا رواية هذا الرحالة أن هؤلاء الناس كانوا يعيشون في كنف الدولة مثل غيرهم من المواطنين، سواء أكانوا مسيحيين أم أصحاب ديانات محلية، فلم يكن هناك من ينظر إليهم باعتبارهم قد فارقوا الملة أو خرجوا عن الجماعة، وكانت الدولة تعاملهم كرعايا مثل الآخرين، حتى إن الملك كان يتابع شأنهم بنفسه، فهو الذي يعين من يتولى زمام أمرهم، باعتبارهم من بين رعاياه، فمثل الآخرين، كان يكلف من بينهم من يراه قادراً على تحمل مسؤوليتهم ومعالجة قضاياهم. فشيخ الجماعة التي تدين بالإسلام أو زعيمها كان يختاره الملك المسيحي(1)، دون أن تدفعه عاطفته الدينية إلى أن يولي عليهم من يوافقه عقائدياً، وفي ذلك مؤشر على أن التوجهات التي تنطوي على انغلاق طائفي لم تكن تشغل حيزاً في المجتمع، بحيث تفرض السلطة الرسمية ـــ أو حتى الأغلبية العددية ـــ قناعاتها على الآخرين، فالجميع كانوا تحت حكم مرجعية قيمية واحدة تعود إلى ميراثهم القديم.

ولم يكن هؤلاء هم الممثل الوحيد لحملة العقيدة الإسلامية بالسودان في تلك الفترة الباكرة، فالمشاهدات تكشف عن أن الاتصال بالعالم الخارجي لم يكن معطلاً في ذلك الحين، انتظاراً لأحداثٍ سياسية تزلزل كيان الدولة وتزيل أنظمة الحكم وتغير هويتها الدينية ـــ وفقاً لبعض الادعاءات ـــ بل إن الحركة كانت منسابة. ففي نفس القرن، زار البلاد شخص آخر وهو ابن سليم الأسواني، وقدم وصفاً للظروف التي كان يعيش فيها القادمون من أقطار العرب، فقد أوضح أن الجهات المسؤولة كانت توفر لهم أماكن للإقامة في "سوبا"، فمن بين مساكن أهلها، كان لهم "رباط" خاص(2)، يقضون فيه فترة تواجدهم بالمدينة. وهي أماكن معدة لاستقبال التجار الذين تأتي بهم القوافل من الأقطار المجاورة، ولذلك سمي موقع سكنهم رباطاً لأن إقامتهم محدودة، فهم بحكم تحركهم الدائم طلباً للأسواق، لا يلبثون في مكان واحد لوقت طويل، وإنما يمكثون للمدة التي تكفي للانتهاء من أعمالهم ثم يغادرون. وفي خلال هذه الفترات، كانوا يعيشون بين الناس، ويتبادلون معهم المصالح، يؤثرون فيهم ويتأثرون بهم. وهذا التعامل الذي ينطوي على المنفعة، يدل على أن السودانيين قد تعرفوا على الإسلام والمسلمين ـــ بصورة دائمة أو مؤقتة ـــ منذ زمنٍ بعيد، يعود إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي، وفي ذلك الحين كانت المسيحية عقيدة غالبية أهل البلاد.

وربما كان هذا هو الأساس الذي أدى لتوسع دائرة الحضور الإسلامي في القرن الأخير من عمر مملكة "علوة"، ففي تلك الفترة أصبحت بصمات المسلمين تتضح شيئاً فشيئاً على صفحة المجتمع، وبدأ يظهر من بين أهل البلاد من يتبنون الدعوة إلى الإسلام، ولعل "علي أبو دقن" كان من روادهم الأوائل. فقد ذُكر أن هذا الشيخ قد اختار "سوبا" مستقراً له، وكان معروفاً بين أهل زمانه بالصلاح(3)، وربما كان له حيران وأتباع ينشط بينهم حتى وافته المنية قبل قيام دولة الفونج. وهناك آخرون عملوا في المجال نفسه، منهم الشيخ الضرير ود عون الله الذي أسس خلوة لتدريس القرآن، وبالإضافة إلى ذلك، كان يعمل قاضياً يفصل بين الناس من مختلف الأديان(4). فكانت المنازعات التي تنشأ في الأسواق يؤتى بها إليه بغض النظر عن انتماءات أطراف الخصومة، فربما كانوا من أديانٍ مختلفة، ليس بينهم من رابط سوى المصالح التجارية التي تجمع بين المسيحي والمسلم وصاحب المعتقد الخاص، وعندما يتشاكسون، فإنهم يقفون أمام القضاء سواسية، وما يفصل بينهم هو العرف المتفق عليه من الجميع، وكان الشيخ الضرير هو المسؤول عن تنفيذ إجراءاته دون أن يعتد بدين أحد ولا حتى الملك، ناهيك عن أن يطبق قناعاته الشخصية.

أما الشيوخ الذين اضطلعوا بمهام تدريس القرآن في تلك الدولة المسيحية، فقد كان من بينهم اللقير ود عون الله، وهو أخو القاضي الضرير، فقد كان لديه خلوة وتلاميذ. وقد سبقه في هذا المضمار كل من الشيخ البنداري وكانت له خلوة في "الحلفايا"، وزامله في نفس الفترة الشيخ حمد ود زروق وكانت خلوته بـ"الصبابي"(5). كل هؤلاء الشيوخ عاشوا وماتوا في ظل دولة علوة المسيحية، وقد سبق هؤلاء ـــ وربما عاصر بعضهم ـــ الشيخ غلام الله ولد عايد، الذي يقال إنه قد حل بالسودان في منتصف القرن الرابع عشر، وكان له نشاط ديني واسع في "دنقلا"، وهو جد أولاد جابر الأربعة وأختهم فاطمة، الذين قاموا بدور بارز في مجال التعليم الديني بعد قيام دولة الفونج.

فبالنظر إلى نشاط هؤلاء الرواد، يتضح أن مملكة "علوة" لم تكن مسيحية خالصة، وإنما كانت دولة قد تداخلت فيها الأديان، وشهد عهدها الأخير انحساراً للدين القديم وانبساطاً لجديد، وكان التحول قد بدأ وتنامى داخل نسيج المجتمع، ولم يأتِ إليه من الخارج. هكذا كانت النقلة من دين إلى آخر طوعية، غير مفروضة بالقوة أو الإجبار، لذلك كان التحول سهلاً وطيعاً، ولا علاقة له بأسطورة الحروب الدينية التي خربت "سوبا"، فهذه العاصمة حين انهارت كانت الكتلة الكبيرة من أهلها قد تبنت عقيدة جديدة، ولم تكن في حاجة لأن تقاتل نفسها، ولو كان ذلك قد حدث بالفعل، فإن الذين حفظوا بعضاً من سيرة هؤلاء الشيوخ لكانوا ضمَّنوها شذرات من تفاصيل تلك المعارك.

لقد تداعت السلطة الرسمية للمسيحية، ولكن بقاياها ظلت ماثلة، وهذا ما نشاهده في عدة مواقع بالسودان. ففي منطقة "التكاكي" ـــ التي تشمل مناطق الرباطاب والشايقية ـــ تحولت المباني التي كانت كنائس يتعبد فيها الناس وهم على النصرانية إلى مساجد يؤدون فيها صلواتهم بعد دخولهم الإسلام. بل ظلت بعض المساجد تحتفظ برموزها وأيقوناتها المسيحية(6)، مما يعني أن السكان كانوا لا يرون تعارضاً بين قناعاتهم القديمة ومعتقداتهم الجديدة، فكلها عبادات يتوجهون بها إلى الله. لذلك كان التحول في الوعي الشعبي متدرجاً ومتمهلاً، أعيدت خلاله صياغة الرموز والمفاهيم السابقة لتأخذ طابعاً آخر، لا يسقط القديم ولا يتعارض مع الجديد، فلم تُهدم الكنائس لتشيد بدلاً عنها مساجد جديدة، ولم ينفر الناس منها أو يقاطعوها، بل حُولت المباني ذاتها من كنائس إلى جوامع.

وامتد هذا الانسجام بين العقيدتين إلى سلوك الأفراد، فكان بعضهم يجمع بين الدينين، ولم يقتصر ذلك على عامة الناس، بل شمل قيادات المجتمع أيضاً. وتُروى في هذا السياق أخبار عن شخص كان يخاطب الناس من منبري المسجد والكنيسة معاً، فيعظ المسلمين في مسجدهم، والمسيحيين في كنيستهم. ولا يدل ذلك على نبرة عالية من التسامح، بقدر ما يعكس مرحلة من إعادة التشكل الداخلي والتحول الذاتي، حيث كانت القناعات تتغير من دينٍ إلى آخر بسهولة ويسر، دون إكراه أو ضغط، إلى الحد الذي سمح للشخص نفسه أن يقوم بدور الإمام والقسيس في وقتٍ واحد، دون أن يثير ذلك استغراب معاصريه، أو يدفعهم للتساؤل عن انتمائه الديني، إذ لم يكن الناس في تلك المرحلة يرون في مثل هذا السلوك تعارضاً يستوجب المراجعة والتصحيح.

وتبرز ملامح هذا التحول التدريجي في مفردات التعامل اليومي، فحتى وقت قريب، عندما يقع شجار بين الأولاد في الشوارع، تسمع أحدهم يقول للآخر: "إنعل صليبك" أو "أطلع صليبك"(7)، دون أن يدري أن هذا اللعن كان في الماضي يعتبر إساءة بالغة، وتطاولاً على الرموز الدينية، قد يستوجب المحاسبة والعقاب الصارم، فهي تعادل بمفهوم اليوم أن تلعن لأحدهم دينه، أي تسب مقدساته، وكانت قديماً تستخدم بهذا المعنى، ولكن بمرور الزمن فقدت حمولتها الدينية دون أن تسقط عن الذاكرة الشعبية. واستخدامها الرمزي من قبل الصبية فيه استعادة لمدخرهم الثقافي القديم. ومن هذا الإرث جاءت ألفاظ ومعانٍ لا تزال متداولة، مثل "عرس الكورة"، هذه التسمية الغريبة التي قد لا يدرك كثيرون أنها في الأصل كانت احتفالاً يقام للسيدة مريم العذراء، ثم أعيدت صياغتها بعد ذلك لتصبح مناسبة إسلامية تُجرى فيها الزيجات الجماعية(8). والنماذج تتعدد وتترى، وقد تعرضنا لبعضها من قبل، جميعها ظلت متداولة دون أن نتحرى عن مصدرها وأصلها.

وكل هذه الشواهد مجتمعة تدل على أن الانتقال من المسيحية إلى الإسلام كان تحولاً طوعياً وخياراً فردياً، يتمتع فيه كل شخص بكامل الحرية في تبني العقيدة التي يشاء، دون تدخل من سلطة أو ضغط من مجتمع. وقد أسهمت عوامل داخلية وخارجية في التمهيد لهذا التغير التلقائي في مسار القناعات، فبينما كان الدين القديم ينزوي تدريجياً بعد أن فقد قنوات تواصله بالمراكز المساندة وجفت روافد مدده الوجداني، كان الدين الجديد يجد دعماً متزايداً على المستويات الروحية والفكرية والمادية. فقد كان جل النشاط الاقتصادي الذي يعود بالفوائد والأرباح يأتي عبر التعامل مع الإمبراطورية الإسلامية المزدهرة آنذاك، حيث كانت السلع والبضائع تغدو وتروح على ظهور الدواب وعلى متن المراكب التي تجوب البحار. هذه الحركة التجارية والمصالح المتبادلة وفرت حوافز الانتقال دينياً ولغوياً.

المراجع:

1 ـــ ابن حوقل؛ صورة الأرض؛ دار مكتبة الحياة، بيروت ـــ 1992، ص 61.

2 ـــ الأسواني في الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 356.

3 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 264.

4 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 72.

5 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 50.

6 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 75

7 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 76

8 ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 257.

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...