الجمعة، 29 مايو 2026

السيرة

 السيرة ـــ العمق التاريخي:

لا تبدو "السيرة" في الأعراس السودانية مجرد مظهر احتفالي طارئ، بل هي تقليد راسخ يستند إلى قيم موروثة عميقة الجذور؛ وربما كانت في الأصل ترتكز على أبعاد روحية تعود إلى معتقدات الأزمنة الغابرة، ففي الحكايات الأسطورية التي شكلت نواة التصورات الدينية في العصور الأولى، يروى أن الآلهة كانت تذهب في مسيرة حاشدة، حافلة بالبهجة والأهازيج، إلى الموقع الذي يقام فيه الاحتفال بالزواج المقدس(1)، إذ كانت للآلهة في مفاهيم أهل ذلك الزمان حياتها الخاصة التي تماثل في كثير من جوانبها ما يعيشه البشر على الأرض. أما الملوك فقد كانوا يعيشون حياة مزدوجة، لأن المعتقد السائد كان يرفعهم إلى مقام الآلهة، وبهذه الصفة، هم الأجدر بتطبيق مراسم السيرة باعتبارها عُرفاً سماوياً، وبالذات في احتفالات التتويج.

بناءً على ذلك، استقرت السيرة كأحد تقاليد الحكم الراسخة، إذ كان تنظيمها بمثابة إعلان رسمي عن شرعية الملك الجديد. وتزخر الآثار والنقوش من العهد المروي بشواهد على المظاهر الاحتفالية المهيبة التي كانت ترافق الملك في رحلته الأولى بعد اعتلائه العرش. فعقب تتويجه يخرج من العاصمة الجنوبية في موكب حاشد متجهاً صوب معبد البركل في نبتة، حيث يستمد الحق الإلهي في الحكم، فيصبح مطلق التصرف في الرعية وشؤون الدولة ـــ نظام قديم ما زال يتجدد باسم الدين ـــ وهي سلطة لا يكتسبها إلا بعد إكمال مراسم تنصيبه بالوقوف في محراب هذا المعبد، الذي يمثل الحلقة التي تربط بين الأرض والسماء. ونظراً لهذه الأهمية البالغة، فقد كان الملوك يحرصون على أن تكون هذه الزيارة هي المشوار الأول الذي يفتتحون به عهودهم في الحكم. ومن هنا بدأت قيمة "السيرة" تترسخ في البنية الاجتماعية، لتتحول من مراسم ملكية إلى تقاليد شعبية تشكل بداية كل مرحلة جديدة في الحياة.

لقد وثق الملوك ضمن حولياتهم تلك الرحلات المقدسة لتظل خالدة في الذاكرة، علّ الأجيال اللاحقة تتعرف على ملامح من المسيرة المباركة التي وضعتهم على أعتاب مرحلة جديدة من حياتهم. وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن العديد من تلك السجلات، التي أظهرت مدى رسوخ القيم المتوارثة، والحرص على استمرارها مهما تطاول الزمن. فمن تلك الرحلات ما دونه الملك "أماني نتي يركي" الذي حكم قبل الميلاد بأكثر من أربعة قرون، وقد سجل تفاصيل مسيرته أو "سيرته" من مروي إلى نبتة في نقش يروي الوقائع التي مر بها، والأحداث التي شهدها أثناء الطريق، لينتهي بتصوير الحفل الكبير الذي أقيم بهذه المناسبة في جبل البركل. ومن بعده سار "هارسيوتف" على ذات الدرب، فسرد مشاهداته وما جرى في تلك الرحلة من أحداث، ختمت بالاحتفال العظيم الذي استمر عدة أيام في البركل. ثم جاء "ناستاسن" ليسطر في لوحته، أسوةً بمن سبقوه، وصفاً للموكب ذاته احتوى على نفس التفاصيل تقريباً(2). وقد تتابع الملوك من بعدهم على ذات النهج، فنقشوا على الصخر مشاهد حية لتلك الرحلة لتظل خالدة عبر التاريخ وحاضرة أمام الأجيال المتعاقبة، تحكي قصة الحشود الضخمة التي كانت تنطلق في مسيرة أو "سيرة" من مروي، لتعبر صحراء "بيوضة" في طريقها إلى نبتة، حيث تزف في خاتمة المطاف إلى معبد البركل فتؤدى الطقوس والشعائر تضرعاً للآلهة بأن تحيط الملك برعايتها وتلهمه التوفيق والسداد. ثم تحتفل باكتمال مراسم انتقاله إلى مرحلة جديدة من حياته واعتلائه سدة الحكم.

لم تقتصر تفاصيل هذه الرحلات على النقوش المكتوبة فحسب، بل حظيت كذلك بنصيب وافر من التوثيق في الرسومات المروية؛ إذ عثر على لوحة منحوتة بنقوش بارزة في مقبرة تعود للقرن الثاني قبل الميلاد، تظهر تجمعاً حاشداً يلوح الكثير منهم بجريد النخل. ثم تكرر هذا المشهد بنفس الأسلوب والمضمون في العديد من المقصورات التي تنتمي لتلك الحقبة وما تلاها وصولاً إلى أواخر العهد المروي(3). ومن خلال هذه الشواهد البصرية إلى جانب المدونات الكتابية التي تناولت "السيرة"، يبدو واضحاً أن جذور هذا التقليد تمتد إلى أزمنة موغلة في القدم.

ومن ذلك العمق التاريخي البعيد، واصلت "السيرة" مشوارها دون أن تضل الطريق، ظلت تحمل نفس معالم الأصل القديم، ولكن بتكييفات طفيفة، حافظت من خلالها على ملامحها الموروثة. فالمظهر العام الذي ظل مشاهداً حتى النصف الثاني من القرن العشرين ـــ قبل أن تزدحم المدن بالعربات ـــ كان مشابهاً إلى حد كبير لما كان يجري في الماضي، حيث كانت الجموع تتحرك في مسيرة على الأقدام، ليس من بين المشاركين فيها من يمتطي دابة إلا العريس ـــ بصفته الملك ـــ الذي يعتلي فرساً تقوده بنتان من أهله، إحداهما على اليمين والأخرى علي الشمال، بينما تحمل أخريات الشموع، وتلوّح بعضهن بجريد النخل أو الأغصان الخضراء. وتتقدم النساء الركب وهن يضربن على الدلاليك والطبول تصاحبهن الأغاني والزغاريد.

وأحياناً تكون في طليعتهن امرأة تحمل "قناية" طويلة، قد أُعدت من قبل بغمر جزئها العلوي في الزيوت العطرية لعدة أيام حتى تتشبع تماماً. ومع بداية التحرك تشعل النار في قمتها، لتتحول إلى مُبخر طليق في الفضاء ينثر شذاه على طول الطريق، وكانت هذه تعرف بالسيرة "أم قناية"(4)، هذا التقليد بكل أسف كان من أول الملامح التراثية التي غيبها الزمن.

هذا الموكب عادةً تتصدره النساء، ومن بعدهن العريس الذي يتوسط الحشد، ثم يأتي الرجال من خلفه. وتتخلل هذا الزحف وقفات تتيح للفتيات التنافس في إستعراض مهارتهن في الرقيص، بينما يتبارى الشبان في الشجاعة وقوة التحمل بإقامة حلقات البطان(5)، مع وقفات أخرى في المزارات التي تحمل أبعاد روحية، مثل البحر، أو أضرحة الأولياْ أو موقع يُعتقد أنه مسكون بقوى خفية. كل ذلك والمسيرة تتقدم حتى الوصول إلى بيت العروس، حيث يستقبل هذا الجمع بالترحاب، ثم تقدم الولائم، وبعدها يبدأ فاصل جديد من مراسم العرس التي تمتد لعدة أيام. تلك هي الصورة العامة للسيرة التي تلقفها المجتمع من غياهب التاريخ وحافظ على جوهرها النابض حتى زماننا هذا.

وبما أن تقاليد الزواج في السودان تستمد أبرز ملامحها من مخزون القيم القديمة، فإن العرسان في ليلة الزفاف يتمثلون مواقع الملوك، التماساً لبركة السماء وحمايتها وتوفيقها. هذه المحاكاة تظهر أولاً في طقس الجرتق، ثم تتكرر مجدداً من خلال السيرة، ومن ذلك يتضح أن هذه الممارسات ما هي إلا إعادة تطبيق لتصورات كانت تختص بالآلهة، ثم أصبحت من المراسم الملكية، ومنها تنزلت إلى واقع الحياة الاجتماعية، لتندمج في تفاصيل الأعراس، هذا التحول يظهر بوضوح أن ما خطه الأجداد لم يمحه الزمن. ليسجل التراث السوداني بذلك نموذجاً متفرداً للتواصل الثقافي الممتد الذي يربط الحاضر بالماضي، دون أثر يذكر لتدخلات خارجية تنتقص منه أو تضيف إليه.

السيرة ـــ الامتداد الجغرافي:

وظلت السيرة، حتى وقتٍ قريب، تحتفظ بنفس الطابع الذي عرفت به قديماً، حفل في الطريق العام، تحت الأجواء المفتوحة، يبدأ من دار العريس ويمتد على طول المسافة التي تفصله عن بيت أهل العروس. وتتخلل هذا المشوار وقفات صغيرة "سندات" للإستراحة، تتعالي فيها حرارة الغناء والرقص وحلقات البطان(6)، ثم يتواصل المسير، لتكون هناك وقفات أخرى في محطات أكبر، أهمها البحر (النيل أو أحد روافده)، حيث تكون الزيارة من أجل التبرك، والابتهال بالدعاء للعرسان. عقب ذلك، تستأنف السيرة رحلتها لتكون المحطة التالية ضريح أحد الشيوخ(7)، وقد يضاف إليه آخر، تبعاً لمعتقدات أهل المنطقة والقباب التي تحيط بهم، فيطوف المشاركون حول المزار، ويندهونه صاحبه، راجين أن تحل بركته على الزوجين وأن يمن ألله عليهما بالرفاه والبنين، قبل أن تنطلق السيرة في خطوتها الأخيرة نحو وجهتها المنشودة حيث تقيم العروس.

هذه هي السيرة بما فيها من محطات وسطى، حسب ما جرت عليه تقاليد غالبية سكان الوسط والشمال، غير أننا إذا انتقلنا إلى أقاليم أخرى من السودان قد نجد بعض التباين في المسارات والمزارات، مع الحفاظ على الصورة الأصلية والقيم الجوهرية للسيرة، التي تتمثل في انتقال الحشود، في صخب وبهجة، من موقع إلى آخر، مع التوقف عند محطات لها قدسية خاصة، وهذا المظهر بالتحديد هو القاسم المشترك الأكبر الذي يربط بين تقاليد السيرة عبر مختلف مناطق البلاد.

فمن بين أهالي دارفور من لهم مزارات محددة يقصدونها في جميع المناسبات السعيدة، وفي مقدمتها الأعراس، وهي أماكن محاطة بالأسرار، ويتعامل معها الناس بدرجة عالية من الإجلال والتقديس. منها موقع به صخرة تسمى "فرننق"، ومنطقة أخرى تعرف بـ"عين سِرّة"، وهي واحة وادعة تحتضن نبع مائي، وعند مدخلها تربض صخرة تسمى "حجر العروس" أو "حجر العادة"، يعتقد أهل المنطقة أنها مسكونة بالأرواح، لذلك يتعاملون معها بكثير من الرهبة والمهابة. ويتقربون إليها وفقاً لطقوس وشعائر متوارثة. أما في الأعراس فلها دور مميز، وقد نستشف رمزيتها في هذه المناسبة من الإسم الذي يطلقه عليها الأهالي (حجر العروس)، فربما كانت في نظرهم هي المعبر الروحي الذي تجتازه الفتاة لتنتقل إلى مرحلة جديدة من حياتها، ومهما كان تصورهم عنها، فإن لها مكانة أثيرة في طقوس الزواج، تجعلها القبلة الأولى التي تتجه نحوها الأنظار، علّها تطرح بركتها على العرسان، وتقيهم من الدواهي والرزايا. وهم في ذلك مثل زوار النيل وأضرحة الأولياء في المناطق الأخرى، فهذا البعد الروحي هو ما تجسده هذه الصخرة لديهم، ولذلك تظل هي المحطة الأولى والأهم في مسيرة "السيرة".

فبمجرد إتمام عقد القران الذي يبدأ بقراءة الفاتحة وينتهي بتلاوة آيات من القرآن، تنطلق "السيرة" لزيارة هذه البقعة، وهي تضم جمع غفير من الناس، يتقدمهم شيخ الحلة، وقد يصحبه إمام الجامع، إلى جانب عامة الأهالي، من رجال ونساء، كبار وصغار، يتوجه هذا الموكب على إيقاع الدلاليك وصخب الأغاني والزغاريد نحو مسكن الأرواح. وعند وصولهم يذبحون قرباناً، ومن دمه يرسم العرسان علامة الصليب على واجهة الصخرة، ثم يضع كل منهما حجراً أو غصناً أخضر على قمة الكتلة الصخرية. وبعد ذلك يتحرك الركب نحو النبع، حيث يتولى كاهن المنطقة إكمال المراسم عبر طقس يشبه التعميد، فيأخذ قليلاً من الطين ويرسم به علامات على جبين الزوجين وكتفيهما من الأمام، ثم على ركبتيهما وخصريهما، وهو يتمتم بتعاويذه الخاصة. وفي الخطوة التالية يقوم بربط حزمة من النباتات الخضراء حول الساعدين والمعصمين، والعنق(8)، في مشهد يعيد إلى الأذهان الحريرة والأسورة والعقود التقليدية المستخدمة في الجرتق. وبعد اكتمال هذه الشعائر، يعود الحشد أدراجه للانخراط في بقية مظاهر الفرح.

تلك هي سيرة من دارفور، تجسد ببساطة طقوس كافة العقائد والمعتقدات ـــ الأرضية والسماوية ـــ التي اعتنقها أهل السودان، عبر تاريخهم الطويل، بدءاً من تقديس الأرواح وتقديم القرابين، مروراً برسم الصليب، وصولاً إلى قراءة الفاتحة. هذه المراسم، الممتدة حتى القرن العشرين، تقدم تلخيصاً وافياً للتواصل الثقافي الفريد الذي استمر عبر آلاف السنين، دون أن يندثر أو يتلاشى، أو تبتلعه مفاهيم طارئة.

وفي المناطق الحضرية من دارفور ـــ حتى بداية القرن التاسع عشر ـــ كانت "السيرة" في جوهرها تأخذ نفس المنحى المتبع في الأجزاء الأخرى من السودان مع بعض التغييرات الطفيفة، وذلك ما نستلهمه بوضوح من السرد الذي قدمه ابن عمر التونسي، عن حفلات الأعراس هناك. حيث يقول: "بعد العشاء بكثير يجتمع الشبان، ويأخذون العريس ويزفونه بالغناء والرقرقة (تعني الهتاف والصياح فرحاً)، حتى يأتون به إلى المحل المعلوم (أي مكان إقامة العروس)، فيجلسون خارجه. وحينئذٍ جميع الشابات مجتمعات مع العروس، والشبان مجموعون عند العريس، وقد استوزر العريس أعز إخوانه، لأنه حينئذٍ كالسلطان، وسموه الوزير، واستوزرت العروس امرأة، وسموه ميرم"(9).

هذا عرض مبسط لـ"لسيرة" الدافورية في الفاشر، لم يسترسل التونسي في الوصف، وربما يعود ذلك إلى أنه غريب بين أهل البلاد، ينظر إليهم بعين السائح العابر لا ببصيرة المقيم الملم بالخفايا والتفاصيل. ومع ذلك، فقد حدد ملامح الرحلة التي لا تختلف عما سبق ذكره، وهي تتمثل في الانتقال ضمن كرنفال صاخب من بيت العريس إلى بيت العروس. كما قدم في هذا التوصيف المقتضب إضافة تعيدنا إلى النسخة الأصلية لهذا التقليد، وذلك حين أشار إلى أن العريس في ذلك اليوم يعتبر سلطان، وهو التصور الراسخ في الأعراس السودانية، فالعريس يتم التعامل معه بشكل جاد على أنه ملك، ولذلك جرت العادة أن يعين له وزير يرافقه، وكذلك العروس فهي تعامل كملكة، تصحبها وزيرة، وتحمل في دارفور لقب "ميرم" العريق، وهو اللقب الرفيع الذي يعني الأميرة.

ثم يواصل التونسي حديثه عن مشاهداته في تلك الحفلات، فيقول: "تخرج الشابات من النساء متزينات، والشباب من الرجال في أكمل زينة يقدرون عليها. وتصطف النساء صفوفاً صفوفاً، وكل صف من النساء يقابله صف من الشبان، وتخرج النساء معهن الطبول، فيضربن ويقلن من كلامهن، فيبرز صف من صفوف النساء يمشين هوناً، ويرقصن بأكتافهن، ويتقاصرن إلى الأرض، حتى يصلن إلى صف الرجال. فكل شابة تعمد شاباً حتى تضع وجهها في وجهه، وتهز رأسها نحوه حتى تضربه بضفائرها في وجهه ـــ وضفائرها إذ ذاك مدهونة بالطيب وأنواع ما يعرفونه من العطر ـــ فيهيج الشاب ويهز حربته على رأسها، ثم تلتفت راجعة فيتبعها إلى مكانها الأول، فيقف فيه الرجل، وترجع هي القهقرى حتى تصل إلى المحل الذي كان واقفاً فيه الرجل"(10).

هذا هو الوصف الذي قدمه التونسي للحفل، مستخدماً مفرداته الخاصة، فسمى الدلوكة طبل، ورأى في الغناء مجرد كلام، ولعل ذلك يعود إلى صعوبة استيعابه للهجة ناس دارفور، مع أنه في حالات أخرى سجل بعض أشعارهم بدقة، وإذا تجاوزنا عن ذلك، نجده قدم صورة عامة لعادات العرس، مع وصف دقيق لأساليب الرقيص، ثم أشار إلى تقليد شائع في هذه المناسبات، وهو "شيل الشبال"، لم يذكر اللفظ صراحة، ولكن أثبته  بالفعل، وربما سقط الاسم عن ذاكرته عند الكتابة. "الشبال" هذا الإسم الذي نحتته اللغة البجاوية في الشرق، انتشر حتى غطى كل المساحة ما بين البحر الأحمر وجبل مرة، فما أن تدق دلوكة في عرس، حتى تنثر الفتيات عبير شبالاتهن على الوجوه. سواء كان الحفل في كسلا أو دنقلا، في الدامر أو الدمازين، في سنجة أو الجنينة، فإن هؤلاء جميعاً تحكمهم قيم متحدة المصدر، قد تختلف لهجاتهم وسحناتهم وأساليب حياتهم، ولكن هناك رابط قديم يشدهم نحو بؤرة ثقافية واحدة، تتمركز في قلب كوش، لذلك نجد أن الصورة التي نقلت إلينا من دارفور، تتفق إلى حد كبير مع ما يجري في معظم أرجاء السودان في مثل هذه المناسبات.

وكردفان لا تختلف في هذا السياق عن بقية أنحاء السودان، إلا بمقدار ما تفرضه الشروط البيئية. وقد وصف حسن نجيلة إحدى "السيرات" هناك وصفاً حياً، متناولاً تفاصيلها المبهجة منذ البداية، إذ يقول: "أخذ ميزان الشمس يميل نحو الغروب، وجاء وقت السيرة، تجمع أصدقاء العريس على ظهور الخيل والجمال وانطلقت الزغاريد والأغاني". ثم يرسم المنظر العام وفيه نرى الفتيات يحملن المباخر، والنساء يحملن الدلاليك على أكتافهن، وكل حاملة دلوكة تتبعها أخرى تضرب عليها. ويواصل نجيلة في سرد تفاصيل هذه السيرة قائلاً: "وتحرك الموكب صوب دار العروس، بعد أن امتطى العريس جواداً مطهماً، واحاطت به الفتيات من أهله من جانبي الحصان ومن خلفه يغنين ويرقصن، وقد أخذ بعضهن بمقود الحصان. كان الفتيات يرقصن وهن سائرات على طول الطريق، وكن يحرصن على الاحاطة بالعريس وأن يمنحنه "الشبال" وهو يهز بالسوط أو السيف، ومقود الفرس تتناوبه الفتيات من خاصة أهله، والبخور في أيدي بعضهن يعبق من حوله، أسراب أخرى ترقص من كل جانب، والفتيان على ظهور الخيل، تارةً يبدون فروسيتهم بأن يطلقوا للخيل أعنتها لتعدو بهم كالجن، وتارةً يحفون به يبشرون ويتصايحون، والموكب يقترب من دار العروس، وكلما دنا منها زاد تصايح الفرسان، وعلت زغاريد النساء، وتكاثر السرب الراقص حول العريس، وانهالت الشبالات على ملابسه من كل راقصة حوله، وهن يتوثبن كالفراشات ليبلغنه بالشبال، والحصان يتهادى به بينهن، ومقوده يتنقل بين أيديهن(11).

تلك كانت رواية حسن نجيلة عن "سيرة" في بادية الكبابيش؛ حيث نجد هذا اللفظ البجاوي "الشبال" حاضراً في عمق كردفان اسماً وفعلاً. ونلاحظ هنا أن بقية التفاصيل تتطابق تماماً مع السيرة المعروفة في مناطق السودان الأخرى، ولكنها فقط لا تتضمن وقفات في محطات وسطى بين دار العريس وبيت العروس. وبالطبع، فإن حياة الظعن والترحال قد لا تتيح لبعض الجماعات الفرصة الكافية لتجسيد قيمهم الروحية في معالم ومجسمات ثابتة ترتبط ببقعة جغرافية معينة، فهم يبدلون أماكن إقامتهم مع تغير فصول السنة؛ لذلك تنطلق السيرة لديهم في خط مستقيم من خيمة العريس إلى خباء العروس. وهي في مسارها هذا، لا تخرج عما اختطه الملوك قديماً، ثم اتبعته المجتمعات بعد ذلك، على تنوعها وتباعدها، وهو ما قد يشير إلى أنهم جميعاً ظلوا ينهلون من نفس النبع، وإن تفرقت بهم السبل. فقد عاش أسلافهم من قبل تحت مظلة قيم واحدة رسمت معالم تراثهم المشترك، فظلت ملامحه باقية عبر العصور دون أن تتأثر بتدخلات خارجية أو مفاهيم وافدة.

المراجع:

1 ـــ جفري بارندر؛ المعتقدات الدينية لدى الشعوب ـــ 1993، ص 43.

2 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 25.

3 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 67.

4 ـــ الحسيني معدّي؛ الأساطير النوبية والسودانية ـــ 2012، ص 173.

5 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 270.

6 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 105.

7 ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛  الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 208.

8 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 164.

9 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 237.

10 ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 231.

11 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 147.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...