الخميس، 4 يونيو 2026

الموت

 طقس العبور الختامي، المناسبة الأولى التي يحضرها المحتفى به وهو غائبٌ عنها، إنه حفل الوداع الأخير الذي يغادرهم فيه دون أن يلوح بيده، أو يقول مع السلامة. الرحيل النهائي الذي تتجلى مهابته في "بيوت البكيات"، حيث يعايش الناس ألم فراقٍ لا عودة بعده. وعلى عكس كل مراحل الانتقال السابقة، هنا لا يوجد سوى الحزن، حيث ينقلب الفرح فجيعة، والزغاريد سكليب، وتتحول البنينة إلى مناحة، والسومار إلى مرثية. ويصبح الجو العام معتماً تسوده مظاهر الكآبة والأسى التي تجسد ملامح الفقد الممض.

عادة ما تعلن الوفاة بصيحة مجلجلة يتردد صداها في الآفاق، وتبعث في النفوس حالة من الاضطراب والوجل، تنطلق كاستدعاء مدوٍ: "ووب حي، الليلة ووب كُُر"، إخطار لفظي بمفردات لا تحمل معنى في حد ذاتها، ولكنها توصل رسالة يفهمها الجميع دون تفكير. فتلتقط الآذان نداء الموت الغامض الواضح دون مواربة. على إثرها تنطلق نساء الحي أو القرية إلى جهة الصوت، والتساؤل يسبقهن: "المات منو؟" فتأتي الإجابة الصادمة: "فلان ود ناس فلانة"، وعندها يتعالى الصراخ والنحيب. وكلما اقتربن من بيت العزاء، تشتد الولولة والعويل، ومن بين شهقات البكاء والنواح تخرج الكلمات التي تتحسر على الراحل، وتأسف لفقده المفاجئ، مع عبارات الجزع المبهمة: "كُر ووب"، و"حي ووب"، والليلة كُر يا يُمة". آهات ممتدة تخلط حرقة الألم بالاحتجاج على الموت الذي يختطف السند، ويخسف الضرا، ويخرب البيوت.

لحظات وتكتظ ساحة الدار بالمعزيات، وتفيض بالانفعالات، فيدخلن في موجة من العناق والمقالدة، ترتفع الأيادي في الفضاء وتسقط على الرؤوس، وتخرج الكلمات بصوت منتحب مبحوح: "البركة فيكم يا بت أمي"، ويتعالى النواح. وما بين الوجد والاختلاج، تهتز الأجساد بحرقة ووجع، وتدق الأقدام الأرض بإيقاع متسارع، بينما تشق الأصوات عنان السماء في زوبعة من الضجيج الملتاع.

هذا التعبير الإنفعالي عن الحزن ـــ رغم اندفاعه وصخبه ـــ يجرى وفق مراسم وتقاليد محددة تحكمها قيم متوارثة اختطها الأسلاف، وحافظت عليها الأجيال. ففي الفترات الباكرة من حضارة وادي النيل، "كانت النساء عندما يرتحل أحد الأقارب، يلطخن رؤوسهن ووجوههن بالطين، ويخرجن وقد حزمن أرديتهن حول خصورهن، وكشفن عن صدورهن، وهن يندبن، وتنضم إليهن في هذا الموكب قريبات المتوفى، نائحات ونادبات"(1). كما أن الصور التي تكشف عن ملامح الحزن في المآتم وجدت مرسومة على جداريات القبور من العهد الكوشي(2)، وهي تماثل إلى حد كبير الأساليب التي ما زالت متبعة في "بيوت البكيات"، نفس طريقة النواح والعويل الذي تقوم به النساء عندما ينتزع القدر أحد الأعزاء من أحضان أهله وذويه.

"الليلة كُر ووب" جسدتها الجداريات قبل آلاف السنين

هكذا تكون مسيرة النساء نحو بيت العزاء. وما أن يصلن إلى باحة الدار، حتى تقف المرأة حاسرة الثوب، مكشوفة الشعر، وقد أهالت التراب أو الرماد على رأسها، ولطخت وجهها بالسكن "السجم"، مع الانخراط في نوبة من النشيج(3). وهي تعانق قريبات المتوفى، ليتحول الجميع إلى كتلة من الشجن المتدفق، وسط موجة من البكاء الحار. هذه هي أولى مظاهر المأتم، وكما يقول المثل: "البكا بحررو أهله!" فهم "الواطين الجمرة"، والأكثر اكتواءً بنار الفاجعة، لذلك تجد من بينهم من يلطم على وجهه، ومن يضرب على رأسه، ومن يتدردق بالأرض. ويكون الانخراط في هذا التعبير الجسدي العنيف عن الحزن مفتوح للكل من هاله الفقد المروع.

والمشاركة في مثل هذه المصائب قيمة اجتماعية يؤكدها الأدب الشفاهي، فهناك عدة أمثال تعبر عن هذا التعاضد يقول أحدها: "أهل الميت غفروا والجيران كفروا"، وهو يضرب حين يستميت المعارف في إظهار الحزن حتى وإن تراجع أسياد الوجعة. والبكيات في السودان من أكثر المحافل احتشاداً، إذ يتداعى إليها الناس، وتتجسد فيها اللمة الأكبر، فتكتسب المواساة طابعاً جماعياً تذوب فيه الأحزان الفردية ويتشايل الناس الآلام والأعباء معاً. ومن يقصر في هذا الواجب، ينهال عليه اللوم والتقريع. وكما يقولون: "البكا لي حولو بيجيب زولو"، أي لا مفر، لا بد من أداء واجب العزاء حتى ولو بعد عام.

والتراخي في معاودة الناس تقصير يستحق العتب، وفي ذلك يقولون:" خُوّةْ اللَعُوتْ، ما تِتْلَاقَى إلّا عند الموت"، إذ إن شجيرات اللعوت لا تتجمع أفرعها وتتشابك إلّا بعد أن تجف وتذبل. لذلك يضرب هذا المثل في ذم من لا يزور الناس إلا عندما تحل بهم كارثة، بينما لا يطل عليهم أو يتفقدهم في الظروف العادية، ويعيبون عليه هذا الجفاء. فإذا كانوا يعتبون على من تخلف عن زيارتهم حين كانت أمورهم تسير على ما يرام، فكيف يكون الحال عند الفجيعة؟ لا بد أن لومهم سيكون مضاعفاً، وقد يصل حد القطيعة. لذلك تشهد البكيات في السودان حضور كثيف، وبالذات في الفترات الأولى للوفاة، وهي أيام الحاجة، ووقت الحارة، التي تتطلب وقفة واسعة، وهذا ما جرت عليه العادة، حيث يمد الجميع أيديهم بالمساندة، ويتكاتف الناس تلقائياً دون دعوة أو توجيه.

بعد أن تمر لحظات الحزن العاصف، يبدأ أهل الميت في ترتيب أحوالهم لاستقبال وفود التعزية، فيتحول المنزل إلى ما يعرف ببيت "الفراش" أو "البِكَا"، فيقصده الناس تحت هذا العنوان. وتحدث به بعض التغييرات، حيث تزال مظاهر الرفاهية والبذخ، ويتخذ طابعاً عاماً يتسم بالتواضع والتقشف، فتكون البروش هي المفروشات الوحيدة، وعلى هذه "العتانيب" يكون الجلوس والنوم، دون أي وسائل إضافية للراحة. وتمتد هذه الفترة عادة ما بين ثلاثة وسبعة أيام، يتعطل فيها الأهل والأصدقاء عن العمل، ويستمر فيها ذبح البهائم لإكرام المعزين، والتي يأتي معظمها كهبات تضامنية من قبل الأقارب والمعارف، ولكن في اليوم الأخير، تقوم أسرة الراحل بتقديم ذبيحتها الخاصة، ومنها تقدم "ولائم الرحمتات" تصدقاً على روح المرحوم(4)، يأكل فيها الغاشي والماشي  دون حساب، وكأنها "موائد الشمس" في مروي القديمة. ثم يرفع الفراش.

بعد ذلك تستمر حالة الحزن المعلن أربعين يوماً، يتواصل فيها تقاطر الحضور أفراد وجماعات، يأتي خلالها كل معذورٍ، ومن لم يبلغه الخبر، ومن كانت أمامه سكة سفر. يقدم الرجال تعازيهم برفع الفاتحة، وتلاوة بعض الأدعية، وترديد جمل محفوظة من نوع: إن شاء الله البركة فيكم، وجبر الله كسركم، وما إليها من كلمات المواساة. أما النساء ـــ حارسات قيم الأسلاف ـــ فكدأبهن ما يزلن يحتفظن بالقوالب القديمة للتعزية، التي تتم بوضع اليد على الرأس، مع البكاء وترديد كلمات المشاطرة التي يبدو من ألفاظها أنها مستمدة من الإرث القديم، مثل: "حي ووب" و"كُر ووب" و"كُر علينا" و"الليلة كُر يا يُمة"، وغيرها. و"كُر" هذا ليس لفظاً عابراً، ولكن ندعه الآن لنلتقي به لاحقاً. أما العزاء فيستمر هكذا. وفي اليوم الأخير تتوجه النساء لزيارة القبر والقيام ببعض الترتيبات الضرورية، تعقبها صدقة، وبعدها تتراجع مظاهر الأسى عن بيت البكاء، ولكن قريبات المتوفى يواصلن حالة الحداد لمدة عام كامل، يتجنبن فيه الزينة السافرة، والروائح العطرة، والملابس الملونة الناعمة، كما يمتنعن عن حضور الأفراح. وبذلك تكتمل حلقة التعبير عن لوعة الفراق، ويتم استيفاء أهم شروط الوداع الأخير.

جدارية تاريخية تكشف عن أسلوب تبادل التعازي بين النساء بوضع اليد على الرأس

من هذه الصورة الأثرية يتضح أن الأساليب المتبعة في "بيوت البكيات" اليوم، ما هي إلا تقليد لما كان يحدث في الماضي البعيد. فالطريقة التي كانت تعزي بها الحبوبات بعضهن البعض، بوضع اليد على الرأس، سارت عليها الحفيدات جيلاً بعد جيل حتى الوقت الحاضر. وبالطبع الرجال أيضاً كان لهم أسلوبهم الخاص، الذي يختلف نوعاً ما عما هو متبع اليوم، ولكن استجابتهم للتحولات الدينية كانت أكبر، وربما كان ذلك دافعهم للتخلي التدريجي من عادة وضع اليد على الرأس والميل نحو رفع الفاتحة.

المراجع:

1 ـــ تاريخ هيرودوت؛ ترجمة: عبد الإله الملاح؛ أبو ظبي ـــ 2001، ص 170.

2 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 71.

3 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 69.

4 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 179.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...