الاثنين، 6 يوليو 2026

أولياء الزمن الإسلامي

 تُعد ظاهرة تقديس الرموز الدينية إحدى سمات الثقافة السودانية، إذ يمكن تتبع جذورها منذ أقدم العصور، وإلى فترات ما قبل دخول الإسلام، هذا الامتداد التاريخي الطويل ساد فيه اعتقاد عام بوجود أفراد يمتلكون قدرات خاصة تؤهلهم للقيام بدور الوسيط بين الإنسان والقوى الغيبية. ومع انتشار الإسلام، لم تحدث قطيعة كاملة مع هذا التصور، بل أُعيد إنتاج نسخ جديدة منه، أفسحت المجال لصعود شيوخ الطرق الصوفية ليؤدوا وظيفة الوساطة الروحية ذاتها التي اضطلع بها الكهنة والقيادات الدينية في العهود السابقة. وقد أشار يوسف فضل إلى هذا الدور بقوله: "إن في مقدور الشيخ، لما يتمتع به من بركة، أن يساعد المريد في دنياه وآخرته، فهو نعم الوسيط بين العبد وربه"(1). وتعكس هذه الرؤية استمرارية وجود حلقة وسطى بين الأرض والسماء في بنية التدين المحلي. إذ لا تزال العقيدة تحمل في ثناياها الإيمان بالله، ثم بمن ينوب عنه على الأرض. هذا الاعتقاد المزدوج، عبر عنه الكاتب نفسه بقوله: "انتقلت التعاليم الصوفية بكل ما فيها من شعوذة وعادات وثنية فامتصتها الطرق الصوفية المحلية دون تمحيص"(2). هذه الإشارة تتضمن تلخيص لطبيعة النسخة السودانية من الإسلام، بوصفها محملة بقيم الماضي، أو مطعمة بالموروث المحلي. أما ما يعنيه بالعادات الوثنية فهو قطعاً لا يتحدث عن عبادة الأصنام، وإنما يشير إلى تأليه الأفراد.

وقد تناول المفارقة بين الدين الرسمي والتدين الشعبي بقوله: "إن الطرق الصوفية قد امتصت هذه العادات دون تمحيص"، وفي ذلك إشارة خفية إلى أن الإسلام قد دخل إلى السودان بصورة نقية، أو في طبعته النموذجية، ولكن الأفراد الذين اضطلعوا بمهام الدعوة قد قصروا في نشر تعاليمه كما ينبغي، ففي غفلة منهم حدث مزج بين الدين والمفاهيم السائدة في المجتمع، وقد انعكس ذلك في التشوهات التي تخللت نمط التدين الصوفي. والحقيقة عكس ذلك، إذ إن هذه العقيدة لم تأتِ كرسالة واحدة، بل تسربت عبر الحدود مجزأة، وفي فترة زمنية ممتدة، ومن مصادر متعددة، ودروب مختلفة، ودخلت في عملية تفاعل طويلة الأمد مع الموروثات القديمة، جرت خلالها سلسلة من المواءمات، أدت في النهاية إلى استيعاب الدين الجديد ضمن منظومة القيم المحلية، في نسيج واحد يشكل صورة التدين الشعبي.

ولعل هذا ما ألمح إليه عون الشريف بقوله: "إن المسلم السوداني قد هضم في إسلامه كل موروث الماضي، وكل الحضارات التي تعاقبت على أرض السودان وكونته هو شخصياً"(3). وهو أيضاً ما أشار إليه يوسف فضل حين ربط التدين السوداني بالعادات الأفريقية، قائلاً: "ويبدو لي أنهم سعوا إلى بث مبادئ الدين بالتلقين وباستعمال الترانيم والمدائح، والطبول في الأذكار الصوفية، فأعطوها طابعاً أفريقياً خاصاً"(4). ولا أعتقد أن الطابع الذي أشار إليه كان نتاجاً لاستلهام شيوخ الطرق الصوفية للتراث السوداني من أجل نشر دعواهم، بمعنى أنهم انتقوا بعض العناصر من الثقافة المحلية ودمجوها في مشروعهم الديني، سعياً للتوفيق بين تعاليم الدين وميول الناس ورغباتهم. فالأمر لم يكن كذلك، إنما الفكرة الدينية في الأساس تبلورت في هذه البيئة المحلية، فانطبعت ملامحها بالصور التراثية المتعارف عليها، وهذا ما جعل الترانيم والطبول جزءاً من طقوسها التعبدية، لأن الظاهرة في مجملها وليدة المزاج العام للمجتمع، ولذلك وجدت الطرق الصوفية استجابة واسعة، ودون ذلك ما كان لها أن تجد أرضية تقف عليها، ولا مرتكز تنطلق منه، ولا مساحة تنتشر فيها، ولظلّت فكرة معزولة مصيرها الذبول. ولكن ما دعمها، وشد من أزرها هو هذا التمازج بين المحلي والوافد، ومنه تولدت الثنائية التعبدية لله ولوليه الصالح، ولذلك ظل الشيوخ في نظر المجتمع يحتلون موقعاً أعلى من البشر.

أسهم هؤلاء الشيوخ في نشر الدين الإسلامي، على رغم من أن عدداً كبيراً منهم كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب، وقد اكتسب رصيده من المعارف الدينية عن طريق التلقين، مع حفظه للأوراد الخاصة بالطريقة. ولكن مع ذلك، ورغم ضآلة محصولهم الفقهي، فقد اكتسبوا الكثير من الأتباع، إذ تعددت أسباب الالتفاف حولهم، فثمة من اجتذبته قصص الكرامات وخوارق العادات، ومنهم من جاءت به احتياجات ذاتية، سواء لملء فراغ روحي أو تسكين قلق نفسي، وبعضهم استهوته حيوية الطرق الصوفية وأساليبها المتفردة في أداء الطقوس الدينية عبر "النوبة" وحلقات الذكر، ومن بينهم من أتت به الضرورة فارتمى في أحضان "المسيد" الذي يوفر المأوى والملاذ ومقومات الحياة. هذه العناصر لا يمكن إغفال أثرها، ولكنها ليست الدوافع الوحيدة التي تقف وراء انتشار هذا النهج الديني، فهناك عوامل أخرى، لعل من أبرزها، النظام التربوي والتعليمي الذي كان متبعاً في المجتمع آنذاك. وفي هذا الجانب برز دور شيوخ الطرق الصوفية، الذين خرجوا عن دائرة الأمية، واكتسبوا القدرة على "فك الخط"، وإلى هؤلاء أوكلت مهمة إنشاء الخلاوي لتدريس الدين وتعليم مبادئ القراءة  والكتابة.

وكلمة "خلوة" في حد ذاتها تحمل مدلولاً رمزياً عميقاً، فهي تشير إلى الاختلاء، حيث يعيش الشيخ الصوفي لحظات التأمل في ملكوت الله ويتلقى المدد الروحي(5). وهذا المكان نفسه تحول إلى فصل دراسي، يستقبل التلاميذ الراغبين في تحصيل بعض المعارف الأولية في اللغة والدين. ووفقاً لطبيعته المركبة ـــ مدرسة للتعليم وخلوة للعبادة ـــ فإنه لا يحثهم على حفظ القرآن فحسب، أو إجادة القراءة والكتابة، وإنما يحملهم أيضاً على التدريب للانخراط في مسالك الطرق الصوفية، فالصغار بعقولهم الغضة، يسهل تشكيل بنيتهم الفكرية، وعندما يتعايشون مع الأجواء الروحية والنفسية للخلوة، يشتد انتماؤهم إليها، فيصبحون بالفطرة "حيراناً" لشيخهم، ومن معتنقي طريقته، وناشري دعوته، أي إنهم في المحصلة يشكلون الرصيد المستقبلي للطرق الصوفية. وبالتالي قدمت الخلاوي مساهمة قيمة لهذه النهج الديني، ودفعت به لأن يتوسع ويزدهر، مما يعني أن تمدد هذه الطرق، لم يكن نتاجاً لقناعات الناس بالقدرات الخارقة للشيوخ فحسب، أو لتمكنهم من إعالة المحتاجين، وتوفير ملاذ آمن للهاربين من القصاص أو من ملاحقة السلطات الرسمية، وإنما لأنها تمكنت من ترسيخ أيديولوجيتها الخاصة التي تتناغم مع المفاهيم الموروثة.

لقد شكلت الخلاوي الرافد الفكري للطرح الصوفي، وصار للدفعات التي تخرّج سنوياً من الشباب الذين نالوا قسطاً من التعليم ـــ في مجتمع أمي ـــ أثر كبير في واقع الحياة اليومي، ابتداء من كتابة وقراءة الخطابات للأسر في البيوت، إلى التوظيف في دواوين الحكومة، وما يوفره ذلك من وضع مادي مريح، يعزز من مكانتهم بين الناس. هذه المكتسبات لم ينظر إليها خريجو الخلاوي بوصفها نتيجة لحصولهم على درجة من التعليم، وإنما أرجعوها لانتمائهم الصوفي، فصاروا أكثر وفاءً لشيوخهم، يرفعون من شأنهم، ويروجون لكراماتهم وقدراتهم الروحية، وقد أسهم هؤلاء بدرجة كبيرة في انتشار الطرق الصوفية من ناحية، ودعم مواقع قادتها كوسطاء بين الناس وربهم من ناحية أخرى.

وبذلك وظفت الخلاوي لخدمة القيم الموروثة، فبدلاً من أن يؤدي التعليم إلى إضعاف التصورات السابقة عن مكانة رجل الدين ودوره في الحياة والمجتمع، نجده قد وطدها أكثر، وزاد من رسوخها ومد في عمرها. فاستمرت هذه الظاهرة إلى وقت قريب. فعندما سيطر الأتراك على حكم البلاد، حاولوا فرض نوع جديد من التعليم النظامي(6)، ولكن مخططاتهم في هذا المجال كانت فطيرة، فباءت مجهوداتهم بالفشل. ولم يصبح للتعليم دور بارز في تغيير المفاهيم الاجتماعية، إلّا بعد مجيء الإنجليز، وفي عهدهم أُنشئت مدارس حديثة تهدف إلى تغيير بنية الوعي، وقد انعكس ذلك في إثارة الجدل حول بعض القضايا الانتقائية، فنسبةً لحساسية موقفهم كثقافة وافدة، تجنبوا المساس بالمكونات العقائدية، واكتفوا بالتعامل معها بصورة وصفية بعيداً عن النقد والتحليل، مع تصويب سهامهم نحو بعض السلوكيات الاجتماعية. وهذا ما سار عليه أوائل الخريجين الذين تلقوا تعليمهم وفقاً للمناهج الغربية، إذ بدأت طلائعهم في مناقشة بعض العادات والتقاليد السائدة، مع عدم الخوض المباشر في القضايا الدينية، فظل شيوخ الصوفية في مواقعهم القديمة، يمارسون الوساطة بين الأرض والسماء. واستمر هذا الحال إلى ما بعد خروج الإنجليز، ونيل السودان استقلاله، وحينها مثلما في السابق، تصدر المشهد زعماء الطوائف الدينية، كقوة فاعلة، بينما جاء الخريجون من خلفهم كقوة داعمة. وهكذا ظلت الهيمنة للمقدس إلى وقتٍ قريب، وظل الشيوخ في مرتبة أعلى من البشر.

تدل الكثير من الرويات المتداولة في التراث الشفاهي على أن العديد من الناس، وفي أزمنة مختلفة، ظلوا على اعتقادهم بأن للأولياء قدرات إلهية. فكتاب "الطبقات" الذي جمع فيه "ود ضيف الله" حكاياته عن هؤلاء الشيوخ من الروايات المتداولة في المجتمع، يحتوي على الكثير من المعجزات التي لا تتأتى إلا للآلهة، ودون محاكمة هذه الحكايات بمعايير المنطق، إذ إن الحديث هنا يدور حول القناعات الشخصية وفي ظرف تاريخي محدد. وفيه نجد أن الناس كان لديهم في ذلك الوقت إيمان لا يتزحزح، وعقيدة راسخة بأن أولياءهم يمتلكون من القوة والقدرة ما يجعل مشيئتهم نافذة؛ بحيث يقولون للشيء "كن فيكون". والأمر لا يقتصر على الطيران في الهواء أو السير على الماء، فهذه مجرد استعراضات، فيها متسع للتأليف والخيال، ولكن هناك أشياء تفوق ذلك، وتنطوي على ما يشبه التحدي لإله السماوات والأرض.

بعض الناس يدفعهم اعتقادهم في هؤلاء الشيوخ إلى حد الشطط، فينسبون إليهم ما يجعلهم أنداداً لله، بل أحياناً يتفوقون عليه، بما يحد من إرادته ويكبح قدرته. ومن ذلك ما يروى عن الشيخ حسن ود حسونة أنه أعاد لعدد من الأموات أرواحهم بعد أن غادرت أجسادهم بفترةٍ من الزمن(7)، ومن فرط قدرته على رد الحياة للجثث الهامدة، أصبح الأمر بالنسبة إليه مجرد هواية، ففي إحدى المرات، بينما كان سائراً في الطريق، قابله رجل وقد اصطاد عدداً من الطيور، فأخذها منه ومنحها عمراً جديدا، فرفرفت بأجنحتها وطارت إلى أعشاشها(8). أما الشيخ خوجلي أرزق توتي، فقد دخل ـــ بحسب الرواية ـــ في صراع مرير مع ملك الموت، حتى انتصر عليه ومنعه من تنفيذ أمر الله بانتزاع روح إحدى النساء(9). ولم يعد أمام هذا الملاك بعد أن دُحر، إلّا أن يعود إلى ربه ليخبره بأنه خسر المعركة، وأن المرأة التي كان من المفترض أن تكون في عداد الأموات ما زالت على قيد الحياة، حتى يتم تغيير أجلها المحتوم في اللوح المحفوظ، ويكتب لها عمر جديد. هكذا بمنتهى البساطة تتم الأشياء في معتقدات المريدين والأتباع. وعندما يؤلف البعض هذه القصص لا يفعلون ذلك للتسلية، وإنما هو تعبير عن قناعة حقيقية بأن من بين البشر من يملك قدرات إلهية لا تحدها حدود. أما الشيوخ أنفسهم، ففي الغالب لا علم لهم بما كان ينسج حولهم، إذ هي تهيؤات تحيكها المعتقدات الشعبية.

وإذا تجاوزنا كتاب الطبقات الذي جمعت مادته في القرن الثامن عشر، وما ورد فيه من معجزات، فإن هذه التصورات ظلت متداولة بين الناس حتى وقتنا الحاضر، مما يشير إلى استمرارية القيم المتوارثة التي كان يشكل فيها الوسيط البشري حلقة وصل بين الناس وخالقهم، وذلك ما يظهر بوضوح في نديهة الأولياء التي تأخذ طابع السلوك التلقائي عند الأزمات والمحن، انطلاقاً من مفهوم سائد بأن نديهة الشيوخ في وقت الضيق مفعولها أسرع في رفع البلاء وكشف الغمة بما يتجاوز النداء الموجه إلى الله مباشرة. لذلك من المألوف في حالات العسر أن يلجأ الملهوف والمضطر إلى الأولياء من أجل تفريج كربته، وقد اعتاد الناس ذلك حتى أصبح أحدهم ينشد شيخه وهو يطوف ببيت الله الحرام، فهناك الكثير من الحكايات التي تروى عن نساء كن يندهن الأولياء والصالحين ـــ بحسب اعتقادهن ـــ وهنّ متعلقات بأستار الكعبة. ومثل ذلك ما ظلت تقوم به بعض جماعات الطرق الصوفية، فهؤلاء، وبينما يؤدون مناسك الحج، تنطلق نداءاتهم التي تطلب الغوث والمدد من مشايخهم، رغم أنهم في بيت الله.

وفي الأدب الشعبي هناك العديد من النماذج التي تدل على أن الشيوخ كانوا ملجأ المستغيث، فالمادح حاج الماحي في أشهر قصائده نجده يستنجد بعشرات الأولياء، ويحثهم على الوقوف صفاً واحداً في وجه التهديدات التي شكلها "التمساح" الذي حجّر عليهم البحر. ففي مطلع القصيدة يناشد الله أن ينعم على البلاد بالمطر، أما في مواجهة الخطر فلم يجد سوى شيوخه. فهم أهل الفزعة وملاذ الخائف والمقهور. وبناءً على هذه القناعات نجد أسماء الشيوخ مكتوبة على العربات كتعويذة للحماية من عوارض الطريق. وهناك الكثير من الشواهد الأخرى التي تظهر أن لدى البعض إيمان عميق بمقدرات الأولياء على حماية الناس وتذليل مصاعب حياتهم.

وذلك ما عبر عنه أحد المواطنين ببساطة؛ ففي دراسة آثارية عن القباب أجريت في عام 1993، اعتمد الباحث على الحوار المباشر كمحور في تنفيذ مهمته، وضمن هذا العمل وجه سؤالاً لرجل كبير في السن من "البجة" يقوم بحراسة قبة في منطقة "محمد قول"، سأله عما إذا كان يحبذ زيارة الأولياء. فجاء رده نصاً: "اليوم ده ربنا ما يحمينا، الأولياء بتاعنا يحمينا من أي مصيبة(10). هكذا قال: إن الله لا يحميهم، وإنما الأولياء هم من يقومون بواجب حمايتهم من المصائب. وهذه الإجابة دفعت صاحب الدراسة إلى التعليق في الهامش قائلاً: "لم يستطع الراوي أن يعبر عن أفكاره باللغة العربية بصورة سليمة، مما أعطى انطباع بأنه يجدف"(11). ولكن في الحقيقة، لم يكن الرجل يجدف، وإنما كان يعبر عن قناعاته التى يؤمن بها؛ فمهما كانت الصفات التي يمكن أن نسم بها حديثه، فهو في قرارة نفسه يعتقد أن الولي أقرب إليه من الله، وقد عبر عن ذلك بعفوية تدل على أن هذا الأمر بالنسبة إليه لم يكن موضع تساؤل.

هذه القناعة لها تاريخ طويل ممتد في عمق الزمن. في كل عهد كان لها رموز عبارة عن وسطاء، يحتلون موقعاً بين الأرض والسماء، وأخيراً أصبح مكانهم هذا يشغله الأولياء، وعليهم أن يؤدوا نفس دور الذي كان موكلاً للملوك في الزمن القديم، وهو أن يوفروا الحماية للناس، ويصدوا عنهم قدر الله الذي ينزل عليهم في صورة كوارث وأوبئة، فهم "الآلهة المحلية" التي تعيش بينهم، ورغم أنهم من البشر، فإنهم ليسوا مثلهم، إذ يمتلكون القدرة على مواجهة آلهة السماء التي لا يأتي من قبلها إلّا المتاعب وعسرات الحياة، وهذا ما عبر عنه الرجل بلغته البسيطة.

وكل ذلك قد يجعلنا نرى في الولي بعض ملامح الملك الذي روج له الكهنوت القديم وسوّقه للناس بصفته صاحب "كرامات وخوارق عادات" تمكنه من استجلاب بركات السماء ومعالجة أزمات البشر بحكم قربه من الإله. فهو في وجوده، يعتبر الوسيط الحي بين الإنسان وربه،؛ يتوجه إليه أصحاب الحاجات بتوسلاتهم ليفك لهم عقدهم ويسهل عليهم أمورهم، وبعد رحيله يشيدون له مدفن صروحي (هرم ـــ قبة) ليواصل دور الوسيط بعد مماته، فيأتي الناس إلى مقامه للتبرك به ومواصلة ابتهالاتهم عله يسهم في حل مشاكلهم وإقالة عثراتهم، أو يحمل طلباتهم عنهم ويرفعها إلى الإله في السماء حتى تحظى بالقبول وتجد الحل المناسب، في ظل شفاعته وقربه من الله.

وهذا التقديس الذي كان يحظى به الملك قديماً انتقل إلى الأساقفة والقساوسة في ممالك السودان المسيحية. وعندما جاء الإسلام الذي لا يميز بين الناس بحكم الوظيفة أو السلطة، استعاد الناس صورة الوسيط في شخص الولي، الرجل الصالح الذي يتقرب إلى الله بفضائل الأعمال، فيمنحه قدرات خارقة تحقق للناس مقاصدهم؛ فيتوجهون إليه حياً بطلباتهم المستحيلة، وإذا ما اختطفه الموت شيدوا له قبة أو سيجوا له ضريحاً، ليظل مصدراً لليمن والبركات التي تتنزل عليهم بجاهه، ويتوسلون به لتذليل المصاعب، ومساعدتهم في تجاوز النكبات، وصرف البلاء. ومن هذا قد يبدو أن الولي هو أحد مظاهر استمرار المعتقدات القديمة في حلة جديدة، تتواءم مع الدين الذي اعتنقه أهل السودان في عهدهم الأخير.

أما في جبال النوبة فقد ظل النموذج القديم مسيطراً حتى النصف الثاني من القرن العشرين، وفيه نجد رأس القبيلة أو الملك ولقبه "شيرا" يتمتع بقدرات روحية تمكنه من الهيمنة على السلطة الدينية والدنيوية(12)، ويقف الكجور بجواره يعاونه في تصريف شؤون الحياة، وهو يحتل موقع كبير الكهنة في الحضارات القديمة، ولا يصبح مؤهلاً للقيام بمهامه ألا بعد أداء عدد من الأسبار(13)، نفس التأهيل الذي يخضع له الكهنة في المعبد قديماً، ولكن بأساليب مختلفة. وعلى العموم، يبدو النهج المتبع في الجبال، ظل قائماً على نفس القواعد التي أرستها المعتقدات القديمة، هكذا ظل الملك في حد ذاته إلهاً، والكاهن أو "الكجور" له قدراته الخاصة التي تمكنه من التعامل مع القوى الخفية. مما يدل على أن جبال النوبة حافظت على الإرث القديم دون تغيير كبير، حيث يتربع الملك على قمة السلطة بمقدراته الروحية، وإلى جواره الكجور أو كبير الكهنة، يقوم بالتصدي للمشاكل المباشرة التي تواجه الناس، ييسر لهم الأمور، ويذلل الصعاب، ويزيل العقبات، ويدرأ عنهم الكوارث والآفات. من الواضح أن هناك تشابه كبير في المواصفات، وأيضاً الوظائف التي كان يعزوها عامة الناس إلى رجال الدين عبر التاريخ، منذ زمن الكهنة مروراً بفترة الأساقفة والقساوسة، وصولاً إلى زمان الشيوخ والفقرا، وبموازاتهم الكجور. فقد ظل الملك في كل الأحوال ثابتاً في موقعه، بينما تتبدل حوله طبقة رجال الدين، دون أن تتغير وظائفهم، إذ كانوا جميعاً في نظر المجتمع يقومون بمهام الوسطاء بين الآلهة والبشر، وهكذا ظل المعتقد القديم حاضراً في كل الحقب، وظل الناس يستعينون بهم في تذليل أمور حياتهم، وذلك بمناداتهم عند الشدة والضيق، بالألفاظ التي تعرف اصطلاحاً بالنديهة.

المراجع:

1 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 146.

2 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 144.  

3 ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 24.

4 ـــ يوسف فضل؛ مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، الطبعة الرابعة ـــ 2003، ص 146.

5 ـــ خالد الكد؛ الأفندية ومفاهيم القومية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 2011، ص 60.

6 ـــ خالد الكد؛ الأفندية ومفاهيم القومية في السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 2011، ص 61.

7 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 143.

8 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 144.

9 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 198.

10 ـــ صلاح عمر الصادق؛ قباب شرق السودان ـــ 2006، ص 125.  

11 ـــ صلاح عمر الصادق؛ قباب شرق السودان ـــ 2006، ص 125 ه 1.

12 ـــ عيسى محمد حسب الله؛ تاريخ جبال النوبة؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 22.  

13 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 159.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...