لقد بدأ الإسلام يتسرب إلى المجتمعات السودانية منذ وقت باكر، ولم يكن هذا التوجه يشكل ظاهرة لافتة للنظر، حيث لم يكن هناك من يعبأ بالنزعات العقائدية للأفراد. فالتحول في الرؤى الدينية والمفاهيم الروحية لم يكن مثار جدل، وإنما كان يجري في فضاء واسع من التصالح والتسامح والمواءمة، كل يؤمن بما يشاء دون فرض أو إكراه، فالقناعات تبنى عبر الخيار والتقبل، وللحريات الشخصية أولوية القرار الذي لا يخرج عن مساقات القيم المتوارثة وموجهاتها التي تؤطر السلوك العام، دون أن تعمل في الوقت نفسه على تنميط الأفكار وتحديد الميول الروحية. لذلك اتسمت الحياة العامة بمسيرة حافلة من التعايش بين القادم والمقيم دون شد وجذب، مهما كانت درجة الاختلاف. وقد لاحظنا من قبل عندما تبنّى الناس المسيحية احتفظوا بكثير من قناعاتهم السابقة، فقد ظلوا يتعاملون مع الملك بصفته إلهاً ـــ أو على الأقل كائناً مقدساً ـــ على الرغم من إيمانهم المعلن بالمسيح، واتباعهم للإنجيل، وتعبدهم في الكنيسة. وكأنهم بذلك يعبرون عن طبيعتهم الخاصة التي تنفتح على المستقبل دون أن تلغي الماضي، لأن فيه مستودع قيمهم وتقاليدهم التي فطروا عليها.
لم تتبنَّ المجتمعات السودانية
الإسلام بشكل فجائي أو نتيجة ظرف طارئ، وإنما انتقلت إليه عبر مراحل متدرجة وفي
فترة زمنية طويلة، بدأت ملامحها الأولى في الظهور منذ وقت بعيد، يسبق بكثير
الأطروحات التي تربط دخوله بنهاية الممالك المسيحية، فقد أشار الجغرافي والرحالة
ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي إلى أنه قد وجد من بين المجموعات السكانية التي
إلتقى بها فئات تدين بالأسلام، وكانوا يتلقون نفس المعاملة ـــ مثل الآخرين ـــ من
قبل الملك. ومن خلال هذه الشهادة يتضح أن الإسلام قد تسلل إلى السودان منذ فترة
زمنية يصعب تحديدها، فهي على كل حال تعود إلى ما قبل تاريخ هذه الزيارة. وهذا يدحض
القول بأن هذا الدين كان محجوزاً عند الحدود ـــ كما يدعي البعض ـــ في انتظار
انهيار المملكة حتى يأذن له بالدخول، فأمر انتقاله لم يكن مرهوناً بالظروف
السياسية، وإنما كانت تحركه عوامل وشروط أخرى ترتبط بمصالح الناس، لذلك وجد طريقه
نحو بعض مجتمعات "علوة"، والدولة المسيحية تتمتع بدرجة عالية من القوة
والتماسك، وفي ذلك الوقت كان لمعتنقي هذه الديانة الجديدة وجود مميز في نسيجها
الاجتماعي.
وتكشف لنا رواية هذا الرحالة أن
هؤلاء الناس كانوا يعيشون في كنف الدولة مثل غيرهم من المواطنين، سواء أكانوا
مسيحيين أم أصحاب ديانات محلية، فلم يكن هناك من ينظر إليهم باعتبارهم قد فارقوا
الملة أو خرجوا عن الجماعة، وكانت الدولة تعاملهم كرعايا مثل الآخرين، حتى إن
الملك كان يتابع شأنهم بنفسه، فهو الذي يعين من يتولى زمام أمرهم، باعتبارهم من
بين رعاياه، فمثل الآخرين، كان يكلف من بينهم من يراه قادراً على تحمل مسؤوليتهم
ومعالجة قضاياهم. فشيخ الجماعة التي تدين بالإسلام أو زعيمها كان يختاره الملك المسيحي(1)، دون أن تدفعه عاطفته
الدينية إلى أن يولي عليهم من يوافقه عقائدياً، وفي ذلك مؤشر على أن التوجهات التي
تنطوي على انغلاق طائفي لم تكن تشغل حيزاً في المجتمع، بحيث تفرض السلطة الرسمية
ـــ أو حتى الأغلبية العددية ـــ قناعاتها على الآخرين، فالجميع كانوا تحت حكم
مرجعية قيمية واحدة تعود إلى ميراثهم القديم.
ولم يكن هؤلاء
هم الممثل الوحيد لحملة العقيدة الإسلامية بالسودان في تلك الفترة الباكرة،
فالمشاهدات تكشف عن أن الاتصال بالعالم الخارجي لم يكن معطلاً في ذلك الحين،
انتظاراً لأحداثٍ سياسية تزلزل كيان الدولة وتزيل أنظمة الحكم وتغير هويتها
الدينية ـــ وفقاً لبعض الادعاءات ـــ بل إن الحركة كانت منسابة. ففي نفس القرن،
زار البلاد شخص آخر وهو ابن سليم الأسواني، وقدم وصفاً للظروف التي كان يعيش فيها
القادمون من أقطار العرب، فقد أوضح أن الجهات المسؤولة كانت توفر لهم أماكن
للإقامة في "سوبا"، فمن بين مساكن أهلها، كان لهم "رباط" خاص(2)،
يقضون فيه فترة تواجدهم بالمدينة. وهي أماكن معدة لاستقبال التجار الذين تأتي بهم
القوافل من الأقطار المجاورة، ولذلك سمي موقع سكنهم رباطاً لأن إقامتهم محدودة،
فهم بحكم تحركهم الدائم طلباً للأسواق، لا يلبثون في مكان واحد لوقت طويل، وإنما
يمكثون للمدة التي تكفي للانتهاء من أعمالهم ثم يغادرون. وفي خلال هذه الفترات،
كانوا يعيشون بين الناس، ويتبادلون معهم المصالح، يؤثرون فيهم ويتأثرون بهم. وهذا
التعامل الذي ينطوي على المنفعة، يدل على أن السودانيين قد تعرفوا على الإسلام
والمسلمين ـــ بصورة دائمة أو مؤقتة ـــ منذ زمنٍ بعيد، يعود إلى ما قبل القرن
العاشر الميلادي، وفي ذلك الحين كانت المسيحية عقيدة غالبية أهل البلاد.
وربما كان هذا
هو الأساس الذي أدى لتوسع دائرة الحضور الإسلامي في القرن الأخير من عمر مملكة
"علوة"، ففي تلك الفترة أصبحت بصمات المسلمين تتضح شيئاً فشيئاً على
صفحة المجتمع، وبدأ يظهر من بين أهل البلاد من يتبنون الدعوة إلى الإسلام، ولعل
"علي أبو دقن" كان من روادهم الأوائل. فقد ذُكر أن هذا الشيخ قد اختار
"سوبا" مستقراً له، وكان معروفاً بين أهل زمانه بالصلاح(3)، وربما كان له حيران وأتباع ينشط بينهم حتى وافته المنية قبل
قيام دولة الفونج. وهناك آخرون
عملوا في المجال نفسه، منهم الشيخ الضرير ود
عون الله الذي أسس خلوة لتدريس القرآن، وبالإضافة إلى ذلك، كان يعمل قاضياً يفصل
بين الناس من مختلف الأديان(4).
فكانت المنازعات التي تنشأ في الأسواق يؤتى بها
إليه بغض النظر عن انتماءات أطراف الخصومة، فربما كانوا من أديانٍ مختلفة، ليس
بينهم من رابط سوى المصالح التجارية التي تجمع بين المسيحي والمسلم وصاحب المعتقد
الخاص، وعندما يتشاكسون، فإنهم يقفون أمام القضاء سواسية، وما يفصل بينهم هو العرف
المتفق عليه من الجميع، وكان الشيخ الضرير هو المسؤول عن تنفيذ إجراءاته دون أن
يعتد بدين أحد ولا حتى الملك، ناهيك عن أن يطبق قناعاته الشخصية.
أما الشيوخ الذين اضطلعوا بمهام
تدريس القرآن في تلك الدولة المسيحية، فقد كان من بينهم اللقير ود عون الله، وهو
أخو القاضي الضرير، فقد كان لديه خلوة وتلاميذ. وقد سبقه في هذا المضمار كل من
الشيخ البنداري وكانت له خلوة في "الحلفايا"، وزامله في نفس الفترة
الشيخ حمد ود زروق وكانت خلوته بـ"الصبابي"(5). كل هؤلاء
الشيوخ عاشوا وماتوا في ظل دولة علوة المسيحية، وقد سبق هؤلاء ـــ وربما عاصر
بعضهم ـــ الشيخ غلام الله ولد عايد، الذي يقال إنه قد حل بالسودان في منتصف القرن
الرابع عشر، وكان له نشاط ديني واسع في "دنقلا"، وهو جد أولاد جابر
الأربعة وأختهم فاطمة، الذين قاموا بدور بارز في مجال التعليم الديني بعد قيام
دولة الفونج.
فبالنظر إلى نشاط هؤلاء الرواد،
يتضح أن مملكة "علوة" لم تكن مسيحية خالصة، وإنما كانت دولة قد تداخلت
فيها الأديان، وشهد عهدها الأخير انحساراً للدين القديم وانبساطاً لجديد، وكان
التحول قد بدأ وتنامى داخل نسيج المجتمع، ولم يأتِ إليه من الخارج. هكذا كانت
النقلة من دين إلى آخر طوعية، غير مفروضة بالقوة أو الإجبار، لذلك كان التحول
سهلاً وطيعاً، ولا علاقة له بأسطورة الحروب الدينية التي خربت "سوبا"،
فهذه العاصمة حين انهارت كانت الكتلة الكبيرة من أهلها قد تبنت عقيدة جديدة، ولم
تكن في حاجة لأن تقاتل نفسها، ولو كان ذلك قد حدث بالفعل، فإن الذين حفظوا بعضاً
من سيرة هؤلاء الشيوخ لكانوا ضمَّنوها شذرات من تفاصيل تلك المعارك.
لقد تداعت
السلطة الرسمية للمسيحية، ولكن بقاياها ظلت ماثلة، وهذا ما نشاهده في عدة مواقع
بالسودان. ففي منطقة "التكاكي" ـــ التي تشمل مناطق الرباطاب والشايقية
ـــ تحولت المباني التي كانت كنائس يتعبد فيها الناس وهم على النصرانية إلى مساجد
يؤدون فيها صلواتهم بعد دخولهم الإسلام. بل ظلت بعض المساجد تحتفظ برموزها
وأيقوناتها المسيحية(6)، مما يعني أن السكان كانوا لا يرون تعارضاً بين قناعاتهم القديمة
ومعتقداتهم الجديدة، فكلها عبادات يتوجهون بها إلى الله. لذلك كان التحول في الوعي الشعبي متدرجاً ومتمهلاً، أعيدت
خلاله صياغة الرموز والمفاهيم السابقة لتأخذ طابعاً آخر، لا يسقط القديم ولا
يتعارض مع الجديد، فلم تُهدم الكنائس
لتشيد بدلاً عنها مساجد جديدة، ولم ينفر الناس منها أو يقاطعوها، بل حُولت المباني
ذاتها من كنائس إلى جوامع.
وامتد هذا الانسجام بين العقيدتين إلى سلوك الأفراد، فكان بعضهم يجمع بين
الدينين، ولم يقتصر ذلك على عامة الناس، بل شمل قيادات المجتمع أيضاً. وتُروى في
هذا السياق أخبار عن شخص كان يخاطب الناس من منبري المسجد والكنيسة معاً، فيعظ
المسلمين في مسجدهم، والمسيحيين في كنيستهم. ولا يدل ذلك على نبرة عالية من
التسامح، بقدر ما يعكس مرحلة من إعادة التشكل الداخلي والتحول الذاتي، حيث كانت
القناعات تتغير من دينٍ إلى آخر بسهولة ويسر، دون إكراه أو ضغط، إلى الحد الذي سمح
للشخص نفسه أن يقوم بدور الإمام والقسيس في وقتٍ واحد، دون أن يثير ذلك استغراب
معاصريه، أو يدفعهم للتساؤل عن انتمائه الديني، إذ لم يكن الناس في تلك المرحلة
يرون في مثل هذا السلوك تعارضاً يستوجب المراجعة والتصحيح.
وتبرز ملامح هذا التحول التدريجي في مفردات التعامل اليومي، فحتى وقت قريب،
عندما يقع شجار بين الأولاد في الشوارع، تسمع أحدهم يقول للآخر: "إنعل
صليبك" أو "أطلع صليبك"(7)، دون أن يدري أن هذا اللعن
كان في الماضي يعتبر إساءة بالغة، وتطاولاً على الرموز الدينية، قد يستوجب
المحاسبة والعقاب الصارم، فهي تعادل بمفهوم اليوم أن تلعن لأحدهم دينه، أي تسب
مقدساته، وكانت قديماً تستخدم بهذا المعنى، ولكن بمرور الزمن فقدت حمولتها الدينية
دون أن تسقط عن الذاكرة الشعبية. واستخدامها الرمزي من قبل الصبية فيه استعادة لمدخرهم الثقافي القديم. ومن هذا الإرث
جاءت ألفاظ ومعانٍ لا تزال متداولة، مثل "عرس الكورة"، هذه التسمية الغريبة التي قد لا يدرك كثيرون
أنها في الأصل كانت احتفالاً يقام للسيدة مريم العذراء، ثم أعيدت صياغتها بعد ذلك
لتصبح مناسبة إسلامية تُجرى فيها الزيجات الجماعية(8). والنماذج تتعدد
وتترى، وقد تعرضنا لبعضها من قبل، جميعها ظلت متداولة دون أن نتحرى عن مصدرها وأصلها.
وكل هذه الشواهد مجتمعة تدل على أن الانتقال من المسيحية إلى الإسلام كان تحولاً طوعياً وخياراً فردياً، يتمتع فيه كل شخص بكامل الحرية في تبني العقيدة التي يشاء، دون تدخل من سلطة أو ضغط من مجتمع. وقد أسهمت عوامل داخلية وخارجية في التمهيد لهذا التغير التلقائي في مسار القناعات، فبينما كان الدين القديم ينزوي تدريجياً بعد أن فقد قنوات تواصله بالمراكز المساندة وجفت روافد مدده الوجداني، كان الدين الجديد يجد دعماً متزايداً على المستويات الروحية والفكرية والمادية. فقد كان جل النشاط الاقتصادي الذي يعود بالفوائد والأرباح يأتي عبر التعامل مع الإمبراطورية الإسلامية المزدهرة آنذاك، حيث كانت السلع والبضائع تغدو وتروح على ظهور الدواب وعلى متن المراكب التي تجوب البحار. هذه الحركة التجارية والمصالح المتبادلة وفرت حوافز الانتقال دينياً ولغوياً.
المراجع:
1 ـــ ابن حوقل؛
صورة الأرض؛ دار مكتبة الحياة، بيروت ـــ 1992، ص 61.
2 ـــ الأسواني في الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛
الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 356.
3 ـــ ود ضيف
الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 264.
4 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة
ـــ 2012، ص 72.
5 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة
ـــ 2012، ص 50.
6 ـــ عبد الله شم
وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 75.
7 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛
الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 76.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق