ضمن تشكيلة من مواد الزينة الأخرى، تُعد
"الضريرة" من العطور التراثية العريقة في السودان. وقد ذهب البعض إلى
أنها ذات أصل عربي، وربما استندوا في ذلك إلى مجرد التشابه اللفظي بينها وبين كلمة
"ذريرة" الواردة في المعاجم العربية(1)، والمشتقة من الفعل
"ذرّ" بمعنى نثر أو رشّ. ويرى هؤلاء أن حرف "الذال" قد تحول
إلى "ضاد" على عادة أهل السودان، فصارت "ذريرة" تنطق
"ضريرة". وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على التشابه اللغوي الفج دون سواه،
ولم يلتفتوا إلى أن العرب أنفسهم ليس لديهم عطر يحمل هذا الاسم، أو يتركب من ذات
المكونات، وله دور وظيفي محدد، فنوع بهذه المواصفات لا يوجد لديهم، ومع ذلك نسبوها
إليهم، وأسقطوا عنها عمقها التراثي.
فالضريرة السودانية لها مسارات خاصة، فهي ليست من العطور
التي تستخدم كيفما أتفق وفي جميع الظروف والأوقات، إنما تدحل ضمن مجموعة من
العناصر الأخرى، لتؤدي دور محدد في مناسبات معينة، حيث تستخدم بصورة أساسية في
طقوس العبور، التي تجرى مراسمها في المراحل المفصلية من حياة الإنسان، عند الميلاد
والطهور والزواج. وظهورها الحصري في هذه المناسبات، يدل على أنها وثيقة الارتباط
بالموروث السوداني القديم، تبلورت في بوتقة قيمه، ومنه استمدت طابعها المميز الذي
لا يخلو من ظلال عقائدية، وهو ما جعلها جزءاً من منظومة طقسية متكاملة لها أبعاد
اجتماعية وروحية، وبذلك فإن وظيفتها تختلف عما تؤديه العطور في الثقافات الأخرى.
أما
من حيث العمق التاريخي، فتدل الشواهد على حضورها ضمن مكونات الزينة في طقوس الجرتق
منذ عهد كوش، فضلاً عما ورد في النصوص القديمة التي تشير إلى أن الروائح الزكية
كانت تميز زوار بلاد المازوي(2)، أي بلاد البجة، وكانت ترتبط بآلهة تلك
الحقب، مما يدل على أن لها بعد ديني، وربما كانت من متطلبات أداء بعض الشعائر
التعبدية كما البخور. وهذا ما أسهم في بقائها عبر الزمن.
منذ
ذلك التاريخ كان لأهل هذه البلاد تقاليد في صناعة العطور، وكانت الضريرة جزءاً من
هذا التراث، واستمرت بعد ذلك حتى زماننا الراهن، بينما تراجعت واندثرت لدى
الآخرين، فلا نجد لها حضوراً مماثلاً لدى الشعوب الأخرى، سواء من حيث التركيبة أو
الوظيفة أو الارتباط الطقوسي. وإذا كان هناك من دافع للبحث عن جهة لتنسب إليها،
فإنني أرى أن السودان أحق بها، ولكن مع ذلك لا أميل إلى هذا النوع من الاستحواذ والتملك،
فلا يحق لأحد أن يستصدر لها شهادة منشأ، فهذه المظاهر الثقافية ليست من الأشياء
التي يمكن أن تسجل لها براءة أختراع، بحيث يعزى ابتكارها إلى جماعات محددة ومنها
انتقلت إلى الآخرين. ولكن يمكن أن نحكم على أصالتها من قدم الممارسة، وفي هذا
الجانب يمكن أن نشير بثقة إلى أن لها جذور تمتد في عمق تراثنا القديم، فقد كانت من
ضمن عطور الأسلاف، وحافظت عليها الأجيال المتعاقبة، في حين لا نجد لها أثر مرئي
لدى الشعوب الأخرى. بينما ظلت حية في السودان ضمن منظومة من التقاليد العريقة التي
ما تزال حاضرة في مجتمعاتنا حتى اليوم.
المراجع:
1 ـــ عون الشريف؛ قاموس
اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 587.
2 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 64.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق