أحد
عناصر الجرتق، وقد ذهب البعض إلى أنه مستمد من الثقافة العربية، وأشار إلى أنه
أدخل ضمن مكونات زينة العرسان بعد انتشار الإسلام، وبناءً على هذا التصور أطلق
عليه صفة "الهلال الإسلامي"(1)،
ولا إعتراض على ذلك، رغم أن الظواهر الكونية لا تصنف دينياً، ولكن تجاوزاً يمكن
تقبله عبر التأويل الثقافي. خاصةً وأن الهلال قد ارتبط بصرياً بالعمارة الإسلامية
من خلال اعتلائه مآذن الجوامع وقمم القباب. لذلك سوف نساير هذا الافتراض، ونجعله
من أصحاب العقائد. غير أن التسليم بهذا التصنيف لا يتحقق إلا إذا إختزلنا التاريخ،
وتجاهلنا الامتداد الرمزي الأقدم للقمر في الثقافة المحلية. فصورته وهو في طوره
الأول تظهر معلقة على الوجوه في الصور والمجسمات العتيقة، ويحتل نفس موقعه من
الجبين، كما هو مشاهد بعد اكتمال جرتق العرسان. وعليه فإن استمرار حضوره ضمن هذه
الطقوس لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد استعارة متأخرة من الثقافة العربية الإسلامية،
بل هو أقرب إلى كونه امتداداً لقيم قديمة، تم تأويلها ودمجها ضمن سياق جديد. بهذا
المعنى، يجب النظر إلى الهلال في الثقافة السودانية كرمز أصيل أعيدت صياغته عبر
التاريخ وفقاً لسياقات كل مرحلة.
في الحضارات القديمة كان
الهلال رمزاً للآلهة القمرية، لذلك حرص الملوك والحكام على ارتدائه ضمن شاراتهم،
فكانوا يضعونه على طوقٍ فوق رؤوسهم، وهذا ما جسدته الرسومات على الجداريات
الأثرية. ففي "صلب" شمال الشلال الثالث يوجد معبد شُيد في الفترة ما بين
1415 و1380 قبل الميلاد. وتظهر إحدى الصور الإله آمون في هيئة ملك، ميرتدياً
"الطاقية أم قرينات"، وهي غطاء الرأس الذي ظل حاضراً في الثقافة الرسمية
حتى العهد الفونجي. ويظهر الرسم عصابة أو طوق يحيط برأسه، وهو شبيه بما يربط على
رأس العريس في الجرتق، ومعه الهلال(2)، هذه الصورة تعني أن القمر كان
يحمل رمزية عميقة في وعي السودانين منذ عصور تسبق الإسلام بآلاف السنين.
الأهم من ذلك، أن هذه الرمزية
لم تنقطع مع التحولات الدينية. ففي العهد المسيحي ظل الهلال حاضراً بنفس الشكل
والمدلول تقريباً، كما تظهره كنائس فرس، بالقرب من وادي حلفا، حيث يشاهد في
رسوماتها الحاكم وراعي الكنيسة وهم يرتدون "الطاقية أم قرينات" ويعلوها
الهلال(3). وهذا ما يبرز مفارقة مهمة، فبينما تغيرت العقائد، بقيت
الرموز. وهذا يعني أن المجتمع لم ينظر للهلال من زاوية دينية وإنما تعامل معه كجزء
من مخزون ثقافي أعمق، يعبر عن الهوية والتواصل القيمي بين الماضي والحاضر. هذا
الأستمرار عبر حقب دينية مختلفة يضعف القول بأنه رمز طارئ مرتبط بفترة معينة.
هذا الاستمرار مع تغير
الأديان يعكس تمسك المجتمع السوداني بعناصره التراثية، ففي المراحل المتأخرة، بقي
الهلال ضمن التقاليد الشعبية، بينما ذهبت الطاقية إلى المواقع الرسمية، وكل منهما
أحتفظ بوظيفته الرمزية. لذلك لا تكتمل مراسم الزواج إلأ بإقامة طقس الجرتق، الذي
يتصدر فيه الهلال جبين العرسان، ولا تكتمل هيبة الحاكم إلا بإرتدائه "الطاقية
أم قرينات"، وحتى بعد انهيار الدولة تحت ضجيج الأسلحة النارية، انتقلت هذه
الطاقية إلى شيوخ الطرق الصوفية(4). وما يبدو لافتاً، أن تعليق الهلال
على الجبين الذي ظهرت صورته الأولى على جدران معبد شيد منذ أن كان الناس على
عقائدهم المحلية، قد انتقل معهم وهم يتبنون المسيحية، ثم استمر حضوره في حياتهم
وهم يدينون بالإسلام، ولا زال يحتل موقعاً مميزاً في أهم المناسبات الاجتماعية، إذ
ظل عنصراً أساسياً في طقس الجرتق.
كما أن رمزية الهلال لم تكن
ترتبط بالقيم الدينية أو المواقع الرسمية فحسب، بل امتدت لتضفي لمسة جمالية على أدوات
الحياة اليومية، إذ يدخل ضمن الأشكال المستخدمة في الرسوم الزخرفية، فقد عثر على
جرة تعود للعهد المروي، زُين سطحها بصفوف من الأهلة والورود إلى جانب رمز الأبدية
الذي يشير إلى قدرة الآلهة على الخلق، والمعروف بـ"مفتاح الحياة" أو
"الأنخ"، وشكله أقرب للصليب(5). إن وجود الهلال مع هذا الرمز
الديني، يمنحه بعداً روحياً غير محدود. ومهما كان مدلوله فإن تضمينه في هذه
الأعمال الفنية، يعكس المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها في تصورات الناس قديماً،
وهذا يؤكد أصالته في الثقافة السودانية، وينفي شبهة استيراده من الخارج.
إناء فخاري
من العهد المروي رسمت عليه مجموعة من الأهلة
فإذا كان ظهور الهلال يعني
بداية الشهر العربي، فإن سكان السودان قديماً كانوا يعتمدون نفس التقويم، وإذا
كانت له دلالة خاصة في الإسلام، فقد كانت له آلهة في الإزمنة السحيقة. وهذا يعني
أن الرمزية التي اكتسبها في التقاليد المحلية لا علاقة لها بالمعتقدات الشخصية،
لأن وجوده في حياة الناس وضمن مقدساتهم سبق تقلبهم في الأديان. وهو في ذلك مثل
كثير من عناصر التراث السوداني التي أرجعها البعض، وفقاً لتصورات انطباعية، إلى
أنها مستعارة من الثقافة العربية، ولكن عند تتبع آثارها نجدها ضاربة في عمق
التاريخ المحلي. ومنها الكثير من المظاهر الاحتفالية التي لا زلنا نشاهدها في
مناسبات الأفراح، فالعزف على الطمبور والدلوكة والعرضة والدف والطار والصقرية
ورقيص الرقبة والشبال، وتبشير الرجال بالأيادي المرفوعة، كلها عادات قديمة مستمرة(6)،
قد سجلها السابقون في مناظر معابدهم، بل حتى في قبورهم. وهذا يوضح أن الكثير من
التقاليد السودانية ليست وافدة، بل متجذرة محلياً. ومن ثم فإن محاولة نسبتها إلى
ثقافة بعينها قد لا تصمد أمام معطيات التاريخ.
ومع ذلك لا يمكن إنكار حدوث
تأثيرات عربية، لكن المشكلة تكمن في تحويل هذا التأثير إلى تفسير شامل. فالسودان
بحكم موقعه، ظل مفتوحاً على تفاعلات متعددة، وقد تسربت إليه مفاهيم ثقافية مختلفة،
حتى وصلت به إلى الحد الذي تبدلت معه الأديان والألسن، ولكن مع ذلك حافظ على عناصر
أصيلة من الماضي، وهي التي أسهمت إلى حد كبير في تشكيل ملامح هويته الخاصة. ويعود ذلك
إلى أن التأثيرات الخارجية لم تأت إليه عبر إحلال سكاني ـــ كما يدعي البعض ـــ
وإنما تسللت عبر تفاعل تدريجي، من خلال أنشطة فردية، سواء كانت اقتصادية أو دينية
مما سمح باستمرار الأنماط الثقافية الموروثة، رغم تبدل اللغة والعقيدة، الذي ما
كان له أن يحدث لولا أن المجتمع كان مهيئاً لذلك، فقد كان في حاجة ماسة لهذه
التحولات، على المستويين المادي والروحي. وقد بدأ التحرك نحو التغيير محمولاً على
رافعتين أساسيتين: تمثلت الأولى في التعاملات التجارية في الأسواق، التي فرضت
ضرورة توحيد لغة التبادل، وإيجاد وسيلة تفاهم مشتركة، فطغت مفردات القوافل على
الألسن المتنوعة والمتباينة في المحيط المحلي. وتمثلت الثانية في الفراغ الروحي الذي
أعقب الانسحاب التدريجي للمسيحية، فملأه الرواد الأوائل من شيوخ الطرق الصوفية.
هاتين الرافعتين كانت كل منهما تدعم الأخرى، وهذا أدى للنقلة الكبيرة دينياً
ولغوياً. لكن هذه التحولات، رغم عمقها، لم تبدد القيم المحلية، بل تعايشت معها،
فتساير القديم مع الجديد.
وكان الهلال من بين هذه
الموروثات القديمة، فهو ليس نتاجاً لهذا التحول، ولم يأت معه، بل سبقه بآلاف
السنين. فقد بدأ رمزاً ملكياً في طقوس التتويج، ثم انتقل إلى الفضاء الشعبي، ليصبح
جزءاً من مراسم الجرتق، الذي يعد في أصله امتداداً لتقاليد ملوكية أعاد المجتمع توظيفها
في أفراحه. وهذا يدل على أنه ليس متطفلاً، ومثله في ذلك، مثل العديد من مكونات
التراث، الذي إن أعدنا قراءته، فسيتضح لنا أن الكثير مما يبدو "دخيلاًً"
هو في الحقيقة أصيلاً، أعيد تأويله ليكتسب صبغة خارجية، ولكن مع ذلك يظل عمقه
التاريخي شاهداً على حضوره المحلي، الذي يكشف عن بقائه عبر العصور، رغم تغير
المفاهيم والسياقات.
المراجع:
1 ـــ عبد الله شم
وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 71.
2 ـــ آركل؛ أصل الفونج؛ ترجمة: عثمان أحمد عبد الرحيم ـــ
2003، ص 79.
3 ـــ آركل؛ أصل
الفونج؛ ترجمة: عثمان أحمد عبد الرحيم ـــ 2003، ص 78.
4 ـــ آركل؛ أصل
الفونج؛ ترجمة: عثمان أحمد عبد الرحيم ـــ 2003، ص 80.
5 ـــ The
British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 137.
6 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 72.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق