من بين كل عناصر التراث
السوداني، يبدو "الجرتق" الأكثر تعقيداً وغموضاً. فهو
ليس مجرد مظهر احتفالي عابر، مثل الغناء والرقيص والعرضة والشَّبال والبطان، وإنما
هو طقس محاط بالإيحاءات والرموز، مما قد يشير بدرجة أو بأخرى إلى أن له ارتباط
وثيق بالقيم الروحية القديمة، التي طمر الزمان بنيتها العقائدية، بينما ظلت
تصوراتها محفوظة في العادات والتقاليد، وهذا ما يبرز أثناء التطبيق، حيث تبدو
مراسمه محملة بمفاهيم بعيدة عن الواقع، وقريبة إلى حد التماهي مع الغيب، فهو عبارة
عن سلسلة من الإجراءات التي تشكل في مجملها حزمة من التعاويذ والتمائم، أما
تنفيذها فيتم وفق نسق معين يتضمن ملامح تنصيب الملوك قديماً، وهي في المحصلة تهدف
لحماية العرسان من نكبات الزمان وتصاريف القدر.
الطبيعة الخاصة لهذا التقليد، تجعل إخراجه يتم في جو
مشحون بالمعاني والرموز والدلالات الخفية، التي تتجسد بصرياً في مجموعة من العناصر
اللافتة، من بينها اللون الأحمر، الذي يظهر ـــ ولو جزئياً ـــ في معظم التفاصيل،
ابتداءً من ملابس العرسان، ثم العنقريب والبرش والفركة والحُق والحريرة والشريط
الذي يلتف حول الرأس ويتدلى منه الهلال على الجبين.
هذه المكونات، وبعيداً عن لونها، هي في حد ذاتها
كمجسمات لها بعد رمزي وامتداد تاريخي. وتقف إلى جوارها، وتشاركها في ذلك، مجموعة
أخرى من المفردات المحملة بقيم الماضي، منها الخرزة الخضراء، وعظمة السمك البيضاء،
وعقد اليسر الأسود، والسوميت، والسُكسُك، وجنيهات الذهب، وغيرها. بالإضافة إلى
المواد الأخرى الضرورية من أجل تكملة الصورة، والتي تستخدم في مسارين، أحدهما يزين
هذا الطقس والآخر يعطره. فيما يتعلق بالأول، تفرد مساحة واسعة لتقاليد تلوين
الجسد، من خلال جلسات الحنة الطويلة، مع لمسات الكُحل. أما في الثاني، فتعبق في الأجواء
الروائح الزكية، التي تضوع بها الخُمرة وأدخنة المباخر. وهناك مكونات أخرى تخدم
الغرضين، مثل الضريرة والدلكة والدخان، فهي بالإضافة لقيمتها الجمالية تتميز
بعبيرها الأخاذ. كل هذه الوسائل والأدوات والرموز والمعاني تتجمع في صورة واحدة،
تجسد حشد من القيم والمفاهيم الموروثة، التي اكتنف الغموض الكثير من معانيها
ومضامينها في الوقت الحاضر، ولكن تطبيقاتها ظلت باقية، مما يجعل من الجرتق نافذة
حقيقية يطل من خلالها المجتمع على ماضيه البعيد، وهي تقف في الوقت نفسه شاهداً
ودليلاً على خصوصية وتفرد لونيته الثقافية.
لقد تشكلت ملامح هذا الطقس منذ فترات التاريخ المبكرة، وتكمن أولى المؤشرات على ذلك في الاسم نفسه، فهو من
حيث اللفظ والمعنى يعبر عن أصله القديم، إذ يعود إلى عصور كان لساننا فيها لا ينطق
مفردات اليوم، وعقلنا لا يعيها. وحين نترجمه إلى لغتنا الحالية نجده يتضمن معاني
الحماية(1)، وهو ما ينطبق على القصد من إجرائه إذ يشكل حرزاً يصون
العرسان من المصائب التي قد تأتي بها القوى الخفية، سواء كانت أثيرية أو مادية.
لذلك فهو طقس معقد يحتوي على الكثير من التفاصيل، وقد تطرقنا له من قبل بصورة
سريعة في حديثنا عن الولادة والطهور، إذ إن حضوره في كل تلك المناسبات يكشف عن
معانيه الروحية، فهو من العادات التي تلازم الإنسان في أهم محطات حياته، لأنه في
مراحل التحول يكون أكثر احتياجاً للتعويذات التي تخاطب الكائنات الغيبية طلباً
للسلامة ودفعاً للبلاء، لذلك تأخذ مراسمه طابع الشعائر الدينية.
إخراج هذا الطقس بالصورة
المرضية للأرواح الساكنة والهائمة يتطلب إعداد مجموعة متنوعة من العناصر، لعل من
أبرزها الحريرة بخرزتها الخضراء، مع السوميت الذي تحرص الأسر على اقتنائه بوصفه
عنصراً له مدلول خاص، يجعل وجوده ضرورياً في مختلف مناسبات الأفراح، ترافقه عظمة
السمك التي يحرص السكان في مختلف البقاع على الاحتفاظ بها، سواء كانوا من زراع
البحر أو المطر، أو من رعاة البوادي، فجميعهم لا يشرعون في إقامة مراسم أفراحهم
إلّا بعد استحضار هذه الأيقونات، التي بوجودها يتفاءلون خيراً، وبغيابها يتوجسون
شراً. وارتداء هذه المكونات له شروط صارمة ينبغي اتباعها بدقة وحذر، من أهمها أن
يكون جميع الحضور من النساء، باستثناء رجل واحد هو خال العريس، وأن تكون كل العطور
والحُلي المستخدمة مأخوذة من عالم المرأة، فلا يوجد ما يرمز للرجولة إلّا السيف
والسوط.
أما عملية التنفيذ فينبغي أن
تتم بحرص ويقظة، فإذا انقطع خيط فذلك مؤشر غير جيد، وإذا انكسرت خرزة فتلك علامة
غير حميدة، وإذا انفلت سوار فذلك فأل سيئ، أما إذا انفرط العقد فهذا إنذار بخطر
وخيم، إذ إن هناك قوى تتابع وتراقب، وتصدر قراراتها عبر هذه الهفوات. لذلك يجب أن
يتم اختيار المكونات بعناية، وأن تتولى إعدادها وتنفيذها أكثر النساء خبرة. واكتمال الطقس على الوجه
الصحيح له تأثيرات نفسية وروحية غامرة، على القائمين بأمره والمعنيين به، كما تعم
الجميع حالة من الارتياح والفرح، أما في حال الإخلال به فتسود حالة من الخوف وعدم
اليقين. وهذا نابع من قناعات قديمة ترسخت في وجدان الناس، تجعلهم يتهجسون من
الأقدار، ويتوجسون من قوى تتربص بهم، ويعتقدون أنها تحيط بالإنسان وتؤثر فيه
وتتحكم في مسار(2)، والجرتق هو العملية الطقسية التي تهدف لاسترضاء هذه
الكائنات الأسطورية، وعدم إثارة سخطها، حتى يتم العرس على خير دون مثبطات أو
منقصات، وتحل البركة بالعرسان.
بعد اكتمال الجانب الروحي من
عملية الجرتق، ينتقل الحفل إلى المسرح المفتوح، حيث تبدأ مراسم الحفل في فسحة
الحوش بمشاركة الجميع دون قيود أو محاذير، تُجهز الساحة ويوضع العنقريب في
الصدارة، الذي يمثل عرش التتوج، ويفرش عليه برش، ويزود بفركة قرمصيص وبعض المساند،
جميع هذه المفروشات يغلب عليها اللون الأحمر. وبالقرب منه توجد طاولة أو ككر أو
بنبر يوضع عليه طبق الجرتق ـــ قديماً كان من السعف، ثم استبدل حديثاً بصينية ـــ
بما يحتوي من الأدوات والمواد المطلوبة في هذه الليلة، من ضمنها الحُق والمباخر
والحنة والضريرة والخُمرة والدلكة والتعاويذ والتمائم، وبقية المكملات من ودع
وسُكسُك وغيرها. وفي المقابل يوجد عنقريب آخر خاص بالمغني، وعلى الأرض عدد من
البروش لجلوس المشاركين في الحفل، غالباً من النساء. وفي موقع مميز من ذلك البراح،
تُفرش السباتة، وهي نوع آخر من البروش يتميز بجودة خامته ودقة صناعت، لذلك تخصص
لتكون الحلبة التي تستعرض فيها الفتيات مهارتهن في الرقيص، ويُتاح فيها للشبان
"شيل الشبال". والأهم من كل ذلك أنها الموقع
الذي يتم فيه قطع الرحط، تلك اللحظة الفارقة التي تغادر فيها الفتاة مرحلة من
حياتها إلى أخرى، وأول مظاهر هذا التحول، استبدال الزي الذي لازمها منذ طفولتها
ـــ وهو الرحط ـــ بثياب من نوعية أخرى تتمثل في العلجة أو الفركة، بما يحمله ذلك
من إعلان صريح عن العبور من وضع اجتماعي إلى آخر مغاير. هذا ما يجري على السباتة،
وهناك موقع آخر في الساحة مخصص للبطان، حيث يتبارى الصبيان في استعراض ثباتهم
وجلدهم وقوة تحملهم تحت وقع السياط. هذه المظاهر في مجملها تشكل الإطار العام
للعادات المتبعة في الأعراس السودانية، بما تحمله من أبعاد رمزية واجتماعية
متداخلة.
هناك عدد من العناصر الضرورية التي تندرج ضمن منظومة
هذا الحفل، لبعضها أهمية وظيفية، وللبعض الآخر قيمة جمالية، بينما الكثير منها
يرتبط بتصورات غيبية، وهي تتداخل بحيث يصعب التفريق بينها. يأتي في مقدمتها الحُق
الذي يحتوي على الريحة الناشفة، وبجانبه عدد من الأواني التي تحتوي على الريحة
اللينة، وهي الخمرة والدلكة والضريرة مع الحنة، كما تضم أيضاً مجموعة من زجاجات
الريحة السائلة، والمباخر، وحجر الدم الأخضر المرصع بالأحمر، والعقود والسلاسل
بخرزها وسوميتها، والأساور من الذهب والفضة، والجعرانة، وهي حجر زينة منحوت على
شكل خنفساء، إضافة لأشياء أخرى. وتعد الحنة من التطبيقات المهمة في هذه المراسم،
إذ تخضب بها أطراف العرسان، وهما يجلسان على العنقريب في هيئة الملوك، وقد تُوِجا
بعصابة حمراء يتدلى منها الهلال على الجبين، وفوقها الضريرة. كل هذه الإجراءات
تنفذ في ساحة الحوش المفتوحة وسط حشد من الحضور.
أما التقاليد التي تُحاط بدرجة من السرية، وتكون مغلقة
في وجه الرجال، فهي التي يتم فيها تزيين العريس بالحلي النسائية، ويصحبه أثناء هذا
الإجراء خاله فقط. ووجود هذا المرافق وحده بين النساء، تفرضه طبيعة هذا الطقس ذو
البعد الملوكي، إذ يقوم بنفس الدور المتبع في عملية التتويج، وهو أن يطوق عنق
العريس بعقد السوميت الذي يعني انتقال السلطة إليه وفق النظام الأمومي، حيث كان
الميراث قديماً ينتقل من الخال إلى ابن الأخت وليس إلى الابن، وكان هذا النظام
متبعاً أيضاً في تداول الحكم، وقد استمرت بعض مظاهره حتى دولة الفونج، ولا شك أنه
كان معمولاً به في مملكة علوة، وقد ذكره ابن حوقل عند زيارته سوبا في القرن العاشر
الميلادي، فعند مجيئه وجد على سدة الحكم الملك "أسابيوس" ثم خلفه ابن
أخته "إسطابنوس"(3)، حسب روايته. وفي
المقرة، لم يصل "كنز الدولة" إلى الحكم إلا لأنه ابن أخت
"كرنبس" الملك المغضوب عليه من المماليك، وكان بذلك أول اسم عربي صريح
يتولى السلطة في دنقلا(4)، لقد استمد
شرعيته من أمه، وفقاً لطريقة التوريث التي كانت متبعة آنذاك. أما رمزية العقد
فتتجلى مرة أخرى في علوة، فقد كان يرتديه الملوك عند اعتلائهم العرش، ويُعرف باسم
"عقد الهيكلي"(5)، ولذلك ينبغي أن يكون
الخال حاضراً بين النساء ليضع هذا العقد على عنق ابن أخته، في إشارة إلى أنه قد
نقل إليه رمز سلطته، وبذلك تكتمل المحاكاة لطقوس التتويج.
وغير ذلك هناك العديد من أنواع الحلي النسائية التي
يرتديها العريس فهي تشكيلة من العقود والسلاسل التي تتكون من الخرز والسوميت
والذهب والفضة وغيرها من المعادن والأحجار الكريمة، مع الأساور المصنوعة من نفس
المواد والعناصر، بالإضافة إلى الحريرة الحمراء ذات الأهمية والرمزية العالية،
ومعها خرزة خضراء أو زرقاء وفقارة من ظهر سمكة(6)،
تربط جميعها على المعصم. وقد يكون من التقاليد المحيرة ربط عظمة سمكة مع الحريرة
في الجرتق، وربما يعود ذلك لمعتقدات كانت سائدة في وادي النيل قديماً، إذ كان هناك
نوعان من الأسماك، يعتبران من الكائنات المقدسة(7)،
ولعل هذا العظم مأخوذ من إحدى فصيلتيهما. على العموم، هذه بعض متعلقات الجرتق التي
تصحبها عادةً التعاويذ والتمائم التي تخاطب القوى الغيبية طلباً للحماية ودرءاً
للحسد والحقد والضغينة، ولهم في ذلك بعض التعبيرات المحددة، مثل قولهم: "دقر
يا عين"، وهي تعويذة لفظية تهدف إلى إبطال مفعول السحر(8).
وبعد اكتمال هذه الإجراءات يكون العريس قد تحصن من شرور الكائنات الخفية والمرئية،
ليخرج على الناس في النهاية محملاً بهذه الأحراز والحجبات والأدعية، فوق رأسه
التاج، وعلى كتفه السيف، وفي يده السوط، يبشر على الحضور، معلناً اكتمال مراحل
التتويج الرمزي. وهكذا تشكل هذه المراسم نموذجاً حياً لذاكرة حضارية لم تنقطع، بل
تنزلت عبر الأجيال في صورة احتفال شعبي يحمل في جوهره طقساً ملكياً عريقاً.
الجرتق
ـــ العمق التاريخي:
هناك العديد من المؤشرات التي
تدل على أن الجرتق ظل من العادات الملازمة لمناسبات الأعراس منذ زمن بعيد،
وهو يحمل نفس سمات مراسم تتويج الملوك، التي كانت تجرى وفقاً لمفاهيم دينية، حيث
كان المعتقد السائد أن الملوك من نسل الآلهة، وبمقتضى هذه العلاقة العضوية، كانت
الآلهة تختار من بين أبنائها من يعتلي العرش، ثم تحيطه بحفظها ورعايتها. انتقل هذا
التصور برمته إلى واقع الحياة الاجتماعية، وأصبح من التقاليد التي تطبق في مناسبات
الأعراس، حيث يتبوأ العرسان ـــ رمزياً ـــ مواقع الملوك، علّ الآلهة، تحرسهم
وتحميهم من الشرور والنكبات، وتشملهم برحمتها وعنايتها.
لعل هذه القناعات هي التي شكلت الأرضية التي نشأ عليها
طقس الجرتق. وما يشي بذلك تلك المكتشفات الأثرية التي تؤكد قدمه وتدل على قدسيته،
وذلك ما جسدته الرسومات على جدران المعابد الكوشية العتيقة، فقد عُثر على لوحة في
معبد الملك تهارقا(9)، الذي حكم في الفترة ما بين 690 و664 قبل الميلاد(10).
وقد أظهرت هذه الصورة التفاصيل المتعارف عليها في تطبيقات الجرتق الحالية. وبالمزاوجة
بين الزمان والمكان، تتضح لنا عراقته ومدلوله الروحي. فقد سُجل هذا الأثر داخل
المعبد، وفي القرن السابع قبل الميلاد، وهذا لا يعكس قيمته العقائدية والتاريخية
فحسب، بل يلمح أيضاً إلى أن المجتمع قد عرفه وألفه قبل ذلك بقرون، إلى أن حظي في
تلك الحقبة بمن يوثقه ويخلّده للأجيال، فكانت هذه اللوحة نافذة تكشف عما ورثناه عن
الأسلاف، ويا ليتها بقيت في متاحفنا ليشاهدها أطفالنا، ويطلوا من خلالها على بعض
ملامح حياة أجدادهم، ولكن بكل أسف فقد سطا عليها الإنجليز، وأخذوها ضمن ما أخذوا،
وهي الآن معروضة بين الغرباء في بريطانيا.
وبعد انتقال العاصمة من
نبتة إلى مروي، استمر هذا التقليد سائراً بين الناس، وسجلت تفاصيله مرةً أخري ـــ
بشكل واضح ـــ على خاتم للملكة أماني شاخيتي، التي حكمت في الفترة ما بين سنة 41
و12 قبل الميلاد(11)، ولا أريد أن ألقي
بنفس الأمنية السابقة مرة أخرى، فهذا الخاتم وجد نفس مصير اللوحة، وهو الآن معروض
في متحف بألمانيا. على كل حال، ما يمكن أن يرصد بين التسجيل الأول والثاني يمثل
فترة زمنية تبلغ حوالي سبعة قرون، ظل خلالها هذا التقليد شاخصاً بمكوناته الأساسية.
وهذا ليس غريباً، إذ يمكننا أن نتصور أن الناس قديماً كانوا أكثر تمسكاً بقيمهم
وموروثاتهم، ولكن اللافت حقاً هو أن نجد نفس تلك التقاليد القديمة حية ـــ بنفس
مكوناتها تقريباً ـــ بعد أكثر من ألفي سنة، لم يطرأ عليها سوى بعض التكيفات
الطفيفة، بينما ظل جوهرها باقياً لنشهدها نحن في القرن الحادي والعشرين، رغم
التطورات الهائلة التي تزاحمت عبر هذه المساحة الزمنية الشاسعة، وعلى كافة
المستويات؛ محلياً وإقليمياً ودولياً. تقلبنا خلالها بين الأديان والألسن، ومع ذلك
ظل الاعتقاد راسخاً أن اكتمال الزواج مشروط بإقامة طقس الجرتق.
عناصر الجرتق المستخدمة في الوقت
الحاضر، وجدت بنفس أشكالها وهيئتها ورمزيتها في نقوش ورسومات ومنحوتات الملوك
والملكات في حضارات السودان المبكرة، ومنها انحدرت عبر الأجيال دون انقطاع. فصورة
الملك في لحظة التتويج في المعابد القديمة وهو يحيط عنقه بالعقود والسلاسل من
الذهب والفضة والخرز، وعلى يديه الأساور مع الحريرة المعقودة حول معصمه، وعلى رأسه
تاج يبدو في هيئة عصابة أو شريط يطوق الجبين، وفي قبضته السيف، هذه الصور تحفل بها
حضارة مروي، وقد تعددت مظاهرها في الرسومات التي وجدت على جدران معبد الشمس وفي
النقعة والمصورات(12)، ثم نراها تتكرر مرة أخرى في زماننا حين يخرج
العريس بعد اكتمال طقس الجرتق، مما يعطينا مؤشرات قوية بأن ما نطبقه في أعراسنا
اليوم قد اقتبساه مما كان يفعله الأجداد.
هذا فيما يتعلق بالزينة الشخصية،
أما التوابع الأخرى التي تكمل هذا المشهد، فإن العنقريب يحتل موقع الصدارة بينها،
وهو رمز للعرش الذي كان يعتليه الملك،
وله تاريخ ضارب في القدم، إذ ظل حضوره مميزاً في المحافل الاجتماعية منذ حضارة
كرمة، التي مضى عليها من الزمن ما يناهز الأربعة آلاف عام، وطوال هذه المدة لم
يتزحزح العنقريب عن موقعه المميز. فمنذ ذلك التاريخ كان يحظى باهتمام كبير في
صناعته وتزيينه، فقد كانت قوائمه تنحت على هيئة أرجل الأبقار(13)،
وتعتليه لوحة عند مسند الرأس نُقشت عليها مجموعة من الصور والزخارف المطعمة بالعاج(14)،
مما يضفي عليه قيمة جمالية فوق قيمته الوظيفية. ومع تطور المهارات الابداعية تغيرت
بعض ملامحه، ولكنه في أصله ظل ثابتاً يؤدي نفس دوره القديم في المناسبات الكبرى.
عرفناه في كرمة، ووجدناه يحتل الموقع نفسه في الحقب اللاحقة حتى نهاية الفترة
المسيحية، وتذكر أساطير الفونج أن ملكهم الأول حين نُصب صنعوا له عنقريب(15)،
وهكذا ظل محتفظاً بدوره ورمزيته عبر
الدهور.
وفي
الآونة الأخيرة أصبحت بعض الأسر تطلب تصنيعه بدرجة من التفخيم تبرز مكانتها
الإجتماعية، ثم يتم تداوله بين العائلات على سبيل الإعارة في الأعراس،
ويعرف بـ"عنقريب الجرتق". ووفقاً لمتطلبات هذه الوظيفة يفرش عليه برش
يغلب عليه اللون الأحمر يسمى عتنيبة(16) وهو اسم نفس الحصيرة في اللغة
البجاوية "التبداوية" وجمعها عتانيب(17)،
وسواءً كان برش أو عتنيبة فقد طرأت عليه بعض التحورات مجاراة لتغير أنواع
المفروشات، ولكن رمزيته ظلت باقية. وتوضع عليه فركة قرمصيص ومسند. وهذا العنقريب
بمحتوياته يمثل العرش الذي يجلس عليه العرسان بصفتهم "ملوك الليلة". ثم
بعد العنقريب يأتي طبق الجرتق الذي تحول إلى صينية، بعد أن إستبدل السعف بالمعدن،
ولكن المحتويات ظلت كما هي تقريباً، وبنفس مدلولاتها القديمة. وتشتمل على الحُق
الذي توضع عليه الريحة الجافة أو البخور.
وعلينا أن نتوقف قليلاً
مع هذا "الحُق"، فهو من بين مكونات الجرتق كان له موقعه التاريخي الخاص،
ورغم أن لاسمه مسحة عربية، إلا أن أصوله تغوص عميقاً في أزمنة السودان الموغلة في
القدم، فقد عُثر على نسخة منه في مقابر كدروكة من العصر الحجري الحديث، حيث كشف
التنقيب عن قطعة أثرية، لم يتردد الخبراء في وصفها من الوهلة الأولى بأنها تجسيد
قديم للحُق الحالي، كانت عبارة عن إناء خشبي منحوت على شكل كأس ومطلي بألوان
متعددة، ويحتوي على مواد للزينة(18)، أي بالمواصفات نفسها التي نعرفها
اليوم، ويؤدي الدور ذاته كوعاء للعطور الجافة ومواد التجميل. مما يعني أنه ظل قيد
الاستخدام في السودان منذ حوالي خمسة آلاف سنة على الأقل، وليس وافداً دخيلاً أتت
به الصدف منذ وقت قريب، وربما الذي طرأ عليه من التغيرات المستحدثة هو سقوط اسمه
القديم عن الذاكرة، وإحلاله بلفظ جديد، أما طريقة تشكيله ووظيفته فقد ظلتا كما هما
منذ عهد كدروكة.
الجرتق كتقليد متوارث
دليل على الاستمرارية الثقافية، فيه تتم إعادة طقوس تنصيب الملك، بكل ما تتضمنه من
أبعاد دينية ودنيوية على العرسان، فيأخذون دور الملك والملكة، وتجري عليهم هذه
الترتيبات الدقيقة التي تتخذ طابع الشعائر المقدسة في صرامتها وانضباطها. ووفقاً
للمعتقدات العامة، فإن لهذه الطقوس نظاماً محدداً ينبغي اتباعه، لأنها ترتبط بقوى
غيبية لها القدرة على توقيع الثواب والعقاب، لذا يجب استرضاؤها، حتى تطرح البركة
في العرسان، وتجنبهم المكاره والشرور. وهكذا تسللت هذه التعويذة الملكية إلى واقع
المجتمع، واكتسبت طابعاً سحرياً، فأصبح إجراؤها ضرورة في عرف الناس. وهذا ما منحها
الثبات على طوال هذا المدى الزمني، من قبل أن يجسدها تهارقا في معبده مروراً بمروي
ثم المقرة وعلوة وبعدها سلطنات الفونج والفور وتقلي والمسبعات، وصولاً إلى يومنا
هذا.
ففي كل هذه المراحل
التاريخية ظل لهذا الطقس موقع متفرد في تقاليدنا الحاضرة، نجده منحوتاً على جدران
الحضارات السابقة، وماثلاً في واقع الحياة المعاصرة. وفي المقابل، لا نجد له
أي ذكر في المصادر العربية التي تتحدث عن تقاليد الزواج في بلادهم، كما لا يظهر له
أثر في مراسم احتفائهم بهذه المناسبة في مجتمعاتهم اليوم، سواء في الأقطار البعيدة
أو تلك التي تجاورنا ولنا معها حدود مشتركة، باستثناء منطقة النوبة في جنوب مصر،
التي ارتبطت تاريخياً بحضارات السودان القديمة. وعليه، يمكن النظر إلى الجرتق
بصفته سمة ثقافية سودانية أصيلة، ليس لها أدنى علاقة بالعرب، وهذا ما يلقي بظلال
من الشك على تلك الادعاءات المنتشرة عن الهجرات المزعومة.
الجرتق ــ الامتداد
الجغرافي:
مثل الكثير من مكونات التراث التي تعرضنا لها من قبل،
يحظي الجرتق بمساحات تمدد واسعة على الخريطة الاجتماعية السودانية، حيث نجده
حاضراً وبنفس الطريقة تقريباً في معظم أنحاء البلاد، مهما تباعدت المسافات، وتباينت أساليب الحياة، وتعددت سبل كسب العيش، في الريف
والمدن، وبين الزراع والرعاة وأصحاب المهن الأخرى. وهو من بين جميع الأنشطة المصاحبة للأفراح يعتبر الأهم،
إذ ينطوي على خطاب يتجاوز الواقع. وما يدل على ذلك بوضوح أن عناصره ليست مثل بقية
الأشياء التي يتم شراؤها من الأسواق قبل المناسبة مباشرة، ثم يعاد تحضيرها في
البيوت، كما هو الحال مع التجهيزات التي تظهر في دق الريحة وإعداد الأطعمة. وإنما
هي من الأيقونات المحفوظة التي تحرص الحبوبات والأمهات على اقتنائها قبل فترة من
الزمن، تحسباً لليوم الذي يكون فيه الأبناء في حوجة للحماية والتحصين، حين تتسلط
عليهم الأعين، وتتلقفهم الألسن. فالغاية من هذه الرموز أن تقيهم من الشر والحسد،
وأن تزيح من أمامهم عثرات الطريق، وتيسر مسيرهم نحو عالمهم الجديد.
هناك اتفاق ضمني بين الناس في
مختلف الجهات على أن الجرتق ـــ أينما طبق ـــ لا يكتمل دون توفر عناصر محددة،
منها الحريرة الحمراء، والخرزة الخضراء، وعظمة السمك، والأساور على المعصمين،
والعقود حول الرقبة، والشريط الأحمر يطوق الجبين، ويتدلى منه الهلال، ثم الضريرة
على الرأس. هذه هي الصورة العامة التي تتم بها "جرتقة العرسان". وقد
تحدثنا من قبل عن نماذجها المستوحاة من إرث الملوك في الشمال والوسط، ولكن هذا لا
يعني أنها تنحصر في هذه المساحة أو تقتصر على سكانها فقط، وهذا ما تكشف عنه
كردفان، إذ نجد الطريقة نفسها متبعة هناك. وقد قدم لنا الأستاذ حسن نجيلة ـــ عليه
الرحمة ـــ وصفاً حياً لتفاصيل أحد الأعراس في بادية الكبابيش، وسأنقل في هذا
الحيز روايته التي تكشف عن مدى التطابق في الأسلوب والمحتوى بين مختلف الجهات
والبيئات والمجتمعات في السودان.
وربما هذا التشابه الدقيق رغم
التباين في الظروف هو الذي أدخل حسن نجيلة في حالة من الحيرة، ودفعه إلى طرح عدد
من التساؤلات التي لم يجد لها إجابة. فهو يبدأ حديثه بوصف ملابس العريس، فيقول:
"كان يرتدي ثياباً جديدة، كلها من الدبلان ناصع البياض، سروالاً طويلاً
وقميصاً تجاوز الركبتين بقليل، وثوباً كاسياً كبيراً يتدلى طرفاه حتى مواطيء
قدميه". ثم ينتقل إلى تفاصيل الجرتق، فيقول: "أن النساء قد ضمخت رأسه
بالضريرة"، ويضيف: "مثلما يحدث عندنا"، وهو يعني بذلك كما يحدث في
أواسط وشمال السودان، أو ربما يعني الأنحاء الأخرى عموماً. ثم يواصل: "لقد
لفوا رأسه بمنديل يتوسطه خرص من الذهب عند الجبهة". وهو بذلك يصف العصابة
التي تُربط حول الرأس ليتدلى منها الهلال. بعدها يتناول بقية المكملات التي تتمثل
في الحريرة والخرزة الخضراء وسوار من الفضة، ثم يلفت النظر إلى معلم تراثي خاص،
حين يصف العريس بقوله: "وعلى عنقه سبحة من اليَسُر الأسود".
وهنا يجدر التوقف عند هذه
المفردة، فسبحة "اليسر" (المرجان الأسود) ليست من تلك الأنواع التي
نستعين بها على ذكر الله عقب كل صلاة ـــ وإن كانت تشبهها ـــ ولكن حباتها أكبر،
في حجم اللالوب تقريباً. وهي بشكل عام عبارة عن عقد أو قلادة، لا تلتزم بعدد معين،
مما يذهب بوظيفتها في إتجاهٍ آخر، فهي من بقايا الماضي، ووجودها في الحياة
السودانية يعود إلى أزمانٍ غابرة، وكانت لها مكانة خاصة لدى "الحبوبات" بغض
النظر عن عقيدتهن. وبطبيعة الحال لها علاقة وثيقة بالمسائل الروحية والغيبية، ولكن
هذا الارتباط تشكل منذ حقب تسبق الأديان المعروفة، لذلك فهي لا تعود بأصلها
للعبادات الحالية، وإنما هي جزء من المورثات التليدة(19).
ونواصل استكمال صورة الجرتق
في كردفان، فنجد ـــ حسب رواية حسن نجيلة ـــ أن العريس يحمل سوط وسيف، وإلى هنا
يبدو التطابق واضح. ثم يدخل في التساؤلات الكبرى عند حديثه عن عظام السمك، فهو
يقول: "ثم جيء بعظمين متصلتين من عظام السمك، ربطتا مع الحريرة في يده بجوار
السوار. وحرت في تعليل هذا التقليد من أين جاء للبدويين، وهم في الصحراء التي لا
يُرى فيها السمك! وقلَّ من بينهم من رآه بعينيه، أن يجعلوا من مراسيم العرس
الأساسية أن يلبس العريس عظمتين متصلتين في وضع خاص معين من عظام السمك؟ وقد عرفت
أن العروس تلبس أيضاً مثلها، مع ما تلبس من حُلي العرس. وقد استحال على كل من سألت
من شيوخ البدويين أن يدلني على مصدر هذه العادة، كل اجاباتهم
أنهم هكذا ورثوا عن آبائهم، وأن العريس والعروس لا يتم (جرتقتهما) إلّا بهاتين
العظمتين من السمك"(20). انتهى توصيف حسن نجيلة وتساؤلاته.
وقد أوضحنا من قبل أن هذه
العظام تعود لأسماك مقدسة، وهذا ما كشفت عنه التنقيبات الأثرية في جبل البركل
ومدافن مروي ونوري، فقد أثبتت هذه الأبحاث أن أسماك النيل ـــ وتحديداً القرقور
والبلطي ـــ كانت تحظى بدرجة من التقديس، فوفقاً للمعتقدات الكوشية كانت ترمز للخصوبة،
والبعث، وتجدد الحياة، والوفرة، وذلك بفضل ارتباطها بفيضان النيل. وبناءً على هذا
التصور، كانت تلبسها النساء كتمائم لحمايتهن من الشرور وجلب البركة والفأل الحسن.
ولكن بغض النظر عن ذلك فإن
الإجابة التي تلقاها حسن نجيلة من أولئك البدو كانت أكثر دقة وأعمق في مدلولها من
أي صيغة أخرى، فهي على بساطتها تعبر عن الاستمرارية الثقافية التي تتحدى الزمن.
فهم لا يعرفون مصدرها، وكل ما يهمهم من الأمر، هو أنهم ورثوا هذا التقليد عن
آبائهم، وليس عليهم أن يعللوه أو يبحثوا له عن أسباب ودوافع، وإنما عليهم الالتزام
به لأنه أصبح جزءاً من أعرافهم الاجتماعية. من هنا تستمد القيم العتيقة القدرة على
الصمود في وجه الزمن، وتظل باستمرار تشكل حلقة وصل بين الماضي والحاضر، في نماذج
حية تسعى بين الناس. وهذا الحضور بدوره يعني أن هذه الموروثات لم تتعرض لتشويش
جراء تدخلات خارجية، فالعادات والتقاليد ظلت كما هي منذ عهد كوش وحتى القرن
الحالي، وهذا يكشف عن أن البنية الديمغرافية لم تتأثر بعناصر أجنبية بالقدر الذي
يمكن أن يحدث فرقاً في المكونات الثقافية. لذلك ما يزال هؤلاء الناس يتبركون بعظام
السمك، رغم أن حياتهم ترتبط بالصحراء، وهم يفعلون ذلك كما كان يفعل أسلافهم الذين
كانوا يعيشون قرب النيل، وهذا تماماً ما جاء في ردهم، حين قالوا: "إنهم هكذا
ورثوه عن آبائهم".
وتوجد عادة الجرتق لدى البجة،
ولكن بصورة مختلفة، وإن كان المقصود منها هو نفس الهدف المتمثل في طلب الحماية
وتحقيق الرفاهية للعرسان. أي إن جانبها الروحي يلتقي مع مقاصدها في بقية أنحاء
السودان، رغم اختلافها عنها في بعض المظاهر. وتسمى لديهم بـ"السنكاب"،
وهي في معظمها تتعلق ببيت الزوجية أكثر من تطبيقها مباشرة على الزوجين أنفسهما، ما
عدا في رمزية واحدة تجعلها متوافقة مع مراسم الجرتق في أنحاء السودان الأخرى.
الجانب المتعلق ببيت الزوجية
يتمثل في إعداد زينة من نباتات وأشياء مختلفة ترتبط بالبيئة الطبيعية والاجتماعية
لسكان الشرق، فهي تتكون من حزمة من الأوراق والأغصان الخضراء، تربط معها نواة
الدوم الصلبة، وترتب في شكل صفوف مع صبغها بألوان مختلفة، ويضاف إليها قطعة صغيرة
من رسن الجمل، وأحذية أطفال تيمناً بأن تنعم الأسرة بالمال والعيال. كل هذه
الأشياء تتولى النساء فقط أمر صنعها وتنسيقها، ثم تعلق عند مدخل الغرفة أو الخيمة،
هذا هو الجزء المتعلق بالسكن.
أما الزينة الشخصية للعرسان
أنفسهم، وهي المظهر الذي يوحد جرتق البجة من بقية أنحاء السودان، فيتمثل في عظمة
السمك، التي تربط بنفس الطريقة على معصم كل من العريس والعروس(21). هذا
بالإضافة للخرز الذي يسمونه "السكسك"، مع الإطار العام للحفل، بما فيه
"الشبَّال" المعروف في معظم أنحاء السودان والمأخوذ من اللغة البجاوية،
فاحتفالهم بهذه المناسبة يسير متوافقاً مع ما اعتاد عليه الناس في بقية المناطق.
أما الحمران في نهر عطبرة، وهم من المندرجين ضمن مجموعات البجة، فإنهم يتبعون نظام
الجرتق المعروف في الوسط، وفقاً لما جاء في قصة تاجوج والمحلق في نسختها الشفاهية(22).
ونعود إلى العظم السمكي الذي
يحتل موقعاً مميزاً في تقاليد الجرتق عبر مساحة واسعة من جغرافيا السودان، فحيثما
اتجهنا، نجده يُربط مع الخرزة الخضراء في الحريرة الحمراء التي تعلق على أيدي
العرسان. إن التمسك بهذا التقليد بين هذه المجتمعات المتباعدة يدل على أنه ليس
عادة عابرة فرضتها ظروف طارئة في بعض الأماكن، وإنما هو نابع من وحدة تاريخية
مشتركة. فإذا كان التعامل مع الأسماك مألوفاً في المناطق النيلية، والروافد
النهرية الأخرى، فإن ذلك لا ينطبق على أصقاع الغرب والشرق، فالكبابيش يندر أن يرى
أحدهم سمكة، كما أن البجة ـــ وحتى وقت قريب ـــ كانوا يعافون أكل الكائنات
المائية، ويتأففون من وجودها بين أطعمتهم، ومع ذلك يحرص هؤلاء في باديتهم، على
اقتناء عظام هذا الحيوان، وأن يكون لها موقع رمزي مميز في مناسباتهم السعيدة.
وهذا يكشف لنا عن مؤشرات واضحة
تدل على أن هذه العادات لم تجد هذا الانتشار الواسع لمجرد الصدفة المحضة، إنما
فرضتها شروط تكمن في بنية عقائدية مشتركة،
ضاربة الجذور في عمق التاريخ. فالرسومات في المعابد والمقابر والصخور تدل على أن
السمك كان من ضمن أيقونات الأديان القديمة في وادي النيل، مما يعني أن هذه
المجموعات التي انتشرت في مساحات السودان الواسعة وفق ضرورات الحياة الرعوية، كانت
في الأصل تعيش تحت مظلة تلك القيم الروحية، وأن هذه المعتقدات رغم اندثارها
النظري، إلا أن رواسبها ظلت باقية في الوجدان، وملموسة في واقع الحياة اليومية.
وهذا بدوره يقودنا إلى منحى
آخر، وهو أن الثقافة التي تؤطر حياة هذه المجتمعات ظلت متوارثة دون انقطاع، لم
تشهد عبر تاريخها الطويل تدخلات مربكة أدت إلى تشويشها أو تشويهها، فبقيت راسخة
رغم انتقال مجموعات سكانية كبيرة من عقيدة إلى أخرى ومن لسان إلى آخر، مما يشير
إلى أن الدين واللغة لم يأتيا على يد مهاجر أجنبي، وإنما كانا خياراً طوعياً في
سياق تبادل المصالح الواسعة مع المحيط العربي. على العموم، ومهما يكن من أمر، فإن
كل هؤلاء الناس وإن تباعدت بينهم المسافات، فإنهم يتفقون على أن أعراسهم لا تكتمل
إلا بطقس الجرتق القديم، باسمه ومكوناته وشعائره. وهذا يشير إلى ماضيهم الموحد،
واستمرارية قيمه من خلال عاداتهم وتقاليدهم، دون أن يظهر عليها اضطراب نتيجة
لتأثيرات ثقافية وافدة، ومن كل هذا، قد يتضح أن الجرتق ليس مجرد طقس يطبق في حفلات
الزفاف، بل شاهد على تاريخ ثقافي مشترك ظل حياً في العقل الجمعي عبر القرون.
المراجع:
1 ـــ محمد عوض
على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 107.
2 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ
1995، ص 19.
3 ـــ إبن حوقل؛ صورة الأرض؛ دار مكتبة الحياة، بيروت ـــ
1992، ص 61.
4 ـــ المقريزي؛ كتاب السلوك؛ الجزء الثاني ـــ القسم الأول؛
القاهرة ـــ 1941، ص 161.
5 ـــ عبد الله الحسن شاور؛ واضح البيان؛ تحقيق: أحمد الأمين
أحمد أبو جماع. ص 13.
6 ـــ تريمنجهام؛
الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود، 2001، ص 178.
7 ـــ تاريخ هيرودوت؛ ترجمة: عبد الإله الملاح؛ أبو ظبي ـــ
2001، ص 166.
8 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ
2002، ص 340.
9 ـــ عبد الله شم
وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 71.
10 ـــ شيني؛ مروي حضارة
سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 35.
11 ـــ شيني؛ مروي حضارة
سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 37.
12 ـــ شيني؛ مروي حضارة
سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى 2017، ص 65.
13 ـــ أسامة عبد
الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 284.
14 ـــ أسامة عبد
الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 563، صورة رقم 22.
15 ـــ أحمد بن
الحاج أبو علي؛ مخطوطة كاتب الشونة، الطبعة الأولى 2009، ص 11.
16 ـــ عون الشريف؛
قاموس اللهجة العامية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 631.
17 ـــ ود ضيف
الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة 2012، ص 168 ه 2.
18 ـــ أسامة عبد
الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 186.
19 ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛ الطبعة
الثالثة ـــ 2015، ص 242.
20 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ
1964، ص 147.
21 ـــ تريمنجهام؛
الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود، 2001، ص 178.
22 ـــ عبد الله الطيب؛ الأحاجي السودانية؛ مطبعة جامعة الخرطوم ـــ 2008، ص 170.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق