الجمعة، 29 مايو 2026

بوتقة التراث

للسودان منظومته الخاصة من القيم والعادات والتقاليد التي تتقاسمها مجموعاته السكانية على امتداد رقعته الجغرافية. هذه الموروثات لا زالت تعيش بين الناس، وتحكم إيقاع الحياة لدى مختلف الكيانات مهما تباعدت بينهم المسافات، وتسري تطبيقاتها بين منطقة وأخرى بصورة متقاربة إن لم تكن متطابقة، هذا الاندياح العريض للمفاهيم المشتركة يدل على أنها ليست نتاج تطورات عابرة، أو وقائع معزولة، إنما هو تراكم عميق بدأت مراحله الأولى عند فجر التاريخ، فأرسى الأساس الذي شكل القاعدة القيمية لسكان معظم ربوع البلاد، لم يقتصر على إقليم دون غيره، أو جماعة دون سواها، وإنما تمدد عبر المدى، ليشمل البقاع الشاسعة من أقصى الشمال إلى تخوم الجنوب، ومن أطراف الشرق إلى حدود الغرب، فصار المرتكز الذي تستند إليه تقاليد مختلف المكونات، والأصل الذي يكشف عن وحدة مصدرها الثقافي، فهذا التمدد الفسيح، والتقارب الوثيق، لا يمكن النظر إليه باعتباره نتاج حدث عشوائي، أو مجرد تشابه تلقائي، أو ممارسات ساقتها الصدف، وإنما هو دليل على هوية تراثية متسقة، تشكلت ملامحها الأولى في أزمنة موغلة في القدم.

وربما بدأت بوادر تلك القيم ترسم خطوطها الأولى على خارطة المجتمع حين تهيأت الظروف للاستقرار السكني حول مواقع التقاء الروافد المائية في الوسط، فيما عرف بـ"حضارة الخرطوم الباكرة" إبان العصر الحجري الوسيط، منذ حوالي ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد(1). في تلك الحقبة ظهرت بوادر التحكم في مصادر الغذاء، أو بداية التحول نحو إنتاج الطعام، تلك النقلة الكبيرة لم تكن حدثاً فجائياً، بل عملية ممتدة سبقتها تغيرات في أساليب الحياة بعد أن توفرت عوامل الاستقرار النسبي. ففي تلك المرحلة، ظهرت المساعي الأولى لمجابهة تقلبات الطبيعة عبر تخزين المؤن، وابتكار نظم أكثر تعقيداً لتأمين الاحتياجات الضرورية، بالتزامن مع إدخال القطعان المدجنة من أبقار وخراف إلى نسيج المجتمع الجديد الآخذ في التشكل(2). ثم تطورت أساليب المعيشة بصورة أكبر في العصر الحجري الحديث مع بدايات الألفية الخامسة قبل الميلاد، حيث ظهرت دلائل أكثر وضوحاً على رعاية الماشية وإنتاج الغذاء، خاصةً في حضارة الشهيناب(3)، بالقرب من شلال السبلوقة، في هذا الموقع عُثر على أقدم أدوات طحن الحبوب "المرحاكة" التي لازمت حياتنا حتى وقتٍ قريب.

ويبدو أن هذا التطور ارتبط بعدة عوامل جوهرية، من بينها التحولات المناخية، وازدياد عدد السكان، وظهور نمط جديد من التنظيم الاجتماعي قائم على الاقتصاد القروي(4). وربما واكب ذلك نوع من التقدم في مجال تقنية زراعة المحاصيل، غير أن هناك من يرى، بصورة غير حاسمة، أن الاعتماد الأول كان لا يزال مرتكزاً على الحبوب البرية. وبصرف النظر عن هذا التباين، فإن الشواهد الأثرية تشير إلى أن السودان، في تلك الفترة المبكرة، قد تمكن من تحقيق نقلة حضارية فارقة، بدأ فيها الإنسان يتحرر نسبياً من الاعتماد الكامل على ما تجود به الطبيعة، ويتجه تدريجياً نحو الاعتماد على نفسه في إنتاج غذائه، بعد أن اكتسب الخبرات الضرورية في مجالي الزراعة وتربية الحيوان.

هذا التحول نحو حياة الاستقرار لم يكن محصوراً في أماكن محددة، وإنما امتد على رقعة شاسعة. فهناك شواهد تدل على ظهوره بشكل متزامن في الكثير من مناطق السودان، حيث عُثر على آثاره في الشرق قرب التاكا، وفي سهول البطانة، فضلاً عن مواقع متعددة حول نهر عطبرة(5)، مثلما تبدت ملامحه في الغرب على امتداد وادي هور. هذا الانتشار الواسع لنمط الحياة المتجانس لا يكشف فحسب عن تقارب في الظروف البيئية، وإنما يدل أيضاً على نوع من التداخل السكاني والترابط الثقافي المبكر بين تلك المجتمعات.

وقد انعكس ذلك بوضوح في المنتجات المادية، حيث تحمل الصناعات الفخارية تصورات مشتركة رغم تناثرها في مساحات شاسعة، وبيئات مختلفة، تمتد ما بين المناطق المتصحرة والنطاقات الغابية، حول الأنهار ومجاري المياه الموسمية وعلى الأراضي المطيرة، في كل هذه الأبعاد المترامية، كانت الأواني الفخارية تشير إلى وجود وحدة في الذوق العام والقيم الثقافية، تحققت بفضل الاتصال المستمر والتداخل الموسع بين سكان هذه البقاع المتباعدة(6)، وقد أسهم ذلك كله في بلورة ملامح حضارية منسجمة تخللت مختلف مناحي الحياة، ببعديها المادي والروحي.

النقلة النوعية في سبل توفير الغذاء أدت إلى ظهور بؤر للحياة القروية، هذه الكيانات الناشئة وضعت اللبنات الأولى للأساس الذي بُنيت عليه قيم المجتمعات المستقرة، فهذا التحول أفرز أنساقاً جديدة من الرؤى والمفاهيم التي تتجاوب مع هذا التطور في نمط الحياة، مما أدى إلى بلورة مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد التي تضبط مسارات التعايش الجماعي.

على هذه القاعدة تشكلت الملامح الفطرية للقيم الاجتماعية والمعتقدات الدينية، التي استمرت في أطوارها الجنينية حتى نهاية العصر الحجري الحديث، إذ شهدت البلاد حينها حراكاً حضارياً نشطاً، تمخض عنه مساق ثقافي متميز، استوعب الكثير من مكتسبات الماضي، ليتخذ شكلاً متناسقاً خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد. وفي هذا المنعطف، بدأت تتبلور المفاهيم الإنسانية التي تخاطب التطلعات الدينية والمتطلبات الدنيوية، ومن بين المادي والروحي تشكل منظور خاص للقيم الجمالية، فصار لها بعد رمزي، وأصبحت الزينة الشخصية تُطبق وفقاً لتقاليد محددة، ولها طقوس في المناسبات المختلفة، تزخر بإيحاءات غيبية تربط الأرض بالسماء.

لقد استفاد الإنسان أولاً من محيطه الطبيعي وبيئته المحلية في تجسيد تصوراته عن الجمال، فاستخدم الحجارة والأخشاب والعظام والأصداف وبيض النعام. ثم أضاف إليها في مراحل لاحقة أنواعاً من المعادن مثل الذهب والفضة والنحاس والبرونز والحديد، فصنع منها المصاغ والحُلي التي تتمثل في العقود والأساور والخواتم وغيرها من أدوات الزينة. ومن الأصباغ الصخرية والنباتية استمد المواد التي تلون الجسد مثل الحنة والمغرة والكحل وغيرها. ومنها كذلك أنتج الروائح العطرية. ومن نفس المصادر ابتكر الرموز التي تعبر عن معتقداته الدينية، من مجسمات ورسوم وتمائم وتعاويذ وأوانٍ وأدوات تستخدم في أداء طقوس التقرب للآلهة. وكل هذه العناصر أصبحت من المكونات الرئيسية للعادات والتقاليد التي لا زالت تشكل الملامح الثقافية المشتركة للمجموعات السكانية في السودان.

لقد أخذت تلك القيم بعداً عميقاً في التطورات السياسية والاجتماعية التي اكتنفت بدايات الحضارة السودانية حين انبثقت الأنماط الباكرة من السلطة المركزية والحكم الملكي، والتي بدأت خطواتها الأولى في قسطل أقصى شمال السودان القديم، ثم انتقلت إلى كرمة، جنوب الشلال الثالث، وفي أعماق ذلك الماضي البعيد انغرست جذور الحاضر، في تلك الرقعة التي احتضنت بوادر الدولة، حيث ملتقى الأذرع الخضراء، يأتيها النيل من الجنوب، وينساب نحوها وادي هور (النيل الأصفر) من أعالي الغرب، يجاوره واديا الملك والمقدم، بينما ينحدر وادي العلاقي من مرتفعات الشرق، ومعه رافداه طرفاوي وإيلي. هناك، عند مجمع المياه، تشكلت تلك الحضارة التي ما زالت نابضة في حياتنا، فقد ظلت محفوظة في سمات "كوش" التي تظهر في الملامح، وتتجلى في الهوية، ويتردد صداها في كل صوت يتعالى حين يجمعنا الفرح، أو تستنهضنا الملمات والأتراح.

كما أسلفت، لقد بدأت الملامح الأولى للتراث السوداني تتشكل منذ أمد بعيد، عند فجر الحضارة، حين بدأت بعض المجتمعات تخطو نحو حياة الاستقرار، مع بوادر تحرر إنسانها من ارتهانه للطبيعة، بعد أن أكسبته التجربة الخبرات الضرورية لإنتاج الغذاء، حينها، بدأت تتبلور النماذج الأولية للقيم التي تحكم تصاريف المجتمع، ثم صقلها الزمن فترسخت أكثر في واقع الحياة واكتسبت القدرة الكافية على البقاء والاستمرار. هذا الإرث العريق ظل صامداً في وجه الحقب، رغم التحولات العميقة التي شهدتها البلاد، وتقلب أهلها بين اللغات والأديان، فمع هذه النقلات الواسعة، إلا أن مسيرة العادات والتقاليد المتوارثة لم تتوقف وتأثيرها لم يضعف. وإن كان تعاقب الزمن قد طمس المعالم التي تدل على أصولها القديمة، مما جعل تفسيرها في نظر الكثير من الناس مبهماً، وبعيداً عن الادراك المباشر.

في ظل هذه الضبابية، ومع تغير الظروف، حاول البعض استغلال هذا الغموض، وإعادة تأويل القيم الموروثة بما يتسق مع النزعات التي بدأت تظهر بين بعض فئات المجتمع، وكانت بداياتها الأولى قد أطلت في عالم السياسة بين الكتل المتصارعة على السيادة، حين رأت الأطراف المتنازعة أن تبني الأصول العرقية والثقافية لمجموعات وافدة يمكن أن يكون أداة فعّالة في توسيع دائرة النفوذ. ومنذ ذلك الحين أصبح الاستثمار في "الهوية" يشكل رأسمال سياسي واجتماعي، فبدأ البعض بالانسلاخ عن جلودهم، والتنكر لسلالاتهم. وهم في درب الهروب اقتلعوا معهم التراث السوداني عن جذوره، وألقوا به حزمة واحدة في حضن الثقافة العربية.

لقد بدأت ظاهرة التنصل من الأصول السودانية أولاً داخل مجتمعات الصفوة، في مرحلة الصراع الدموي التي عايشتها دولة الفونج في أواخر أيامها، وتحديداً بعد أن سيطر الهمج بقيادة محمد أبو لكيلك على مقاليد السلطة في سنار. حينها سعى طرفا النزاع، ولأول مرة في السودان، إلى نفض الغبار عن مخطوطة منسية، سطرها شخص مجهول الهوية(7)، يقال إنه اصطحب عمارة دنقس في بدايات عهد الفونج(8)، وكان يعرف بين الناس بـ"السمرقندي"، وقد سجل في هذه المخطوطة أنساباً للمجموعات السكانية السودانية، ليس لهم بها سابق علم. ثم استُخدمت هذه التصورات العرقية من قبل المجموعة الحاكمة في أواخر عهد هذه الدولة ضمن أدوات صراعهم ضد معارضيهم.

هناك بعض التبريرات للتلفيقات التي جاءت في هذه المخطوطة، إذ يرى البعض أنها كانت تهدف إلى صد الغزو التركي المحتمل في عام 1517، إذ يقال ـــ رغم سذاجة الطرح ـــ إن هذا المكتوب قد حقق كامل أغراضه آنذاك، فتراجع الأتراك حين علموا من خلال هذه الرسالة، أن أهل البلاد ينتمون للعرب ويدينون بالإسلام، هذا هو الدافع وراء تلك الأنساب المختلقة، ولا أدري كيف يمكنها أن تصد غزواً! إذ إن سليم الأول قد اجتاح سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر قبل أن يصل إلى الحدود السودانية، سيطر على كل هذه البلدان دون أن يلتفت إلى أصول ساكنيها أو معتقداتهم، بل وأكثر من ذلك، بسط نفوذه على الحجاز بما فيه أراضي الحرمين، ولم يلق بالاً لتحدرات أهلها من حيث الدين والنسب. ومع ذلك يشاع أنه ارتد عن السودان لأن هناك من أرسل إليه خطاباً يقول له فيه: "إن سكان هذه الأرض عرب ومسلمون(9)"، ثم ينصحه بأن يتقي الله في دينهم الحنيف وأصلهم الشريف، وأن يصرف جنده عن بلادهم، حتى لا يصيبه غضب من رب العزة. فاستجاب لذلك وتخلى عن أطماعه في أن يضم هذه الأرض إلى أملاكه! ولم يفكر الذين روجوا لهذه الحجة الباهتة، أن الذين استباحت جيوش الأتراك ديارهم من قبل، كان انتماؤهم للعرب لا يخالطه شك، واعتناقهم للإسلام لا تشوبه شائبة، ومع ذلك خضعوا للغزاة، ولم تشكل قناعاتهم أو انتماءاتهم رادعاً يحمي أوطانهم من جحافل الجيوش الغاصبة. فكيف تحمي هذه الادعاءات أهل "السلطنة الزرقاء" التي أطلق عليها ساكنوها هذا الاسم تعبيراً عن هويتهم الأصيلة؟

تلك الأنساب التي قيل إنها طرحت لأول مرة في بدايات عهد دولة الفونج، كانت بعيدة عن أذهان الناس، فالقاعدة العريضة من الشعب السوداني في ذلك الوقت لم تكن مشغولة بهذه التصانيف المتوهمة، لذلك لم تجد تلك التلفيقات التي حيكت عن الانتماءات العرقية آذاناً صاغية في حينها، وهو ما كشفت عنه المخطوطات الأقدم التي كتبت في أواخر زمن الفونج، وبدايات العهد التركي، مثل "الطبقات" و"كاتب الشونة". فهذين المصدرين ـــ على الأقل ـــ لم يحفلا بأمر تلك الأنساب المتخيلة. وسوف أستحضر هنا نماذج من كتاب "الطبقات"، الذي جمع فيه "ود ضيف الله" المعلومات المتاحة عن حياة وأعمال أهم رموز تلك الفترة، وعددهم يتجاوز المائتين وسبعين شيخاً، ولم يرد في ترجمة أيٍ منهم أنه سليل جماعات جاءت من خارج السودان، ماعدا فرد واحد، وهو عبد الرحمن بن جابر. وقد ثُبت ذلك الاستثناء استناداً إلى إجازة كتبها بخط يده لتلميذه "إبراهيم ولد أم رابعة"، أشار فيها إلى أصله الجهني، وله الحق في ذلك، لأنه من أحفاد غلام الله بن عايد، وهو من القلائل الذين أتوا إلى السودان في هجرات فردية. وما كان لود ضيف الله أن يذكر تلك المعلومة لولا أنه قد وجدها مدونة في وثيقة أصدرها عبد الرحمن ود جابر بنفسه، أي أنها لم تكن من الأخبار المتداولة بين الناس، وهذا ما جعله يغفل عن ذكر نسب أشقائه الذين كان يعرفهم بالاسم، وأورد لكل منهم ترجمة منفصلة، لم يشر في أي منها إلى أصولهم الوافدة، مما يؤكد أن تلك النعرة العرقية لم تكن قد تشكلت بعد في رحم المجتمع السوداني.

أما بقية الشيوخ، فقد كانوا جميعاً يعتزون بانتمائهم لهذه الأرض، وذلك باعترافهم وبشهادة من عايشهم. ويمكننا أن نتطرق إلى ما جاء في "الطبقات" عن أحدهم كنموذج، وهو "عبد الله ود العجوز"، الذي نوه "ود ضيف الله" بمواقفه المميزة، وأسبغ عليه العديد من الصفات التي ترفع من مرتبته الدينية ومكانته الاجتماعية، إذ قال عنه: "إن الله قد أعطاه القبول التام عند الخاص والعام، وظهرت على يده كرامات وخوارق عادات.. ولم يكن هناك من يجرؤ على معارضته حتى ولو كان ملك الفونج نفسه". ومما يدل على فصاحته وبلاغته ما جاء على لسانه عندما عاتبه البعض على كثرة حلفه بشيخه ومعلمه، وذكروه بأن عليه أن يحلف بالله لا بمربيه. فقال قولته الصوفية الشهيرة: "لولا ربِّي ما رَبَّى المُرَبِّي ولولا المُرَبِّي ما عرفت رَبِّي". هذا قبس مما ذكر عنه، ومنه يتضح أنه كان صاحب مواقف ورؤى، وقد تمتع باحترام أهل زمانه وتقديرهم، ورغم مقامه الرفيع في نظرهم، لم يتنطع ويدع لنفسه أصلاً ينسلخ به عن مجتمعه، بل ظل فخوراً بجذوره من حيث الأصل والوطن.

والقصة التي رُويت عنه تكشف عن عمق انتمائه لأهله وبلده. فقد قيل إن أحد أرقائه واسمه داوود، قال له ذات مرة: "إنت مَاكْ أخير مني". أي أن العبد قال لسيده: "أنت لست بأفضل مني". ولم يستغرب الشيخ عبد الله هذا القول أو يستنكره. ولكن أولاده غضبوا لتلك الجرأة وقرروا معاقبته، فلجأ داوود إلى بعض كبار أهل البلد، فتدخلوا بصفتهم "جودية"، وطلبوا من الشيخ أن يعفو عنه. فسألهم مستفهماً: "هو شِنْ فعل؟"، فقالوا له: "ماقال لك إنت مَاك أخير منه"، فرد عليهم ببساطة: "بأي شيء أخير منه؟ هو أزرق وأنا أزرق، وهو جاء من الغرب وأنا جيت من الغرب (10)".

بهذه الكلمات القاطعة حسم الشيخ المحترم "عبد الله ود العجوز" الحوار بينه وبين الأجاويد، فهو لم ير فيما قاله داوود ما يتطلب العفو، وإنما هي حقيقة يجب الإقرار بها. هكذا كان يرى نفسه دون تطلع إلى انتساب مغشوش، فهو "أزرق" كما هو حال داود، وهو كذلك ابن هذا البلد مثله تماماً. وهذا ما كان عليه حال السودانيين جميعاً في ذلك الحين، كانوا يرون أنفسهم بعضاً من نبت هذه الأرض، لا يقتلع أحدهم جذوره منها ليبحث له عن تربة بديلة، أو يستعير أصولاً وافدة يتنصل بها من انتمائه لأهله. لقد كانوا جميعاً متساوين في إنسانيتهم بغض النظر عن تباين الظروف الاجتماعية، مما يدل على أن الناس في ذلك الوقت لم تظهر بينهم تلك النزعات الناشزة، التي سيطرت على شريحة من المجتمع فيما بعد، وذلك لأن الانتساب الإثني والقبلي في تلك الفترة لم يكن قد تحول بعد إلى أداة ضمن أسلحة الصراع السياسي والاجتماعي.

ولكن في أواخر عهد دولة الفونج بدأت تلوح في الأفق بوادر الاستثمار في الهوية المستوردة تحقيقاً لمكاسب فئوية، حينها أخذت أصوات بعض الجماعات تعلو معلنةً عن أصولها الأجنبية. والغريب في الأمر أن بدايات ظهور هذه الدعاوى كانت مدفوعة بصراع مكشوف بين مكونين من صميم الشعب السوداني، هما "الفونج" و"الهمج"(11). والأكثر غرابة، أن ذلك الصراع قد انطلقت شرارته الأولى من دنقلا(12)، لا من سنار أو أربجي أو أليس. وعلى أية حال، ما طُرح في تلك المعركه السياسية كان بمثابة الخطوة الأولى في مشوار التزييف الطويل، ففي ذلك التحدي أعلن الفونج لأول مرة عن أصلهم الأموي، في مواجهة الادعاء الجديد للهمج بنسبهم العباسي. ثم تطور الأمر بعد ذلك ليبلغ أقصى درجات التطرف مع التدخلات الأجنبية، إبان فترتي الحكم التركي المصري ثم البريطاني المصري، حيث بدأ تأويل الماضي يتخذ شكلاً منهجياً من أجل توظيفه في خدمة الهوية المزعومة، فانتشرت حمى الانتماء إلى الأصول العربية، وتفشت ظاهرة "أشجار النسب" المصطنعة.

وهذا التزوير الاجتماعي الواسع ألقى بظلال كثيفة على القيم والعادات والتقاليد، إذ أُعيد تفسير التراث السوداني برمته ليتناسب مع هذه الهوية المختلقة، فأصبحت المظاهر التقليدية التي تحمل أسماء وسمات موغلة في محليتها الأصلية، مثل الجرتق والبطان والشبال والرحط والسكسك والسوميت والبرش والعنقريب وغيرها، بل حتى المريسة، قد استنبطوا لها تأويلات قسرية تُدرجها عنوة تحت مظلة الثقافة العربية. وكل ذلك غلفوه بغطاء وهمي، اصطلحوا على توصيفه بـ"الهجرات العربية الجماعية". هذا الافتراض الرغائبي، على الرغم من أنه يفتقر إلى المسوغ المنطقي أو السند التاريخي الصريح، فقد حقق انتشاراً واسعاً، بل أصبحت له الغلبة والسيادة.

وعند النظر إلى مزاعم التأثيرات العربية التي أسبغوها على كافة أوجه الحياة في المجتمع، نجدها قد تجاوزت بتعسف واضح كل التاريخ القديم لهذه البلاد، وأسقطت تماماً دور المجموعات السكانية التي عاشت من قبل في هذه الرقعة الجغرافية، وتنكرت للإرث الذي تركه أولئك الأسلاف الذين شيدوا صروحاً مشاهدة على الأرض ونقشوا قيماً راسخة في المجتمع، تظهر فيها بصمة أولئك الذين عاشوا في زمن كرمة ثم نبتة ومروي. ولم تغفل تلك المزاعم المستحدثة، ذلك الدور الضارب في القدم فحسب، بل تخطت في قفزة واسعة الحقبة المسيحية التي شغلت البلاد لألف عام دون انقطاع. فكل هذا الإرث الإنساني العريق تم استبداله نظرياً، وفي برهة قصيرة من الزمن، بقيم جاءت محمولة مع أفواج من المهاجرين الذين تمكنوا في سنوات معدودة ـــ حسب زعمهم ـــ من القضاء على المكونات الثقافية لأهل البلاد الذين تناسلوا على هذه الأرض عبر آلاف السنين. مع أن الواقع يثبت عكس ذلك تماماً، فهذا الادعاء لا نجد له أثراً ملموساً في حياة الناس اليومية، إذ لا نرى له مظهراً واضحاً في لمَّات الأفراح، ولا ملمحاً جلياً في ملمات النكبات والأتراح.

لم يفلح التغافل المتعمد، ومحاولات طمس الهوية في تغييب الحقيقة، لأن أثر الماضي ظل محفوظاً وبقوة في السجل التراثي. إذ بقيت العادات والتقاليد مصانة في نفس قوالبها القديمة، وإن طرأت عليها بعض الخدوش السطحية التي لم تمس جوهرها الأصيل. ولذلك ظلت تتسم بطابعها الخاص الذي يميزها عما تنطوي عليه الثقافات الأخرى بما يجعلها تحمل صفة "سودانية" بامتياز، إذ تحتفظ بمجموعة من المظاهر المتفردة التي لا نجد لها مثيلاً في البلدان المجاورة، أو لدى الشعوب التي نتحدث بلسانها وندين بدينها. وهذا الواقع يدل على أصالتها، ويجذر انتماءها بعمق إلى بيئتها المحلية، التي عايشت مراحل تاريخية ممتدة تشكلت خلالها وحدة تراثية واسعة، لا تزال مفرداتها حاضرة في حياتنا اليومية، دون أن يطغى عليها الزمن، أو تحجبها مفاهيم دخيلة.

ولا يقتصر فعل المؤثرات التراثية على إيقاع الحياة الاجتماعية فقط، بل يمتد أيضاً إلى براحات القيم الروحية فيحدث فيها نوع من المواءمة تدمغها ببصمة من الماضي البعيد، فتأخذ العقيدة طابعاً محلياً نجده في النوبة والطار، وعادات الجرتق، وعرس الكورة، ومراسم كسر التربة. ومن ذلك يتضح أن المجتمع السوداني، ورغم التحولات العميقة التي صاحبت النقلات الواسعة من دينً لآخر ومن لغة لأخرى، فقد ظل محتفظاً بالقسم الأكبر من منظومته القيمية المرتبطة بحضارات سالفة، الأمر الذي يكشف عن تواصل ثقافي ممتد، إذ يظل الماضي يدفع بمساهمات واضحة في تشكيل ملامح الحاضر، وتحديد أبعاد الهوية والانتماء.

وسأحاول هنا التوقف عند بعض هذه التقاليد، ليس من أجل الدراسة والتحليل ـــ فهناك من هم أقدر مني على ذلك ـــ وإنما للوقوف على عمق جذورها في الماضي، ومدى انتشارها في الحاضر. وسأركز في البدء على العادات المرتبطة بـ"طقوس العبور" كمدخل، ومنها ننتقل إلى تناول بقية أنماط القيم الموروثة وتأثيرها على إيقاع الحياة في بعديها المادي والروحي، وسنتعرض لذلك دون إحاطة، وإنما وفقاً لما تيسر لنا من معلومات.

المراجع:

1 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 60.

2 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 186.

3 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 62.

4 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 168.

5 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 64

6 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 66.

7 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الثانى؛ الطبعة الثانية ـــ 2013 ص 11. 

8 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 388.

9 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 91. 

10 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 270.

11 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة في سنار، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 195. 

12 ـــ الشاطر بصيلي؛ معالم تاريخ سودان وادي النيل ـــ 2009، ص 302.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...