الجمعة، 29 مايو 2026

بوتقة التراث

للسودان منظومته الخاصة من القيم والعادات والتقاليد التي تتقاسم ملامحها معظم المجموعات السكانية على امتداد جغرافيته. هذا الاندياح العريض للمفاهيم المشتركة يدل على أنها ليست نتاج تطورات سطحية، وإنما تستند إلى أساس تاريخي عميق الجذور. فهي لا تنكفئ على إقليم محدد أو جماعة بعينها، وإنما تظلل مساحات شاسعة من أقصى الشمال إلى تخوم الجنوب، ومن أطراف الشرق إلى حدود الغرب، وتتلاقى مساراتها وتتفاعل مكوناتها في مختلف المواقع، مما يشير إلى وحدة مصدرها الثقافي، فهذا التمدد الفسيح، والتقارب الوثيق، لا يمكن النظر إليه باعتباره نتاج حدث عشوائي، أو مجرد تشابه تلقائي، أو ممارسات ساقتها الصدف وخلقتها الظروف، وإنما هو دليل على هوية تراثية متجانسة، تشكلت ملامحها الأولى في أزمنة موغلة في القدم.

وربما بدأت تلك القيم تتشكل وتؤدي دوراً أكثر بروزاً وتأثيراً في الواقع الاجتماعي حين تهيأت الأوضاع للاستقرار السكني حول مواقع التقاء الروافد المائية في الوسط، فيما عرف بـ"حضارة الخرطوم الباكرة" إبان العصر الحجري الوسيط، منذ حوالي ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد(1). شهدت تلك المرحلة المحاولات الأولى للتحكم في مصادر الغذاء، وهذا التحول نحو إنتاج الطعام لم يكن حدثاً فجائياً، بل عملية ممتدة سبقتها تغيرات في أساليب الحياة بعد أن توفرت عوامل الاستقرار النسبي. ففي تلك الحقبة، ظهرت المساعي الأولى لمجابهة تقلبات الطبيعة عبر تخزين الطعام، وابتكار نظم أكثر تعقيداً لتأمين الاحتياجات الضرورية، بالتزامن مع إدخال القطعان المدجنة من أبقار وخراف إلى نسيج المجتمع الجديد الآخذ في التشكل(2). ثم تطورت أساليب المعيشة بصورة أكبر في العصر الحجري الحديث مع بدايات الألفية الخامسة قبل الميلاد، حيث ظهرت دلائل أكثر وضوحاً على رعاية الماشية وإنتاج الغذاء، خاصةً في حضارة الشهيناب(3)، بالقرب من شلال السبلوقة، ذلك الموقع الذي عُثر فيه على أدوات لطحن الحبوب تمثل النماذج المبكرة لـ"المرحاكة"، تلك الأداة التقليدية التي ظلت مستخدمة في مجتمعاتنا إلى وقت قريب.

ويبدو أن هذا التطور ارتبط بعدة عوامل جوهرية، من بينها التحولات المناخية، وازدياد عدد السكان، وظهور نمط جديد من التنظيم الاجتماعي قائم على الاقتصاد القروي(4). وربما واكب ذلك نوع من التقدم في مجال تقنية زراعة المحاصيل، غير أن هناك من يرى، بصورة غير حاسمة، أن الاعتماد الأول كان لا يزال مرتكزاً على الحبوب البرية. وبصرف النظر عن هذا التباين، فإن الشواهد الأثرية تشير إلى أن السودان، في تلك الحقبة المبكرة، قد تمكن من تحقيق نقلة حضارية فارقة، حيث تحرر الإنسان نسبياً من الاعتماد الكامل على ما تجود به الطبيعة، لينتقل تدريجياً نحو الاعتماد على نفسه في إنتاج غذائه، مستنداً إلى خبراته المتراكمة ومهاراته المستحدثة في مجالي الزراعة وتربية الحيوان. وكان هذا التحول الجذري بمثابة اللبنات الأولى في بنية الملامح العامة للثقافة السودانية، والتي استمرت أصداؤها تتردد في مجتمعاتنا حتى الوقت الحاضر.

وقد ألقى التحول الذي طرأ على نمط المعيشة بظلاله على العادات والتقاليد، فأنتج أنساقاً جديدة تنسجم مع طبيعة الحياة المستقرة. ولم تكن هذه التطورات محصورة في أماكن محددة، وإنما كانت موزعة جغرافياً على نطاق واسع. فهناك شواهد تدل على ظهورها بشكل متزامن في الكثير من مناطق السودان، حيث عُثر على آثارها في الشرق قرب التاكا، وفي سهول البطانة، فضلاً عن مواقع متعددة حول نهر عطبرة(5)، مثلما تبدت ملامحها في الغرب على امتداد وادي هور. هذا الانتشار الواسع لنمط الحياة المتجانس لا يكشف فحسب عن تقارب في الظروف البيئية، وإنما يدل أيضاً على نوع من التداخل السكاني والترابط الثقافي المبكر بين تلك المجتمعات.

لقد شكلت مرحلة إنتاج الطعام نقلة نوعية في فضاء القيم الاجتماعية والتصورات الذهنية، أفضت إلى بروز مفاهيم وعادات متقاربة، امتدت آثارها لتشمل حتى المبتكرات المادية. ويظهر ذلك جلياً في أسلوب الصناعات الفخارية التي حملت سمات تشكيلية مشتركة رغم تناثرها في مساحات شاسعة، تمتد من مجرى النيل في الوسط، إلى المناطق المفتوحة على جانبيه، نحو الشرق حول الأودية والروافد حتى مرتفعات البحر الأحمر، وإلى الغرب حول مجاري المياه الموسمية والأراضي المطيرة. وفي كل هذه الأبعاد المترامية، كانت الأواني الفخارية تشير إلى وجود وحدة في الذوق العام والقيم الثقافية، تحققت بفضل الاتصال المستمر والتداخل الموسع بين سكان هذه البقاع المتباعدة(6)، وقد أسهم ذلك كله في بلورة ملامح حضارية منسجمة تخللت مختلف مناحي الحياة، ببعديها المادي والروحي.

وكان لتلك الحقبة الباكرة دور بارز في صياغة الملامح الفطرية للحياة الاجتماعية والمعتقدات الدينية، التي استمرت في أطوارها الجنينية حتى نهاية العصر الحجري الحديث، إذ شهدت البلاد حينها حراكاً حضارياً نشطاً، تمخض عنه مساق ثقافي متميز، استوعب الكثير من مكتسبات الماضي، ليتخذ شكلاً متناسقاً خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد. وفي هذا المنعطف، بدأت تتبلور المفاهيم الإنسانية حول المتطلبات الدينية والدنيوية، ومن بين الواقع الحياتي الصلد والتصورات الذهنية المفتوحة، أخذت القيم الجمالية تحتل موقعاً متميزاً في وجدان المجتمع. وعندها غدت للزينة الشخصية عادات وتقاليد محددة المعالم لدى الرجال والنساء وحتى الأطفال، ولها طقوس في المناسبات المختلفة، وبعد رمزي يرتبط بالغيبيات والقوى الخفية، التي كانت تتشكل من بين الخرافة والأسطورة، لتعيد صياغة الرؤى الأولية عن الكون، وبداية الخلق، والوجود والعدم، وتجسدها في أيقونات تعبدية، طُرحت في فضاء فسيح من التصورات المتأرجحة ما بين الواقع الجاثم والغيب الهلامي، وبين المادي المحسوس والروحي الشفاف، لتشكل رمزية الملجأ والملاذ في بيئة مشحونة بالخوف والشك والضياع، تتقاسمها مشاعر الأمل والتفاؤل والرجاء، مع التطلع الدائم إلى سند خارجي يبدد الهواجس ويعزز معاني الحياة ويحقق اليقين. ومن هنا، تعلق الإنسان بكائنات عليا تحلق فوق الطبيعة وتهيمن عليها، فبدأت تتبلور ملامح المعتقدات الدينية في طورها البدائي، وعلى وقع تفاعلها مع الحياة اليومية، تشكلت اللبنات الأولى للقيم الاجتماعية التي وصلت الأرض بالسماء، مثلما حددت روابط التضامن بين الأفراد والجماعات.

إن التحولات التي بدأت تضيف المزيد من التعقيدات إلى البنية العقائدية، كان لها ما يوازيها على مستوى المظهر الاجتماعي. ففي مجال الزينة الشخصية بدأ الإنسان أولاً بالاستفادة من محيطه الطبيعي وبيئته المحلية في إنتاج المواد والأدوات التي تخدم تصوراته عن الجمال، فاستخدم الحجارة والأخشاب والعظام والأصداف وبيض النعام. ثم أضاف إليها في مراحل لاحقة بعض المعادن المنتقاة مثل الذهب والفضة والنحاس والبرونز والحديد. كل هذه المكونات كانت تدخل في صناعة المصاغ والحُلي التي تتمثل في العقود والأساور والخواتم وغيرها من أداوات الزينة. ومن الأصباغ الصخرية والنباتية استمد المواد التي تلون الجسد مثل الحنة والمغرة والكحل وغيرها. ومنها كذلك أنتج الروائح العطرية. ومن نفس المصادر ابتكر الرموز التي تعبر عن معتقداته الدينية، من مجسمات ورسوم وتمائم وتعاويذ وأوانٍ وأدوات تستخدم في أداء طقوس التقرب للآلهة. وكل هذه العناصر أصبحت من المكونات الرئيسية لعاداته وتقاليده عبر الزمن.

لقد أخذت تلك القيم بعداً عميقاً في التطورات السياسية والاجتماعية التي اكتنفت بدايات الحضارة السودانية حين انبثقت الأنماط الباكرة من السلطة المركزية والحكم الملكي، والتي بدأت خطواتها الأولى في قسطل أقصى شمال السودان القديم، ثم انتقلت إلى كرمة، جنوب الشلال الثالث، وفي أعماق ذلك الماضي البعيد انغرست جذور الحاضر، في تلك الرقعة التي احتضنت كوش العريقة، حيث ملتقى الأذرع الخضراء، يتدفق نحوها النيل من الجنوب، ويأتيها وادي هور (النيل الأصفر) من أعالي الغرب، وإلى جواره واديا الملك والمقدم، بينما ينحدر وادي العلاقي من مرتفعات الشرق، ومعه رافداه طرفاوي وإيلي. هناك، عند مجمع المياه، تشكلت تلك الحضارة التي ما زالت نابضة في حياتنا، وظلت هي (كوش التي فينا)، تظهر في الملامح، وتتجلى في الهوية، ويتردد صداها في كل صوت يتعالى حين يجمعنا الفرح، أو تستدعينا الملمات والأتراح.

ومن كل ذلك، قد نخلص إلى أن إنتاج الطعام جعل روح الإنسان تتعلق أكثر بكائنات أثيرية تسكن الفضاء، الأمر الذي شكل منعطفاً في مسيرته الذهنية، وأدى إلى صياغة الكثير من القيم الثقافية المتمثلة في العادات والتقاليد والأعراف. فالخوف الوجودي من تقلبات الطبيعة، والكوارث المتربصة بالحياة، والآفات التي تنذر بهلاك الزرع والنسل، لا يمكن تسكينه إلا بافتراض إرادة كونية تقف في وجه هذه المخاطر وتحد من غلوائها. ومن ثمّ، تخلقت في عوالم الغيب قوى عليا تهيمن على مصير الكائنات، وتضمن التوازن الدقيق بين أسس البقاء والفناء، وتعلقت عليها الآمال في وجود طعام لا ينضب، وأمان لا يتبدد.

لقد تأصلت هذه القناعات الإيمانية في وجدان الإنسان السوداني منذ فجر حضاراته الأولى، ولازمته في حقب التاريخ كافة، إذ إنه رغم التطورات الروحية التي شهدتها البلاد في الفترات المتعاقبة، إلا أن التصورات الأولية للمعتقدات القديمة لم تخفت جذوتها أو يتبدد بريقها. فحتى بعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للبلاد، ظلت الرؤى الفطرية عن الآلهة قابعة في العقل الجمعي، وتُستحضر عند الحاجة لتأدية نفس الوظائف وتحقيق نفس الرجاءات، في توفير مقومات الحياة الآمنة.

والشواهد على ذلك تتكرر عبر الزمن، ففي القرن العاشر الميلادي، التقى الرحالة ابن سليم الأسواني بأحد ضيوف ملك المقرة في عاصمته دنقلا، التي كان أهلها يدينون بالمسيحية. أما هذا الضيف، الذي جاء من بلادٍ تبعد عن النيل مسيرة ثلاثة أهلة، فقد كان لا يزال متمسكاً بمعتقدات أسلافه القديمة. ورغم المسافة الشاسعة وتباين المعتقد، فقد كانت الأواصر الإنسانية أو المصالح الذاتية من القوة بما يكفي لكي تشكل حافزاً لحثه على السير ثلاثة أشهر قمرية للقاء الملك، الذي يبدو جلياً أنه كان يشاطره نفس اللغة، مما قد يشير إلى أن موطن الضيف وإن نأى، لم يكن خارجاً عن النطاق الحضاري للدولة الممتدة.

وقد أورد الأسواني تفاصيل حواره مع الرجل حين سأله عن دينه، فأجابه بيقين فطري: "ربي وربك ورب الملك ورب الناس كلهم واحد"، وعندما استفسر عن مستقره، قال: "في السماء وحده". هكذا عبر عن قناعته بوحدانية الخالق، الذي يفرض إرادته على الجميع بما فيهم الملك الذي كان يرى في نفسه إلهاً في حد ذاته، وكانت رعيته تقدسه وفقاً لهذا المعتقد الموروث، فهو الإله الذي يعيش بينهم. ولكن وعي هذا الضيف أخضع سلطة الملك الأرضية لقوة الإله الأوحد الذي يتحكم في كل شيء من فوق السماوات العلى. أما عن دوره فقال: إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل، ودعوا الله، فيجابون لوقتهم وتُقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا إلى السفح مرة أخرى(7).

هذا هو التصور الكامن وراء وظيفة قوى الغيب. فالجزع الذي يصيب الناس جراء شح الغذاء وانعدام الأمن، هو الذي يلجئهم إلى صعود قمم الجبال، التماساً لموقع أكثر قرباً من السماء، حيث ينادون بخشوع وتضرع علها تفتح أبواب رحمتها فتغيثهم وتفرج كربتهم، بما يشبع جوعهم ويؤمن خوفهم. لقد كان لمرحلة إنتاج الطعام، المرتبطة بظروف الطبيعة، دور في إعادة هيكلة المعتقدات الروحية، إذ نشأت أبعاد ميتافيزيقية عميقة ربطت المادي بالغيبي، وظلت هذه العلاقة قابعة في القناعات السودانية عبر مختلف الحقب، فبالرغم الطابع المسيحي لدين الدولة آنذاك، فإن ذلك لم يمنع هذا الرجل من التعبير عن نمط إيمانه الفطري الذي توارثه عن أجداده الأوائل.

وقد نرى ذلك في رواية "ود ضيف الله"، التي أضاءت جانباً من حكمة "الشيخ إدريس ود الأرباب" حين أشار بعمق إلى أن سد الحاجة المادية هي مدرج الارتقاء الروحي، وذلك عندما توجه إليه "مازري ود التنقار" يطلب منه أن يكشف له عن "اسم الله الأعظم"، الذي إذا دُعِيَ به أجاب. نهض الشيخ مستنداً إلى كتفي كل من ابنه حمد ومازري نفسه، ودخل بهما إلى بيت النار "التُكل"، فوجد الجماعة "يسوطوا الكسرة للضيوف في البُرام". فأقسم قائلاً: وحَاتْ الله وحَاتْ الرسول ما عندي إسم غير هذه المَديدَة(8).

لقد لخص "ود الأرباب" إجابته عن القدرة المطلقة التي يهبها الله لعباده في "الطعام"، والطعام دون سواه. فـ"الكسرة" هي اسم الله الأعظم، وسره الذي يكشف به كل سر. وهذا هو المرتكز القيمي الذي تستند إليه كل المفاهيم المجتمعية حول توفير ضروريات الحياة، وسد احتياجات البشر، وهو المرجع الحاكم للعادات والتقاليد، بما فيها إكرام الضيف وعابر السبيل، من مائدة الشمس في مروي القديمة، إلى إفطار الشوارع في رمضان.

كما أسلفت، لقد بدأت الملامح الأولى للتراث السوداني تتشكل منذ أمد بعيد، عند فجر الحضارة، حين بدأت بعض المجتمعات تخطو نحو حياة الاستقرار، مع بوادر تحرر إنسانها من ارتهانه للطبيعة، بعد أن أكسبته التجربة الخبرات الضرورية لإنتاج الغذاء، حينها، بدأت تتبلور النماذج الأولية للقيم التي تحكم تصاريف المجتمع، ثم صقلها الزمن فترسخت أكثر في واقع الحياة واكتسبت القدرة الكافية على البقاء والاستمرار. هذا الإرث العريق ظل صامداً في وجه الحقب، رغم التحولات العميقة التي شهدتها البلاد، وتقلب أهلها بين اللغات والأديان، فمع هذه النقلات الواسعة، إلا أن مسيرة العادات والتقاليد المتوارثة لم تتوقف وتأثيرها لم يضعف. وإن كان تعاقب الزمن قد طمس المعالم التي تدل على أصولها القديمة، مما جعل تفسيرها في نظر الكثير من الناس مبهماً، وبعيداً عن الادراك المباشر.

في ظل هذه الضبابية، ومع تغير الظروف، حاول البعض استغلال هذا الغموض، وإعادة تأويل القيم الموروثة بما يتسق مع النزعات التي بدأت تظهر بين بعض فئات المجتمع، وكانت بداياتها الأولى قد أطلت في عالم السياسة بين الكتل المتصارعة على السيادة، حين رأت الأطراف المتنازعة أن تبني الأصول العرقية والثقافية لمجموعات وافدة يمكن أن يكون أداة فعّالة في توسيع دائرة النفوذ. ومنذ ذلك الحين أصبح الاستثمار في "الهوية" يشكل رأسمال سياسي واجتماعي، فبدأ البعض بالانسلاخ عن جلودهم، والتنكر لسلالاتهم. وهم في درب الهروب اقتلعوا معهم التراث السوداني عن جذوره، وألقوا به حزمة واحدة في حضن الثقافة العربية.

لقد بدأت ظاهرة التنصل من الأصول السودانية أولاً داخل مجتمعات الصفوة، في مرحلة الصراع الدموي التي عايشتها دولة الفونج في أواخر أيامها، وتحديداً بعد أن سيطر الهمج بقيادة محمد أبو لكيلك على مقاليد السلطة في سنار. حينها سعى طرفا النزاع، ولأول مرة في السودان، إلى نفض الغبار عن مخطوطة منسية، سطرها شخص مجهول الهوية(9)، يقال إنه اصطحب عمارة دنقس في بدايات عهد الفونج(10)، وكان يعرف بين الناس بـ"السمرقندي"، وقد سجل في هذه المخطوطة أنساباً للمجموعات السكانية السودانية، ليس لهم بها سابق علم. ثم استُخدمت هذه التصورات العرقية من قبل المجموعة الحاكمة في أواخر عهد هذه الدولة ضمن أدوات صراعهم ضد معارضيهم.

هناك بعض التبريرات للتلفيقات التي جاءت في هذه المخطوطة، إذ يرى البعض أنها كانت تهدف إلى صد الغزو التركي المحتمل في عام 1517، إذ يقال ـــ رغم سذاجة الطرح ـــ إن هذا المكتوب قد حقق كامل أغراضه آنذاك، فتراجع الأتراك حين علموا من خلال هذه الرسالة، أن أهل البلاد ينتمون للعرب ويدينون بالإسلام، هذا هو الدافع وراء تلك الأنساب المختلقة، ولا أدري كيف يمكنها أن تصد غزواً! إذ إن سليم الأول قد اجتاح سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر قبل أن يصل إلى الحدود السودانية، سيطر على كل هذه البلدان دون أن يلتفت إلى أصول ساكنيها أو معتقداتهم، بل وأكثر من ذلك، بسط نفوذه على الحجاز بما فيه أراضي الحرمين، ولم يلق بالاً لتحدرات أهلها من حيث الدين والنسب. ومع ذلك يشاع أنه ارتد عن السودان لأن هناك من أرسل إليه خطاباً يقول له فيه: "إن سكان هذه الأرض عرب ومسلمون"(11)، ثم ينصحه بأن يتقي الله في دينهم الحنيف وأصلهم الشريف، وأن يصرف جنده عن بلادهم، حتى لا يصيبه غضب من رب العزة. فاستجاب لذلك وتخلى عن أطماعه في أن يضم هذه الأرض إلى أملاكه! ولم يفكر الذين روجوا لهذه الحجة الباهتة، أن الذين استباحت جيوش الأتراك ديارهم من قبل، كان انتماؤهم للعرب لا يخالطه شك، واعتناقهم للإسلام لا تشوبه شائبة، ومع ذلك خضعوا للغزاة، ولم تشكل قناعاتهم أو انتماءاتهم رادعاً يحمي أوطانهم من جحافل الجيوش الغاصبة. فكيف تحمي هذه الادعاءات أهل "السلطنة الزرقاء" التي أطلق عليها ساكنوها هذا الاسم تعبيراً عن هويتهم الأصيلة؟

تلك الأنساب التي قيل إنها طرحت لأول مرة في بدايات عهد دولة الفونج، كانت بعيدة عن أذهان الناس، فالقاعدة العريضة من الشعب السوداني في ذلك الوقت لم تكن مشغولة بهذه التصانيف المتوهمة، لذلك لم تجد تلك التلفيقات التي حيكت عن الانتماءات العرقية آذاناً صاغية في حينها، وهو ما كشفت عنه المخطوطات الأقدم التي كتبت في أواخر زمن الفونج، وبدايات العهد التركي، مثل "الطبقات" و"كاتب الشونة". فهذين المصدرين ـــ على الأقل ـــ لم يحفلا بأمر تلك الأنساب المتخيلة. وسوف أستحضر هنا نماذج من كتاب "الطبقات"، الذي جمع فيه "ود ضيف الله" المعلومات المتاحة عن حياة وأعمال أهم رموز تلك الفترة، وعددهم يتجاوز المائتين وسبعين شيخاً، ولم يرد في ترجمة أيٍ منهم أنه سليل جماعات جاءت من خارج السودان، ماعدا فرد واحد، وهو عبد الرحمن بن جابر. وقد ثُبت ذلك الاستثناء استناداً إلى إجازة كتبها بخط يده لتلميذه "إبراهيم ولد أم رابعة"، أشار فيها إلى أصله الجهني، وله الحق في ذلك، لأنه من أحفاد غلام الله بن عايد، وهو من القلائل الذين أتوا إلى السودان في هجرات فردية. وما كان لود ضيف الله أن يذكر تلك المعلومة لولا أنه قد وجدها مدونة في وثيقة أصدرها عبد الرحمن ود جابر بنفسه، أي أنها لم تكن من الأخبار المتداولة بين الناس، وهذا ما جعله يغفل عن ذكر نسب أشقائه الذين كان يعرفهم بالاسم، وأورد لكل منهم ترجمة منفصلة، لم يشر في أي منها إلى أصولهم الوافدة، مما يؤكد أن تلك النعرة العرقية لم تكن قد تشكلت بعد في رحم المجتمع السوداني.

أما بقية الشيوخ، فقد كانوا جميعاً يعتزون بانتمائهم لهذه الأرض، وذلك باعترافهم وبشهادة من عايشهم. ويمكننا أن نتطرق إلى ما جاء في "الطبقات" عن أحدهم كنموذج، وهو "عبد الله ود العجوز"، الذي نوه "ود ضيف الله" بمواقفه المميزة، وأسبغ عليه العديد من الصفات التي ترفع من مرتبته الدينية ومكانته الاجتماعية، إذ قال عنه: "إن الله قد أعطاه القبول التام عند الخاص والعام، وظهرت على يده كرامات وخوارق عادات.. ولم يكن هناك من يجرؤ على معارضته حتى ولو كان ملك الفونج نفسه". ومما يدل على فصاحته وبلاغته ما جاء على لسانه عندما عاتبه البعض على كثرة حلفه بشيخه ومعلمه، وذكروه بأن عليه أن يحلف بالله لا بمربيه. فقال قولته الصوفية الشهيرة: "لولا ربِّي ما رَبَّى المُرَبِّي ولولا المُرَبِّي ما عرفت رَبِّي". هذا قبس مما ذكر عنه، ومنه يتضح أنه كان صاحب مواقف ورؤى، وقد تمتع باحترام أهل زمانه وتقديرهم، ورغم مقامه الرفيع في نظرهم، لم يتنطع ويدع لنفسه أصلاً ينسلخ به عن مجتمعه، بل ظل فخوراً بجذوره من حيث الأصل والوطن.

والقصة التي رُويت عنه تكشف عن عمق انتمائه لأهله وبلده. فقد قيل إن أحد أرقائه واسمه داوود، قال له ذات مرة: "إنت مَاكْ أخير مني". أي أن العبد قال لسيده: "أنت لست بأفضل مني". ولم يستغرب الشيخ عبد الله هذا القول أو يستنكره. ولكن أولاده غضبوا لتلك الجرأة وقرروا معاقبته، فلجأ داوود إلى بعض كبار أهل البلد، فتدخلوا بصفتهم "جودية"، وطلبوا من الشيخ أن يعفو عنه. فسألهم مستفهماً: "هو شِنْ فعل؟"، فقالوا له: "ماقال لك إنت مَاك أخير منه"، فرد عليهم ببساطة: "بأي شيء أخير منه؟ هو أزرق وأنا أزرق، وهو جاء من الغرب وأنا جيت من الغرب"(12).

بهذه الكلمات القاطعة حسم الشيخ المحترم "عبد الله ود العجوز" الحوار بينه وبين الأجاويد، فهو لم ير فيما قاله داوود ما يتطلب العفو، وإنما هي حقيقة يجب الإقرار بها. هكذا كان يرى نفسه دون تطلع إلى انتساب مغشوش، فهو "أزرق" كما هو حال داود، وهو كذلك ابن هذا البلد مثله تماماً. وهذا ما كان عليه حال السودانيين جميعاً في ذلك الحين، كانوا يرون أنفسهم بعضاً من نبت هذه الأرض، لا يقتلع أحدهم جذوره منها ليبحث له عن تربة بديلة، أو يستعير أصولاً وافدة يتنصل بها من انتمائه لأهله. لقد كانوا جميعاً متساوين في إنسانيتهم بغض النظر عن تباين الظروف الاجتماعية، مما يدل على أن الناس في ذلك الوقت لم تظهر بينهم تلك النزعات الناشزة، التي سيطرت على شريحة من المجتمع فيما بعد، وذلك لأن الانتساب الإثني والقبلي في تلك الفترة لم يكن قد تحول بعد إلى أداة ضمن أسلحة الصراع السياسي والاجتماعي.

ولكن في أواخر عهد دولة الفونج بدأت تلوح في الأفق بوادر الاستثمار في الهوية المستوردة تحقيقاً لمكاسب فئوية، حينها أخذت أصوات بعض الجماعات تعلو معلنةً عن أصولها الأجنبية. والغريب في الأمر أن بدايات ظهور هذه الدعاوى كانت مدفوعة بصراع مكشوف بين مكونين من صميم الشعب السوداني، هما "الفونج" و"الهمج"(13). والأكثر غرابة، أن ذلك الصراع قد انطلقت شرارته الأولى من دنقلا(14)، لا من سنار أو أربجي أو أليس. وعلى أية حال، ما طُرح في تلك المعركه السياسية كان بمثابة الخطوة الأولى في مشوار التزييف الطويل، ففي ذلك التحدي أعلن الفونج لأول مرة عن أصلهم الأموي، في مواجهة الادعاء الجديد للهمج بنسبهم العباسي. ثم تطور الأمر بعد ذلك ليبلغ أقصى درجات التطرف مع التدخلات الأجنبية، إبان فترتي الحكم التركي المصري ثم البريطاني المصري، حيث بدأ تأويل الماضي يتخذ شكلاً منهجياً من أجل توظيفه في خدمة الهوية المزعومة، فانتشرت حمى الانتماء إلى الأصول العربية، وتفشت ظاهرة "أشجار النسب" المصطنعة.

وهذا التزوير الاجتماعي الواسع ألقى بظلال كثيفة على القيم والعادات والتقاليد، إذ أُعيد تفسير التراث السوداني برمته ليتناسب مع هذه الهوية المختلقة، فأصبحت المظاهر التقليدية التي تحمل أسماء وسمات موغلة في محليتها الأصلية، مثل الجرتق والبطان والشبال والرحط والسكسك والسوميت والبرش والعنقريب وغيرها، بل حتى المريسة، قد استنبطوا لها تأويلات قسرية تُدرجها عنوة تحت مظلة الثقافة العربية. وكل ذلك غلفوه بغطاء وهمي، اصطلحوا على توصيفه بـ"الهجرات العربية الجماعية". هذا الافتراض الرغائبي، على الرغم من أنه يفتقر إلى المسوغ المنطقي أو السند التاريخي الصريح، فقد حقق انتشاراً واسعاً، بل أصبحت له الغلبة والسيادة.

وعند النظر إلى مزاعم التأثيرات العربية التي أسبغوها على كافة أوجه الحياة في المجتمع، نجدها قد تجاوزت بتعسف واضح كل التاريخ القديم لهذه البلاد، وأسقطت تماماً دور المجموعات السكانية التي عاشت من قبل في هذه الرقعة الجغرافية، وتنكرت للإرث الذي تركه أولئك الأسلاف الذين شيدوا صروحاً مشاهدة على الأرض ونقشوا قيماً راسخة في المجتمع، تظهر فيها بصمة أولئك الذين عاشوا في زمن كرمة ثم نبتة ومروي. ولم تغفل تلك المزاعم المستحدثة، ذلك الدور الضارب في القدم فحسب، بل تخطت في قفزة واسعة الحقبة المسيحية التي شغلت البلاد لألف عام دون انقطاع. فكل هذا الإرث الإنساني العريق تم استبداله نظرياً، وفي برهة قصيرة من الزمن، بقيم جاءت محمولة مع أفواج من المهاجرين الذين تمكنوا في سنوات معدودة ـــ حسب زعمهم ـــ من القضاء على المكونات الثقافية لأهل البلاد الذين تناسلوا على هذه الأرض عبر آلاف السنين. مع أن الواقع يثبت عكس ذلك تماماً، فهذا الادعاء لا نجد له أثراً ملموساً في حياة الناس اليومية، إذ لا نرى له مظهراً واضحاً في لمَّات الأفراح، ولا ملمحاً جلياً في ملمات النكبات والأتراح.

لم يفلح التغافل المتعمد، ومحاولات طمس الهوية في تغييب الحقيقة، لأن أثر الماضي ظل محفوظاً وبقوة في السجل التراثي. إذ بقيت العادات والتقاليد مصانة في نفس قوالبها القديمة، وإن طرأت عليها بعض الخدوش السطحية التي لم تمس جوهرها الأصيل. ولذلك ظلت تتسم بطابعها الخاص الذي يميزها عما تنطوي عليه الثقافات الأخرى بما يجعلها تحمل صفة "سودانية" بامتياز، إذ تحتفظ بمجموعة من المظاهر المتفردة التي لا نجد لها مثيلاً في البلدان المجاورة، أو لدى الشعوب التي نتحدث بلسانها وندين بدينها. وهذا الواقع يدل على أصالتها، ويجذر انتماءها بعمق إلى بيئتها المحلية، التي عايشت مراحل تاريخية ممتدة تشكلت خلالها وحدة تراثية واسعة، لا تزال مفرداتها حاضرة في حياتنا اليومية، دون أن يطغى عليها الزمن، أو تحجبها مفاهيم دخيلة.

ولا يقتصر فعل المؤثرات التراثية على إيقاع الحياة الاجتماعية فقط، بل يمتد أيضاً إلى براحات القيم الروحية فيحدث فيها نوع من المواءمة تدمغها ببصمة من الماضي البعيد، فتأخذ العقيدة طابعاً محلياً نجده في النوبة والطار، وعادات الجرتق، وعرس الكورة، ومراسم كسر التربة. ومن ذلك يتضح أن المجتمع السوداني، ورغم التحولات العميقة التي صاحبت النقلات الواسعة من دينً لآخر ومن لغة لأخرى، فقد ظل محتفظاً بالقسم الأكبر من منظومته القيمية المرتبطة بحضارات سالفة، الأمر الذي يكشف عن تواصل ثقافي ممتد، إذ يظل الماضي يدفع بمساهمات واضحة في تشكيل ملامح الحاضر، وتحديد أبعاد الهوية والانتماء.

وسأحاول هنا التوقف عند بعض هذه التقاليد، ليس من أجل الدراسة والتحليل ـــ فهناك من هم أقدر مني على ذلك ـــ وإنما للوقوف على عمق جذورها في الماضي، ومدى انتشارها في الحاضر. وسأركز في البدء على العادات المرتبطة بـ"طقوس العبور" كمدخل، ومنها ننتقل إلى تناول بقية أنماط القيم الموروثة وتأثيرها على إيقاع الحياة في بعديها المادي والروحي، وسنتعرض لذلك دون إحاطة، وإنما وفقاً لما تيسر لنا من معلومات.

المراجع:

1 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 60.

2 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 186.

3 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 62.

4 ــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 168.

5 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 64

6 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 66.

7 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 357.

8 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 361.

9 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الثانى؛ الطبعة الثانية ـــ 2013 ص 11

10 ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛ بيروت ـــ 1967، ص 388.

11 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 91

12 ــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 270.

13 ـــ سبولدنق؛ عصر البطولة، ترجمة: أحمد المعتصم، الطبعة الثالثة ـــ 2017، ص 195

14 ـــ الشاطر بصيلي؛ معالم تاريخ سودان وادي النيل ـــ 2009، ص 302

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...