الجمعة، 29 مايو 2026

تقاليد الولادة

لحظة الولادة هي العبور الأول للإنسان من مرحلة في حياته إلى أخرى أكثر اتساعاً، حيث ينتقل من رحم الأم إلى حضنها. فتضمه إلى صدرها، بعد رحلة طويلة امتدت لأشهر من الانتظار والترقب والقلق، خضعت فيها للكثير من الإجراءات الوقائية المتمثلة في مجموعة من القيود والمحاذير التي تهدف في نهاية الأمر لضمان سلامتها وحماية جنينها من أي مؤثرات سلبية أو أضرار قد تأتي من بيئتها المحيطة. هذا البعد الروحي والاجتماعي أفرز منظومة متكاملة من الشروط والضوابط التي تبدأ مع المؤشرات الأولى للحمل، حينها تجد الأم نفسها محاطة بجملة من التعليمات الصارمة، والتوجيهات التي تشرف عليها "الحبوبات" بحرص بالغ، باعتبارهن صاحبات الخبرة والتجربة في التعامل مع تفاصيل الحياة بأبعادها المشاهدة والخفية.

في المراحل الأولى، وعندما يبلغ الجنين عمر معين، تُثبت في شعر الحامل إبرة تربط بها قطعة من الحرير الأحمر، لتظل عالقة برأسها إلى أن تضع مولودها. هذا "العمل" يحمل رمزية ثقافية متجذرة في التراث السوداني، إذ كان يُعتقد أن الحديد المتمثل في الإبرة، واللون الأحمر الذي تصطبغ به الحريرة، يشكلان حرز منيع يحصن الأم وجنينها من العين والحسد، ويوفر لهما الحماية من أي أذى محتمل قد تسببه القوى الخفية. ورغم الطابع الغيبي لهذه العملية، إلا أن لها تأثيرات إيجابية على الحالة النفسية للأم، إذ تمنحها شعور بالأمان والدعم والطمأنينة في فترة حملها المشحونة بالقلق والتوتر على ما قد تأتي به الأقدار. مما يعني أن المسألة لم تكن مجرد خرافة!

ثم هناك طقوس أخرى يجب على الحامل أن تؤديها في مواقيت محددة، منها إعداد عصيدة من الذرة، على نية تقديمها للنيل، في تعبير رمزي عن الامتنان وطلب العون من قوى الطبيعة، فبعد تجهيزها تتوجه مع رفيقاتها إلى النهر، وتلقي بالتقدمة في الماء وهي تتضرع راجيةً أن تمنّ عليها الآلهة بولادة سهلة خالية من المخاطر(1). وفي الشهر السابع من الحمل تُقدم ذبيحة تعرف بـ"كرامة السبعة". وهي عبارة عن قربان لاسترضاء الأرواح الأثيرية، حتى تصد الأذى عن الأم، وتحيط الجنين برعايتها وحمايتها إلى أن يخرج بالسلامة، ويطل على الحياة موفور الصحة والعافية.

ومن عمق هذه الرؤى الغيبية، تشكلت مصفوفة من التقاليد التي تحكم مسار الحياة، وينعكس ذلك في احتفاء الأسر السودانية بقدوم المولود الجديد، فهناك شروط ينبغي الالتزام بها دون إهمال أو تهاون، نظراً لما قد يترتب عليها من عواقب في حالة الإخلال أو التقصير. وبناءً على ذلك، فما أن تنحل الأم بالسلامة، حتى يخضع الرضيع لسلسلة من الطقوس، ومن أهمها الجرتق، بمكوناته المتنوعة، من ضريرة وخمرة وخرز، وحريرة، وسوميت وعظمة السمك، وجملة من التعاويذ والتمائم، من بينها "خاتم النص" المصنوع من ذهب الجنيه، ومعه حرز يعرف بـ"الحراسة"(2)، وتبدو هذه المكونات مجتمعة ذات أصول تراثية مغرقة في القدم، ولعل بعضها يجسد قيم أكثر من مرحلة، فالحراسة على سبيل المثال، قد تكون امتداد لرموز وقائية قديمة، أعيد تفسيرها وتوظيفها في سياقات لاحقة، فأصبحت حجاب يكتبه الفكي، كنوع من التكيّف الثقافي مع التحولات العقائدية.

وهكذا يبدو هذا الطقس في مجمله منحدراً من معتقدات سادت في أزمان سالفة، ولا تزال آثارها باقية في الوعي الجمعي، وإن سقطت مسوغاتها الأصلية عن الذاكرة. وهي كتقليد اجتماعي راسخ، تفرض على الأهل أن يتبعوا نهج معين في تزيين المولود، حمايةً له ولأمه من  الأخطار المحتملة. ورغم أن الكثيرين لا يقفون على أبعادها الزمانية، إلا أنها استمرّت بوصفها جزءاً من التقاليد المتوارثة، تُؤدى بقداسة تشبه الشعائر الدينية، يخضع تطبيقها لترتيب جاد ومنظم، دون تساؤل حقيقي عن منشئها الأول.

استمرار هذه الممارسة يعني أنها ظلت مستبطنة في منظومة القيم الاجتماعية ضمن مفاهيم تشكلت في بيئات قديمة، وفقاً لتصورات أهل ذلك الزمان عن الكون والحياة. فمن الواضح أن هذه التقاليد بما فيها "الجرتق" بمسماه وعناصره وكيفية أدائه، تنحدر من عادات الماضي البعيد، ولعل ملامحه الأولى تشاهد في جداريات معابد "كوش"، حيث عرفت الرموز الوقائية، واستخدام التمائم والخرز. غير أن هذا الطقس عبر تحولاته التاريخية الطويلة، خضع لتعديلات وتكيفات بنيوية، جعلته منسجماً مع المعتقدات السائدة اليوم، أو غير متعارض معها على أقل تقدير. ومع ذلك لا يزال يتبع نفس المسار القديم، ويستخدم لتحقيق ذات الأغراض المستهدفة، والمتمثلة في درء الشر والضرر، وجلب الخير والبركة.

ومن المعروف أن الجرتق من الطقوس المعقدة التي يخضع لها الإنسان في النقلات المفصلية من حياته، غير أن تطبيقه في حالة المواليد يأتي ميسراً ومبسطاً، فتأخذ منه بعض عناصره الرئيسية، مثل الضريرة التي تنثر على الرأس، مع الخرز والتمائم حول المعصم والعنق، بجانب الحريرة وعظم السمك وبقية المكملات. وفي المحصلة، يمثل هذا الطقس أولى محطات الاحتفاء بالقادم الجديد، حيث يُستقبل لا بوصفه فرداً فحسب، بل باعتباره امتداداً حياً لذاكرة ثقافية متجذّرة في عمق التاريخ. وإذا نظرنا إلى العناصر المكونة للجرتق يبدو واضحاً أنها تعود إلى حقبٍ غابرة، فهو في إطار الاحتفال بالمولود يجسد انصهاراً فريداً بين المعتقدات  الشعبية، والرموز الثقافية، والأبعاد الدينية، في توليفة تهدف أساساً إلى إبطال مفعول الحسد والعين، ودحر الأرواح الشريرة، حمايةً للمولود والأم.

ويُعزى إلى مفعول مكونات "الجرتق" مجتمعة القدرة على دفع النحس والشؤم وجلب اليمن والفأل الحسن، فمثلاً الضريرة يقال إنها تعمل على طرد الكائنات الغيبية المؤذية التي تنفر من رائحتها الزكية، كما أنها تجلب الخير والنعيم. والخرزة تهدف إلى نفس الغرض، فهي تستخدم للحماية من العين والحسد. وكذلك الحريرة فهي تقيل العثرات وتمد في العمر، بينما تأتي عظمة السمك باليسر والرزق الوفير الذي يفيض به البحر، أما خاتم ذهب الجنيه فيحمل دلالة مادية وروحية معاً، فهو من علامات الثراء وغنى النفس.

إذا نظرنا إلى طبيعة هذه الرموز، وما تحمله من معانٍ، وما ترمي إليه من أهداف، نلحظ بوضوح أنها تدور في فلك بعيد كل البعد عن محور البنية الفكرية والعقائدية السائدة في الوقت الحاضر، فالخرزة والحريرة وعظمة السمك والسوميت وغيرها من العناصر، لا يبدو أنها تحمل في حد ذاتها مدلولاً خاصاً في عالم اليوم، إذ لا يمكن إدراجها بأي حالٍ من الأحوال ضمن القيم الدينية أو المفاهيم المجتمعية التي يسير عليها الناس في الوقت الراهن، ومع ذلك نجدها دائمة الحضور في مختلف المحافل، كما أن تأثيراتها تسري على الجميع، فهي لا تفرق بين ذكر وأنثى، حيث يخضع الكل لطقوسها التي يُعتقد أنها توفر الحماية والسلامة، لذلك تُطبق على الرجل والمرأة على حدٍ سواء، فكلاهما يرتدي العقود والأساور، ويتزين بالحنة والكحل، ويتعطر بالخمرة والضريرة، وجميعها مستوحاة من عالم النساء، وهذا يعود بها إلى قيم الماضي البعيد، لذا فهذه المظاهر من صميم السمات المحلية الخالصة، مما ينفي علاقتها بأي ثقافة وافدة، ويؤكد عمق ارتباطها بالموروثات القديمة.

المراجع:

1 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 109.

2 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 132.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...