الجمعة، 29 مايو 2026

العقود

تحمل كلمة "عقد" في العربية أكثر من دلالة، فقد يُقصد بها "العقد" بفتح العين، وهو الوثيقة التي يحررها المأذون لاثبات الحقوق الزوجية، ولا خلاف في عروبة هذا المعنى. أما "العِقد" بكسر العين، فيشير إلى القلادة التي تلبس حول العنق، ونسبتها إلى ثقافة بعينها مجافٍ للواقع، لأن الحلي من هذا النوع عرفت لدى معظم شعوب العالم، أن لم يكن جميعها. وقد كان للسودان سبق واضح في هذا المجال، حيث تكشف الرسومات والمجسمات في المعابد القديمة ـــ قبل آلاف السنين ـــ عن حضور عريق ومتجذر للعقود والسلاسل، بأشكال وأنماط متنوعة، وعليه، فإن الزعم بأن هذه المصوغات من مستجلبات العرب لا يعدو كونه قولاً مطلوقاً على عواهنه، فتعاملهم معها لا يعدو غيرهم، فهي لم تكن حكراً عليهم حتى نحيلها حصراً لثقافتهم.

وعند تتبع تاريخ هذه الحُلي في السودان، نجد لها حضوراً لافتاً منذ أقدم الأزمنة، فقد عثر على خرزاتها شمال الخرطوم، بالقرب من شلال السبلوقة، في موقع السقاي، وتعود إلى العصر الحجري الوسيط(1)، بينما تعود النماذج التي أكتشفت في الشهيناب إلى العصر الحجري الحديث(2)، وكان الخرز الذي تتشكل منه هذه العقود يصنع من قشر بيض النعام، في دلالة على مهارة مبكرة في استغلال المواد المحلية وتحويلها إلى أدوات زينة ذات قيمة اجتماعية وجمالية.

هذه المكتشفات كانت مثار اهتمام علماء الآثار، فحظيت بتوثيقٍ دقيق، وأخذت بعض نماذجها لتعرض في متاحف العالم، من أجل عكس الماضي الحضاري لهذه البلاد. ولعل من أقدمها تلك العقود التي تعود إلى بدايات العصر الحجري الوسيط، ما بين 7500 و7000 سنة قبل الميلاد، وقد عثر عليها في مقابر تقع على بعد حوالي خمسة عشر كيلومتراً جنوب الشلال الثالث بالقرب من كرمة. في تلك المنطقة عثرت إحدى البعثات الأثرية على كميات كبيرة من هذه العقود، فقد وجد جثمان لامرأة في أحد المدافن، وبجانب رأسها ما يقارب الألف خرزة، ولذلك رجح الباحثون أنها ربما كانت عبارة عن تشكيل شبكي يستخدم للإحاطة بالشعر(3). ولكن مهما كان تفسيرها فهي سلاسل من الخرز صنعت في الأصل من أجل الزينة الشخصية.

كما كشف في موقع آخر عن كميات كبيرة من الخرز المصنوع من بيض النعام، منها ما هو مكتمل التشكيل، وبعضها لا يزال في مراحل التشطيب، فيما وجدت قطع أخرى لم تثقب بعد، مما دفع بالباحثين إلى الاعتقاد بأن هذا الموقع كان ورشة مخصصة لصناعة العقود، الأمر الذي يكشف عن معرفة تقنية مبكرة بصناعة الحُلي، وعن حضور راسخ لهذه الزينة في المجتمع السوداني منذ عصور سحيقة.

صورة لعقود سودانية من العصر الحجري

كذلك عثر على عقود بيض النعام ضمن مقتنيات أهل كرمة قبل قرابة خمسة آلاف عام، وفي تلك الحقبة وجدت بكثرة في قبور الأطفال، وكانت تربط كسلاسل حول الخصر. وقد تكرر هذا المنظر في الفترة الكوشية ثم النوبية(4)، وهي عادة ظلت قيد الممارسة حتى وقت قريب في كثير من أرياف السودان، حيث ترى الطفل وهو عارٍ وقد أحاط هذا العقد بخصره. وفي هذه الفترات المتأخرة استبدل قشر البيض بمواد أخرى مثل الخرز والسكسك والسوميت، ولكن استخدامه كتعويذة أو تميمة لحماية الطفل من العين والسحر والأمراض الخبيثة أستمر على حاله، وفي هذا دلالة على أن العادات التي ابتدرها أجدادنا منذ ما قبل كرمة ظلت تلازمنا حتى العصر الراهن.

ومع مرور الزمن، شهدت صناعة الحلي تطوراً ملحوظاً، فأنتجت نماذج بالغة الدقة والروعة، لا تقل جودة عما يصنعه صاغة اليوم، رغم الفارق الزمني. ومن إبداعاتهم في هذا المجال، عقد من الذهب والعقيق يعود لبداية فترة كرمة الكلاسيكية، حوالي 1750 قبل الميلاد. يتكون هذا العقد من اثنتي عشرة حبة ذهبية ثنائية المخروط، ومعها خمسين حبة كروية من العقيق. وجدت هذه القلادة في سلة صغيرة على شكل مزهرية في أحد قبور كرمة(5). ويكشف هذا العمل عن مهارة عالية لدى الصائغ السوداني القديم، ففي ذلك الوقت الباكر، كان قادراً على طرق الصفائح الذهبية وتشكيلها في هيئة مخروطين، ثم لحمهما معاً لتكوين حبة واحدة، مما يدل على أن المهارة والخبرة التي كان يمتع صاغة ذلك الزمان، لا تقل عن القدرات التي امتلكها نظراؤهم حتى وقت قريب، حين كانت صناعة الحُلي من الحرف اليدوية التي تعتمد على الكفاءات الشخصية، قبل أن تقتحم التكنولوجية الحديثة هذا المجال. وهذه صورة ذلك العقد الذي صنعه إنسان كرمة.

عقد من الذهب والعقيق يعود إلى حقبة "كرمة" قبل حوالي أربع ألآف سنة

يعُد هذا العقد شاهداً أثرياً قاطعاً على قدم حرفة صياغة الحُلي في السودان، وعلى أن العقود والسلاسل كانت من أدوات الزينة منذ أقدم العصور، كما أن صياغتها كانت تتم بذوق مرهف، يضفي عليها الكثير من اللمسات الفنية والمسحات الجمالية.

وإذا انتقلنا إلى مرحلة تاريخية لاحقة، نجد هذه القيم الإبداعية قد ازدادت تألقاً. فمن النماذج القديمة التي تثير الإعجاب، ذلك العقد الذي وجد في هرم الكنداكة تالاخماني (Talakhamani) في نوري، والذي يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث يرجح علماء الآثار أن هذه الملكة حكمت بين عامي 435 و431 قبل الميلاد(6). وكانت هذه الحلية من ضمن مقتنياتها، وهي عبارة عن أربع عشرة وحدة، على هيئة زهور، ضمن مجموعة كاملة بلغت ثماني وعشرين قطعة، ينتهي الجزء الخلفي لكل منها بحلقة تعلق في سلسلة واحدة. وقد صممت هذه الوحدات على شكل ورود مخروطية، تتألف كل واحدة منها من سبع أو ثماني بتلات مثلثة الشكل مرتبة حول قرص مركزي. هذه الزهرات تعرض حالياً في متحف الفنون الجميلة ببوسطن(7). وهذه صورة القلادة التي وجدت في نوري.

قلادة تعود للقرن الخامس قبل الميلاد

هذا العقد يدل على أن صاغة ذلك الزمان كانوا يتمتعون بذوق رفيع ومهارات عالية، وكانت منتجاتهم لا تقل في روعتها ودقة صناعتها عن المصوغات الحديثة. وهناك الكثير الذي تزخر به الآثار، وهو يقف دليلاً على عمق تعاملنا مع هذا التراث، والنماذج التي أستعرضناها هنا تكفي كمؤشر على قدمها التاريخي. وسوف نتطرق للمزيد ضمن باب أدوات الزينة في السودان منذ أقدم العصور.

المراجع:

1 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 30.

2 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 63.

3 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 34.

4 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 34

5 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 127.

6 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 35.

7 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 128.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...