يمثل الزواج نقطة التحول الكبرى في حياة الإنسان، فهو ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل بداية لتكوين أسرة تتوثق من خلالها العلاقات بين عائلتين أو حتى مجتمعين. لذلك يحظى باهتمام بالغ، ويعد من أكبر المناسبات الاجتماعية، وأكثرها تعقيداً، حيث تصاحبه طقوس وعادات متوارثة منذ زمن طويل. لكن إذا تأملنا شكل الأعراس اليوم، سنلاحظ أنها تغيرت إلى حدٍ ما، عما كانت عليه في السابق. فمثلاً، كان الطعام في الماضي يقدم في "القُداحة"، ثم مرت علينا فترة أصبحنا نقدمه على "صينية السفرة"، والسفرة هي مائدة الطعام، أخذنا إسمها من العربية وركبناه في الصينية، ثم أخيراً أصبحنا نقدمه بالطريقة الافرنجية التي تعرف بـ"الكوكتيل"، مع أن الأكل الفردي ليس من ثقافتنا، غير أننا تبنيناه تمثلاً بالآخرين. ولم يقتصر التغيير على طريقة تناول الطعام فقط، بل امتد ليشمل أسلوب الحفل نفسه. فانتقلت المناسبة من حيشان البيوت إلى صلات الأفراح، وتحول "العنقريب" الذي كان يجلس عليه العرسان إلى كنبة غريبة تعرف بـ"الكوشة". هذه المظاهر ربما تسربت إلينا عبر وسائل الإعلام، وأسهم فيها أيضاً المغتربون سواءً جغرافياً أو وجدانياً، فأحدثوا بعض التغييرات الشكلية في القيم المتوارثة. ومع ذلك لا يمكن تعميم هذه التوجهات على مجتمعات كل المدن، وإنما كان حضورها الأكبر لدى أصحاب الثقافة الوافدة، بينما لا تزال كثير من المناطق الريفية محافظة، إلى حد كبير، على تقاليدها الأصيلة. ولكن في كل الأحوال هذه التطورات جرت على مستوى السطح، ولم يتسلل أثرها إلى مستودع القيم الحقيقية، لذلك سنتجاوز عن هذه المشاهد العابرة، ونركز على التقاليد الراسخة، التي توارثناها من أجدادنا وحبوباتنا. وفي هذا السياق علينا أن نلقي نظرة متمعنة على هذه العادات، هل هي سودانية خالصة أم استقيناها من ثقافات خارجية؟.
حاول بعضهم إبراز الأثر
العربي في التراث السوداني، وعمم تصورات عن ذلك تجعله صاحب النفوذ الأكبر. ونحن لا
ننكر ـــ وفقاً لواقعنا الحالي ـــ أن لساننا عربي وديننا أيضاً عربي، ولكن حين
نتتبع جذور العادات والتقاليد السودانية نجدها مغروسة في البيئات المحلية، وأكثر
من ذلك، نجد مكوناتها الأساسية تشكلت في أزمانٍ تسبق معرفتنا بالعربية والإسلام،
ثم ما تداخل عليها بعد ذلك، قام المجتمع بتطويعه ومواءمته حتى يتوافق ويساير الأعراف
السائدة محلياً. يقول عون الشريف: "لقد ورثنا قدراً كبيراً من آثار الحضارات
غير العربية (يعني السودانية) التي سبقت العرب، وإمتزجت كل هذه التيارات والعناصر
بحيث أصبح من الصعب إطلاق أي إسم آخر على النتاج النهائي غير أنه سوداني"(1).
وبالفعل كما قال، يصعب أن نطلق أي صفة على ثقافتنا غير أنها سودانية. أما إشارته
إلى أن حضاراتنا القديمة سبقت العرب، فهذه إشارة تتطلب المراجعة، وعلى ما اعتقد
أنها تصورات نتجت في ظرف تاريخي محدد، ثم وجدت رواجاً واسعاً، لأنها لامست أهواء
بعض النخب التي تبحث على رأسمال سياسي واجتماعي، فعملت على ترسيخها، حتى جعلتها
تبدو كمسلمة غير قابلة للنقاش، وأصبح التحول الثقافي الجزئي في نظر الكثيرين
نتاجاً لتحول ديمغرافي، وهذا في وجهة نظري، لم يحدث. لذلك الصحيح أنها لم تسبق
العرب، وإنما سبقت التأثيرات العربية التي تسللت للسودان عبر عدة عوامل، ليس من
بينها هجرات جماعية اجتاحت هذه البلاد، وهذا الأمر سنناقشه في موضع آخر.
وبالعودة لموضوعنا حول
العادات والتقاليد التي تحكم مراسم الزواج، فإننا نجد أن هناك من تنازل بعض الشيء،
وحاول تصويرها على أنها نتاج خلطة ثقافية "عربية ـــ سودانية"، ولذلك
قام بتجزئتها إلى مفردات، ونسب كل منها إلى مكون بعينه، فأولاً حدد مصدر كل من
العقد والحنة والضريرة والبطان بأنه عربي(2)، وعزا بعضهم الهلال الذي
يدخل ضمن مكونات الجرتق للثقافة العربية(3)، ثم أضيف إلى القائمة
البخور أيضاً(4)، وهناك محاولات أخرى لإدخال حفرة الدخان ضمن هذا
الإطار، ولكنها فشلت، وأقر صاحبها بأن العرب لم يتعرضوا لهذه المسألة لا في
كتاباتهم المنثورة ولا في أشعارهم المنظومة، ومع ذلك زعم حسب وجهة نظره أنه كان
ممارساً لديهم(5)، على العموم هناك محاولات حثيثة لتعريب الكثير من
مكونات التراث السوداني، ولكن إذا توقفنا عند هذه العادات التي نسبت للعرب، وبحثنا
عن أصل كل منها على حدة، ففي الغالب قد نصل إلى نتائج مغايرة. وسنتناولها بنفس
الترتيب المذكور أعلاه، ابتداءً بما عُرب وهو العقود والحنة والضريرة البطان
والهلال والبخور وحفرة الدخان والرحط، ثم نتعرض لما تبقى سواء كان من التقاليد
التي حظيت بالتوافق حول محليتها، أو تلك التي كانت مثار جدل، فكل هذه الملامح
الثقافية تحتاج لمعالجة موضوعية تعيدها لجذورها الحقيقية، بعيداً عن التصنيفات
الجاهزة.
المراجع:
1
ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في
السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 285.
2
ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى
ـــ 1989، ص 284.
3
ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي
النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 71.
4
ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2015، ص 15.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق