الجمعة، 29 مايو 2026

تقاليد محلية

لقد استعرضنا فيما سبق عدداً من العادات والتقاليد السودانية التي نُسبت ـــ بغير سند مقنع ـــ إلى الثقافة العربية، رغم ما تحمله من سمات محلية واضحة. ويبقى بعد ذلك جانب آخر من الموروث لم يجرؤ أحد على إلحاقه بجهة أجنبية، بل ترك لأهله بوصفه نتاجاً سودانياً خالصاً، لم تطرأ عليه شوائب وافدة. وهذا الجزء ليس قليلاً من حيث العدد ولا سطحياً من حيث الدلالة، بل يضم عناصر تمتد جذورها في عمق التاريخ القديم، ويرتبط بعضها بمعتقدات سادت في فجر حضارات وادي النيل.

بعد الإقرار بمحلية هذه العادات، اتجهت الأدبيات الحديثة إلى توزيعها على مجموعتين سكانيتين كبيرتين، وفق تصنيفات لغوية وثقافية، هما النوبة والبجة. غير أن هذا الفرز، رغم شيوعه، لا يبدو حاسماً ولا شاملاً، إذ لا يمكن ردّ هذه الأنماط الثقافية إلى هاتين الكتلتين وحدهما، فقد كانت هناك مساهمات من مكونات أخرى، إلى جانب مساحة واسعة من التداخل والتأثيرات المتبادية بين مختلف السكان.

ويمكن ملاحظة محدودية هذا التقسيم عند النظر إلى بعض الظواهر اللغوية والاجتماعية المنتشرة في أنحاء البلاد. فمن المعروف أن أداة النسب "آب" تستخدم في معظم مناطق السودان تقريباً، ويقال أنها في الأصل من اللسان البجاوي، مع أن وجودها في اللهجة العامية تجاوز منذ زمنٍ بعيد حدودهم السكانية والثقافية، حيث أصبحت جزءاً من البنية اللغوية في كل موقع من السودان تقريباً، وبكثافة أكبر في الوسط. وهي تعبر عن مختلف أنواع الإنتماءات، سواءً لمجموعة أو منطقة أو قرية أو حي، بل وحتى للأندية الرياضية. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: العالياب، الزيداب، الرباطاب، الدروشاب، الخوجلاب، الإزيرقاب، اللاماب، السامراب، الفتيحاب، الحامداب، الصادقاب، البادراب، العزوزاب، الهاشماب، الشهيناب، الزاكياب، الهلالاب، المريخاب، وغيرها كثير، وبناءً على هذا الاستخدام الواسع، يبدو من الأوفق ألا ننسبها إلى مكون محدد، وإنما تُرد إلى أصل أقدم وأشمل، كما ذهب بعض الباحثين الذين ربطوها باللغة المروية(1).

ومن المظاهر الأخرى "الشبّال" في حفلات الأعراس، وهو من العادات التي  نسبت إلى البجة أيضاً، رغم أنه يغطي معظم أنحاء السودان، ويُعد من المشاهد المألوفة في إحياء ليالي الزفاف. فمع تسارع دقات الدلوكة، وانطلاق الزغاريد وارتفاع الأصوات بالغناء، تحتشد الدارة برقيص الفتيات، وعرضة الشبان، وتبادل الإعجاب، كل فتاة تتطلع إلى زوج المستقبل، وكل شاب يبحث عن شريكة العمر. وبينما الأجساد تتمايل مع اللحن والإيقاع، تتقدم إحداهن بخطوات مموسقة وقوام مياس، تلقي برأسها إلى الخلف، ثم ترمي بشعرها على وجه من تشاء من الحضور، فيقفز إلى الأعلى باندفاع، ويضرب الأرض بإحدى قدميه، وهو يهزّ فوقها ملوحاً بيده، وهاتفاً بصوت ملؤه الزهو والحماس، مردداً كلمة واحدة لا رديف لها: أبشري.. أبشري.. أبشري.

ذلك هو "الشبال" الذي يتكرر في معظم أعراس السودان، تراه في الشرق حتى ساحل البحر الأحمر، ويتمدد في الغرب إلى ما وراء الجنينة، ويشاهد في الوسط والشمال والنيلين الأزرق والأبيض. والأهم من ذلك أن صوره قد رسمت على جداريات "كوش" القديمة، الأمر الذي يشير إلى أن جذوره تمتد إلى عمق أبعد بكثير من حدود التصنيفات الحديثة. وهو جزء أصيل من قيم ثقافية استمرت عبر العصور.

ونفس الشيء ينطبق على العادات التي نسبت إلى النوبة، مثل الجرتق والسومار والمشاط، وغيرها، فهي أيضاً واسعة الأنتشار في معظم أنحاء السودان، كما أن لها حضوراً موثقاً في الرسوم والنقوش القديمة. ولذلك يبدو من الاوفق إعادة تموضعها ضمن سياق تاريخي أوسع يربط بين الماضي والحاضر، بدلاً من تفكيكها إلى وحدات جهوية ضيقة تمشياً مع الروى التي طرحتها الاجتهادات المأخرة.

فالنوبة والبجة أنفسهم ينتمون، من حيث الامتداد التاريخي، إلى ذلك الفضاء الحضاري العريق، والذي يترامى  ليشمل المكونات الأخرى من أهل السودان. ومن ثم فإن إدراج هذه الموروثات ضمن سياق كوشي جامع يبدو أقرب للواقع من حصرها في أطر محدودة. وعليه، فإن هذه العناصر ينبغي أن تُفهم بأعتبارها لبنات في ثقافة سودانية قديمة تشكلت عبر مساهمات سكانية متعددة، لا باعتبارها تراثاً خاصاً بجماعة دون أخرى. ومع ذلك، وتمشياً مع التقسيم المتداول في الأدبيات، سنواصل عرضها وفق هذا التصنيف.

فما أدرج منها ضمن العادات النوبية يشتمل على كل من الجرتق، والعلجة (الفركة)، والسومار، والبرش، والسوميت، والسباتة. أما ما نُسب إلى العادات البجاوية فقد اقتصر على الشبال والسكسك(2)، غير أن هذه العناصر، على أهميتها، لا تمثل جميع الأنماط والممارسات المصاحبة لحفلات الزواج، إذ توجد جوانب أخرى أغفلها هذا التصنيف، ومن الضروري إضافتها حتى تكتمل الصورة وتستوعب أكبر قدر من مفردات تقاليد الأعراس السودانية. ثم نتناولها بعد ذلك بشيء من التفصيل.

في مقدمة المكونات التي لم تذكر، يأتي "العنقريب"، صاحب الحضور الأعمق والأطول في التاريخ، الذي تتجاوز وظيفته حدود السرير االشعبي، ليحمل دلالات سلطوية قديمة، ويبدو امتداداً رمزياً لعرش الملك. ثم يليه "الحُق" بما يرتبط به من معانٍ اجتماعية وطقسية ضاربة في القدم. إضافة إلى "السيرة" ذات الجذور التراثية البعيدة، التي تتزين بجريد النخل، ويقع فيها البطان والعرضة والشبال ورقيص الرقبة، وتتردد خلالها أغاني العديل والزين، وألحان البنينة وأشعار السومار التي تميز حفلات الجرتق.

غير أن أكثر موروثات الأعراس أهمية بالنسبة لموضوعنا هي عادة "قطع الرحط"، وهي من التقاليد التي يتحاشى بعض المتحمسين لفكرة الأصل العربي الإشارة إليها، بل إن بعضهم ينكر استمرار حضورها في المجتمع السوداني حتى وقت قريب، لما تثيره من أسئلة محرجة حول الجذور الحقيقية للثقافة السودانية، التي ظلت تستمد نبضها من الحضارة الكوشية، دون انقطاع أو تراجع تحت وطأة تدخلات أجنبية.

 من كل ذلك يتضح أن الإلتزام المجتمعي بهذه القيم التراثية، لا يمثل مجر تطبيق لطقوس احتفالية عابرة، وإنما تشكل إعادة إنتاج متجددة لبنية الهوية السودانية الأصيلة، بما تحمله من استمرارية تاريخية تمتد من الحضرات القديمة إلى الواقع الأجتماعي المعاصر.

المراجع:

1 ـــ محمد إبراهيم بكر؛ تاريخ السودان القديم؛ الطبعة الثانية ـــ 1983، ص 126.

2 ـــ عون الشريف؛ الإسلام والعربية في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 285.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...