تتواصل مظاهر الحزن في "بيت البكا" بأساليب مختلفة، لعل أهمها ما يتمثل في تقاليد "المناحة"، وهو احتفال حزين له ألحانه وإيقاعاته، حيث تتردد الكلمات التي تمجد المرحوم، على ضربات النحاس أو الدنقر(1)، والنحاس هو النقارة، أما الدنقر فهو آلة إيقاعية تتكون من مواد بسيطة، مجرد ماء وقرع في قدح كبير، كان يصنع في الماضي من الفخار(2) أو خشب الدبكر ـــ تمت الاستعاضة عنه بالطشت ـــ يملأ بالماء وتوضع عليه عدة قرعات مقطوعة إلى أنصاف تُكفأ على الماء فتطفو على سطحها، وقد جرت العادة على أن يكون الضرب عليها بالبراطيش القديمة(3)، ثم تغير ذلك لاحقاً إلى نوع من العصي القصيرة، وفي الحالتين تصدر عنها أصوات مكتومة تناسب حالة الكآبة العامة، وعلى وقعها تردد النساء كلمات مسجوعة بصوت حزين.
تلك هي المناحة، أبيات من الشعر
تلقى بلحن خفيف، لتأبين الميت، بذكر محاسنه وأفضاله وكريم خصاله. وتبدو من الناحية
الشكلية كالبنينة والسومار في الجرتق، غير أن الأخيرة تقال لمدح من هو مقبل على
الحياة، بينما تصاغ المناحة لرثاء من غادرها، فتأتي الأولى ممتلئة بالفرح
والسعادة، بينما تفيض الثانية بالأسى والغم. ومثلما كانت أشعار وأغاني الأعراس
تقليداً لما كان يجري في قصور الملوك، كذلك كانت المناحة لحن الوداع عند رحيل أحد
قيادات المجتمع(4)، ثم أصبح تقليد عام، لا يختص بفئة دون أخرى، ووجد
انتشار واسع في مختلف بقاع السودان.
ولعل
من أشهر المناحات التي تغنت بها وسائل الإعلام، تلك التي تشبه الراحل بمرق السقف،
حيث تقول الكلمات:
انكسر
المرق واتشتت الرصاص
انـهـدم
الـركـن ويـنو البـلم النـاس
فعندما ينكسر المرق، أو يموت
الكبير، ينهار سقف البيت، ويفقد الأهل الملاذ الذي كان يأويهم ويحميهم. غير أن
الإلقاء الشعري أو الأداء الغنائي، ليس هو الوجه الوحيد الذي يقتصر عليه التعبير
الإبداعي في أدب المناحة، إذ يدخل الرقص كعنصر مصاحب للأيقاع، مستنداً إلى نسق
حركي خاص يتدرج ويتنوع حسب وضع المتوفى وسياق الفقد، غالباً ما يترافق مع لحظة
الوفاة، ويتوافق مع وضع المرحوم. فقد يبدأ مع أول لحظة لإعلان الموت، خاصةً عندما يكون للراحل موقع
اجتماعي متميز، أو حين يختطف القدر شاباً في ريعان الصبا أو عروساً لم تكتمل
فرحتها. في مثل هذه الفجائع، تشرع النساء في الرقص الحزين مباشرة، ويستمر الأداء المأسوي حتى لحظة
تشييع الجثمان إلى المقابر.
وهو تقليد متفرد، فيه تذرف
الدموع على ثياب المتوفى، التي تسجى على "العنقريب"، حيث تتجمع النساء
حولها، ويقمن بأداء رقصات طقوسية مفعمة بالحرقة والأسى، وهن يتعاملن مع تلك الملابس
بحميمية مفجوعة، فيقمن بارتدائها واستبدالها، سواءً كان صاحبها رجلاً أو امرأة(5).
وأحياناً يكتفين بحملها ووضعها على رؤوسهن أو ضمها وتقبيلها بين النحيب والعويل،
فإذا كان الميت شاباً لم يتزوج بعد، عندها تسمع عبارات الجرتق تتردد بمرارة في
المناحة: "لا ضاق الحريرة ولا الضريرة". ويستمر هذا الأداء الحركي الأليم،
إلى أن تخرج الجنازة، عندها يتوقف هذا الفاصل التراجيدي الملتاع، ثم توزع الثياب
لاحقاً على المحتاجين.
وبعد أن ينقل المرحوم إلى
مثواه الأخير، يتحرك الحشد إلى ساحة الدار، وعلى إيقاع الدنقر (القرع المكفأ على
الماء)، تتقدم النساء منفردات نحو قدح مملوء بالرماد، فتأخذ كل واحدة منهن قبضة
بيديها وتنثره على رأسها، ثم تخلع ثوبها وتربطه حول وسطها، وفي خطوات صغيرة متتابعة
تتحرك مع الإيقاع، كأن قوة خفية تشدها نحو مركز الساحة، وفي اهتزاز عنيف، تفرغ
شحنات الغم والألم عبر اختلاجات الجسد. وتستمر في الأداء حتى تتداعى لتحل محلها
أخرى(6). وفي بعض المناطق يكون الضرب على النحاس أو النقارة، وتعبر
النساء عن حزنهن بروح مغايرة، إذ ينبرين كالمقاتلات يحملن السيوف والعصي(7)،
تجسيداً للفخر والجلد. وهكذا ما بين إيقاع الدنقر والنقارة وأصوات النائحات،
والأداء الراقص، والبكاء المتهدج، تتشكل لوحة مكللة بالمواجع والدموع، تختزل
الملامح الكبرى لطقس الوداع الأخير.
المراجع:
1
ـــ تاج السر عثمان؛ تطور المرأة السودانية؛ الطبعة
الثانية؛ الخرطوم ـــ 2025. نسخة إلكترونية.
2
ـــ صلاح عمر الصادق؛ دراسات سودانية في الآثار والفولكلور والتاريخ ـــ 2006، ص
133.
3
ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان.
ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 178 ه
3.
4
ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في
السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 178.
5
ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ
2001، ص 179.
6
ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان، الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 63.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق