لم يكن الملوك وحدهم من يحظون بالتقديس في العهد المسيحي، بل كانت هناك درجات من هذا السمو يشغلها بعض رجال الدين. فهناك مؤشرات تكشف عن أن الناس لم يكتفوا بجعل رمزية التتويج منفذاً نحو الألوهية فحسب، بل أفسحوا مجالاً للأعمال الفاضلة، وبالذات حين تأتي من الذين تدرجوا في الوظائف الكنسية، فأضفوا هالة من الجلال على رموز المجتمع الديني من مطارنة وأساقفة وقساوسة، باعتبارهم من أصحاب الكرامات القادرين على اجتراح المعجزات. ولم يكن هذا التوجه طارئاً أو غريباً، بل يبدو منسجماً إلى حدٍ كبير مع الموروثات القديمة، التي درجت على إسباغ صفات خارقة على بعض الأفراد تجعلهم فوق قوانين الطبيعة، ومن ثم التعامل معهم بنوع من التبجيل والرهبة. يشير سترابو في حديثه عن المعتقدات القديمة إلى أن هذه التصورات كانت تقوم على بناء هرمي للوجود الإلهي، في أعلاه الإله الخالد الخالق، علة كل شيء، يليه إله آخر، ذو طبيعة مبهمة، بلا اسم محدد أو تعريف قاطع، ثم تأتي مرتبة البشر الذين ارتقوا إلى مقام الآلهة، وفي مقدمتهم الملك وأفراد أسرته بوصفهم مخلّصين وحماة، ثم المحسنون أصحاب الأعمال الخيرة(1).
لقد
تناولنا من قبل مسألة تأليه الملوك في العهد المسيحي، والآن ننتقل إلى فئة أخرى من
الأشخاص الذين أسبغ عليهم المجتمع قدسية خاصة، دون أن يحظوا بهذا الامتياز لسلطان
أو نسب، وإنما لما عُرفوا به من صلاح واستقامة وأعمال فاضلة. ويقدم لنا القبر الذي
كشف عنه بالقرب من قرية صحابة، التابعة لمدينة حلفا القديمة، نموذجاً بالغ الدلالة
لشخصية من هذا النوع. فقد كان هناك ضريح يُعتقد أنه لأحد أولياء الله الصالحين،
وكان الأهالي يجلّون صاحبه، ويستنجدون به في الشدائد والملمات، يندهونه: "يا
شيخ عويس القرني تلحقني وتفزعني". وعويس القرني هو الاسم الذي عرف به هذا
الشيخ في الذاكرة الشعبية، وهكذا استقرت شخصيته في وجدان الناس.
وبحكم اعتقادهم الراسخ بصلاحه،
واظبوا على زيارة قبره بشكل راتب خاصة في الأعياد والمناسبات، كما كان مقصدهم عند
الضيق والحاجة، أملاً في تحقيق منفعة أو درء مصيبة. وهذا ما دفعهم للاعتناء
بضريحه، فكانوا ينظفونه ويرشونه بالماء، ويعلقون حوله الرايات، ويطلقون فيه
البخور، ويقدمون القرابين والنذور، وقد يأخذون من ترابه حفنات يعلقونها في دورهم
من أجل البركة والفأل الحسن.
ظل هذا الوضع مستمراً إلى أن بدأت
مهام البعثات العاملة في مجال إنقاذ آثار النوبة عام 1964. وقد اكتشفت مجموعة بحثية
وجود آثار تاريخية قيمة تحت موضع القبر، ولكن من الوهلة الأولى شعر أفرادها بالتوجس
من مواصلة العمل في موقع له ارتباط بمعتقدات الناس، لذلك رفعوا أيديهم، خوفاً من
ردة فعل أهل المنطقة، وإدراكاً منهم بأن الحفر في هذا الموقع، تحت أي ذريعة، قد
يُعد تعدياً على مقدسات السكان، وفيه درجة عالية من الاستخفاف بمشاعرهم الدينية.
لذلك لجأوا إلى المدير الإداري لمدينة حلفا، طالبين منه إيجاد حل وسط يمكنهم من أداء
عملهم ولا يسيء إلى المواطنين في معتقداتهم، ولتحقيق ذلك ليس أمامه إلا مخرج واحد،
وهو أن يقنع السكان بضرورة نقل القبر من مكانه إلى منطقة آمنة غير مهددة بالغرق. وبالفعل،
بعد جولة من الحوار والتفاوض تمكن من انتزاع موافقتهم بترحيل الضريح إلى موقع
مرتفع. وبعد أن استقر الرأي على ذلك، قرر الناس حضور كرنفال الانتقال. وفي اليوم
المحدد تقاطرت أعداد كبيرة منهم للشاركة في مراسم تشييعه إلى مثواه الجديد، والأهم
من ذلك إلقاء نظرة نادرة على جثمان هذا الشيخ الموقر، صاحب الكرامات وخوارق
العادات. وبالطبع كان التصور العام لدى الجميع أنه أحد أفراد الرعيل الأول من
المسلمين الأتقياء في هذه المنطقة.
غير أن المفاجأة جاءت مدوية،
فما أن كُشف عن الجسد المسجى، حتى رأوا ما لم يكن في الحسبان، فصاحب القبر لم يكن
من أولياء الله الصالحين ـــ حسب ما هو متعارف بينهم ـــ بل لم يكن مسلماً أصلاً،
وإنما كان أسقفاً مسيحياً، وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى والصليب يتدلى على صدره،
شاهداً صامتاً على هويته. عندها خيم الذهول على الحضور. لقد كانوا يندهونه
ويتضرعون إليه، وهم يعتقدون أنه ولي مسلم تقرب إلى الله بالنوافل حتى أحبه، وفتح
له أبواب السماء، فصارت دعواته مستجابة لا تُرد، وبناءً على هذا التصور، جعلوه
وسيطاً بينهم وبين ربهم، يدعونه ويستغيثون به(2)، فإذا به على عقيدة
أخرى لا تتسق مع قناعاتهم الحالية. ولكن رغم غرابة المشهد وما يتضمنه من تباعد في
الرؤى، فإن المنظر الذي تجسد أمامهم في تلك اللحظة، كشف عن الطبيعة العميقة للتدين
السوداني المتسامح، كما أظهر بوضوح التواصل الثقافي الذي لا ينفصم، فما كان مقدساً
لدى الأسلاف صار مقدساً لدى الأحفاد، ومن كان ولياً في نظرهم، ظل ولياً لدى من جاء
بعدهم، بغض النظر عن نوعية إيمانه، فقد مضى بجسده ومعتقده، لكن بقيت سيرته الحسنة وذكرى
صلاحه تتنقل عبر الأديان، فالقيم الجميلة لا تنقلب إلى قبيحة لمجرد تغير القناعات.
إن الكشف
عن هوية صاحب هذا القبر يوضح أن ظاهرة تنصيب وسيط بين العبد وربه قد ظلت تحتل
حيزاً مميزاً في ثقافة أهل السودان منذ زمن بعيد. فقد درج الناس دائماً على التقرب
إلى الله عبر من يتوسمون فيهم خيراً، أولئك الذين يعتقدون أن لهم حظوة خاصة عند
الله، اكتسبوها بصدق تعبدهم له، وامتثالهم الجاد لأوامره، وعلى هذا الأساس كانوا
يمنحون صكوك القداسة لرجال الدين، لا بوصفهم آلهة، بل باعتبارهم جسوراً تمتد بين
الأرض والسماء. ولم يكن تنصيب هؤلاء في تلك المواقع الرفيعة نابعاً من رغبات شخصية
أو نزعات فردية، بل استجابة لحاجة اجتماعية حقيقية، فوجود شخص يُعتقد أنه قادر على
تحقيق هذا التواصل ـــ ولو نظرياً ـــ لم يكن أمراً هامشياً، بل ضرورة نفسية
وروحية، إذ يساعد الناس على مجابهة مشاكل الحياة، ويمنحهم الطمأنينة ويبث فيهم الأمل
ما دام حياً بينهم، وتستمر رمزيته وقيمته المعنوية حتى بعد مماته.
لهذا شهدت
الحقب التاريخية المختلفة حضوراً مميزاً لرجال الدين، تمثل قديماً في كهنة
المعابد، ثم في رجال الكنيسة، ومن بعدهم في قيادات الطرق الصوفية. وقد حدث تداخل
واضح بين المرحلتين الأخيرتين، جسّده هذا الأسقف الذي أصبح ـــ في نظر مريديه ـــ
شيخاً، فقد كان أهل زمانه يعتقدون في صلاحه وهم على مسيحيتهم، وحين انتقل إلى رحمة
مولاه، صاروا يزورون قبره ويتبركون
به. ومع الانتشار التدريجي للإسلام، لم
يتغير موقعه في وجدان الناس؛ فالاحترام والإجلال اللذان كان يحظى بهما في عهد الآباء،
ظل الأبناء يحفظونهما له. ومع مرور الزمن بدأت صورته الذهنية في المجتمع تتحول من
رجل دين مسيحي إلى النسخة المطابقة له في الإسلام، أي الشيخ الولي. فالرجل في ذاته
ظل كما هو، لم يتبدل، غير أن صورته في أذهان الناس أعيد تشكيلها، بما يتناسب مع
المعتقد الجديد.
وهذا يدل
على أن التحول الديني في السودان لم يحدث قطيعة مع الماضي، بل كان انتقالاً مرناً
ومتدرجاً؛ إذ لم يدخل الإسلام بطريقة فجائية أو سريعة، وإنما تسلل على مهل،
وبالرفق واللين، الأمر الذي أتاح المسايرة والمجاراة، والتكيّف البطيء بين الجديد
والقديم، وبذلك أصبحت الممارسة الدينية تتم من خلال التراث الذي يحتفظ بقيم جميع
الأديان التي عرفها المجتمع، من أولها إلى آخرها. فكان انتشار الإسلام الأوسع من
خلال نقرات النوبة وترنح حلقات الذكر وتفاعل المصالح في القوافل والأسواق، فحافظ
الناس على موروثهم القديم، مع إكسابه صبغة جديدة تتسق وتتلاءم مع انتقالهم من
عقيدة إلى أخرى.
وهكذا تعامل الأبناء المسلمون
مع ما تعامل معه أجدادهم المسيحيون بالطريقة نفسها، فأصبح الأسقف الصالح في
المسيحية، شيخاً من أولياء الله في الإسلام، وهو الشخص نفسه، غير أن صورته تبدلت
شيئاً فشيئاً بفعل تداخل الماضي مع الحاضر. ويؤكد ذلك استمرارية القيم في المجتمع،
ومن بينها تعظيم الأولياء والصالحين، بغض النظر عن انتمائهم الديني. فاعتقاد الناس
في أن هذا الأسقف كان من الأتقياء، الذين فتح الله بصيرتهم وأنار طريقهم، يوضح أن
ظاهرة تقديس الأولياء كانت سائدة في العهد المسيحي، وليست خاصة بصوفية الإسلام، بل
هي بالأحرى قد تنزلت إليهم من الإرث السوداني القديم.
المراجع:
1 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ
2017، ص 387.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق