لقد
تطور البخور في السودان حتى بلغ ذروة تفرده وخصوصيته في "دخان النساء"،
وهو طقس متكامل لا يشبه مجرد التعطر بالبخور وفقاً للطريقة الشائعة، وإنما هو نوع
آخر يتسم بطابعه الشخصي، ويقوم على منظومة متعددة الأوجه، لها قواعدها وأوقاتها
وأمكنتها وأدواتها وموادها ووظيفتها الاجتماعية والجمالية. فمن الحفرة إلى الشملة والنطع،
مع سائر الملحقات، تتجلى ملامح تقليد سوداني متميز في أصالته، وعريق في عمقه
التراثي.
ولكن قبل أن أخوض في تفاصيله،
يجب أن أثبّت حقيقة، وهي أنني لم أقف على نص مكتوب ينسب الدخان إلى ثقافة وافدة،
مثلما هو الحال مع كثير من التقاليد السودانية التي نُسبت إلى لعرب، بل على العكس،
هناك من أقرّ بأنه لم يجد له أثراً في الأدب العربي، شعراً أو نثراً، ولكنه أشار
في الوقت نفسه إلى أن بعض النساء العربيات كنّ يتدخنّ، وتبدو علامات ذلك على
بشرتهنّ(1). ولكن هذه المحاولة لتثبيت هذه العادة بين العرب يسقطها
الإقرار بصمتهم عنها، لأن الطقوس العميقة عادةً ما تترك آثارها في اللغة والأدب
والتداول الشفاهي بين الناس، وبالأخص إذا كانت من التقاليد ذات الأصول المتجذرة،
والوجود النابض في الحياة الاجتماعية. ولذلك فإن القول بأنه كان مستخدماً لديهم مع
الإشارة إلى تغافلهم عن ذكره في أحاديثهم، لا يبدو متسقاً، بل ينفي بعضه بعضاً.
ومهما يكن الأمر، فإن الواقع لا يدعم هذا النوع من التخريجات، وإلا، فأين هي حفر
الدخان في مضارب الأعراب؟ وأين هي صورة المرأة التي تفترش النطع، وتلتف بالشملة،
وتغوص في سحابة من الدخان؟ لا تكاد المصادر العربية القديمة أو الحديثة تشير إلى
ملمح من هذا القبيل.
بينما ظل هذا المشهد في
السودان منظراً مألوفاً في الحياة اليومية حتى الوقت الحاضر؛ فرائحة الطلح تعبق في
العشيات، ولحفرة الدخان موضع ثابت في كل بيت، مثل المزيرة في الحوش، والدوكة في
التكل. تحتل موقعها في الراكوبة، أو القطية، أو في غرفة جانبية أو إحدى الزوايا.
وظل الدخان من المراسم الضرورية التي تخضع لها الفتاة المقبلة على الزواج، فهو جزء
من إعدادها الجمالي والرمزي للانتقال إلى مرحلة جديدة من حياتها. وضمن الأنشطة
النسائية، تظل جلسات الدخان من المظاهر المعتادة في البيوت، ورائحة الحطب تملأ
فضاءات الفرقان والأحياء. وعندما كنا صغاراً، كم كنت أحس بدفئه الأليف في ليالي
خريف القضارف الملبد بالسحب، ونحن نزاول ألعاب الصبية في الأماسي! هذا التغلغل في
نسيج المجتمع يجعل من الصعب النظر إلى الدخان بوصفه عادة مستوردة أو أثراً هامشياً
تسلل من الخارج؛ لأن الممارسة حين تبلغ هذا الدرجة من التعقيد، وهذا المدى من الاستقرار
والتجذر، فلا بد أن تكون في الأصل جزءاً من بنية ثقافية عميقة، لا مجرد عادة
ملتقطة من بيئات أخرى.
الدخان عبارة عن حمام ساخن،
ولكنه يطبق وفق طقوس خاصة، تشتمل على عدة عناصر متكاملة. في المقدمة تأتي الحفرة،
وهي تجويف في الأرض عمقه حوالي أربعين سنتمتر، وقطر الفوهة حوالي الثلاثين.
وغالباً ما يوضع داخلها إناء فخاري ـــ برمة أو زير صغير ـــ للحفاظ على تماسك
الحواف، وتجنب إنهيارها. يُفرش فوقها النطع، وهو عبارة عن حصيرة مستديرة، يتوسطها
فراغ يماثل استدارة الحفرة، ثم تأتي الشملة، وهي غطاء صوفي كثيف، يحصر الدخان حول
الجسد. وإلى جانب ذلك توضع بعض الأواني التي تحتوي على زيوت مرطبة ـــ غالباً زيت
سمسم أو كركار ـــ إضافة إلى الدلكة لتطرية البشرة وتنظيفها. وبالقرب من هذه
المكونات يوجد "منقد" عليه جمر متقد، مع "فانوس" أو أي وسيلة
للإضاءة. أما حطب التدخين المفضل، فيأتي الطلح في مقدمته، ثم الشاف والكُليت
وغيرها من الأنواع ذات الروائح الزكية(2). تُحضَّر هذه اللوازم عادة في
مكان مغلق، كغرفة أو قطية أو راكوبة أو خيمة، مع ضرورة وجود منفذ يتيح للدخان
التسلل إلى الفضاء، حتى لا يؤدي للاختناق. ويبدأ الطقس بوضع الحطب على المنقد إلى
أن يحترق وتتصاعد أدخنته من غير لهب، ثم ينقل للحفرة، فتجلس المرأة فوقها وتغطي
نفسها بالشملة، وهنا يبدأ حمام البخار الطبيعي، وهو ساونا "Sauna" عرفها أهل السودان قبل آلاف السنين.
هذه هي الصورة المألوفة
للدخان في البيوت العادية، سواء في الريف أو المدن، أما التفاصيل الأخرى فتختلف بحسب
الوضع الاجتماعي ونوعية السكن. فقد يضطر البعض للعيش في البنايات العالية، وحينها
تُستبدل الحفرة بوعاء خزفي، والنطع بمقعد خشبي، والشملة ببطانية خفيفة، ولكن
التقليد في أساسه يظل واحداً في كل الأحوال، فالمرأة السودانية تواصل النهج القديم
الذي ورثته من حبوباتها، مهما تبدلت الأزمنة، واختلفت الظروف، وتغيرت أساليب
الحياة.
الدخان
ـــ العمق التاريخي:
أما عن تاريخ الدخان، فهناك
أدلة أثرية عثر عليها في النصف الثاني من القرن العشرين تكشف بصورة واضحة عن قِدم
هذه العادة، وسوف أتناولها لاحقاً بشيء من التفصيل. ولكن قبل التطرق إليها، يجدر
التوقف عند بعض الأعمال الأثرية المتأخرة نسبياً، والتي كشفت تنقيباتها عن أرضيات
تضم أنواعاً متعددة من الحفر، بدا لي أن تفسيرها الأثري ربما لم يكن منسجماً مع
طبيعة وظيفتها الحقيقية. وهذه بالطبع مجرد وجهة نظر شخصية قابلة للخطأ والصواب،
فأنا لا أتحدث هنا منتحلاً صفة المتخصص في علم الآثار، وإنما مجرد قارئ يحاول أن
ينظر إلى المعطيات من زاوية مختلفة.
تتعلق هذه الآثار بمستوطنة
قديمة بالقرب من الشلال الثالث، تعود إلى حقبة ما قبل كرمة، خلال الألف الرابعة
قبل الميلاد، أي منذ نحو ستة آلاف عام. وقد كشف التنقيب الأثري داخل هذا الموقع عن
عدد كبير من الحفر الصغيرة، يتراوح قطر الواحدة منها بين عشرة وخمسة عشر سنتمتراً،
مصطفة في شكل دائري، وقد فُسرت بأنها حفر لتثبيت القوائم أو الأعواد الرأسية التي
تشكل هيكل الكوخ أو القطية، فحجمها وطريقة انتظامها يدعمان هذا التفسير بصورة
واضحة. ولكن هناك حفر أخرى أكبر حجماً وأقل عدداً، بلغ مجموعها حوالي مائة وأربعين
حفرة في عموم المستوطنة، يتراوح قطر الواحدة منها بين عشرين وأربعين سنتمتراً. وقد
رجح علماء الآثار أنها حفرت داخل الأكواخ، كما لاحظوا وجود احمرار ناتج عن حريق
على جدرانها الداخلية، وعُثر في بعضها على جرار وأوانٍ فخارية، إضافة إلى آثار
مواد سائلة. وبعد تسجيل هذه المعالم، انتهى التفسير الأثري إلى أنها ربما كانت
مطامير أو مخازن لحفظ الغلال، قياساً على نماذج مشابهة وجدت في كردفان ودارفور(3).
هذا هو رأي المختصين، ولا أملك ما يؤهلني لمناقضتهم من داخل حقلهم العلمي، ولكن من
حقي أن أتأمل هذه المعطيات من زاوية أخرى. فإذا أعدنا النظر في طبيعة هذه الحفر،
قد تقودنا تفاصيلها إلى استنتاج مختلف، وربما يكون أكثر قرباً إلى الواقع.
أولاً: ما يلفت الانتباه هو
قلة عدد هذه الحفر مقارنة بتلك الخاصة بالمباني؛ فالقطية الواحدة تحتاج إلى عشرات
الحفر الصغيرة لتثبيت الهيكل الخشبي، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون أعدادها ضخمة
جداً، وهي حصيلة ضرب عدد القطاطي في عدد حفر كل منها. بينما الحفر الكبيرة لم
يتجاوز عددها نحو مائة وأربعين حفرة فقط، وهي نسبة تبدو أقرب إلى عدد الأسر أو
الوحدات السكنية داخل المستوطنة.
ثانياً: وجود آثار الحريق على
جوانب هذه الحفر لا ينسجم مع وظيفة حفظ الغلال، إذ لا حاجة للمطمورة أن تتعرض
للنار حتى تحترق جدرانها الداخلية. كما أن سعة هذه الحفر أصغر بكثير من الأحجام
المعروفة للمطامير التقليدية. وقد رأيت ذلك في القضارف حيث كان أصغرها تُخزن فيه
ما لا يقل عن عشرة أرادب تقريباً، بينما حفرة بهذا الحجم لا تكاد تصلح إلا لإخفاء
بعض المقتنيات الصغيرة. لا لحفظ مؤونة سنة لأسرة كاملة.
ثالثاً: هذه الحفر كانت داخل
الأكواخ لا في الفضاءات المكشوفة، مما يعني أن لها خصوصية تقتضي أن تكون مستترة
وبعيدة عن الأنظار، وهو الأمر الذي لا يتطلبه تخزين الحبوب. مع العلم أن التقاليد
السودانية قد حفظت لنا وسائل التخزين، وكانت جميعها تقريباً ـــ باستثناء المطمورة
ـــ تبني على سطح الأرض ولا تحفر في جوفها، مثل القوسيبة والسيبة والجر والدوانة
وغيرها. وهذا يشير إلى أن إخفاء حفر تلك المستوطنة القديمة داخل الأكواخ كان يرتبط
بالقيم الأخلاقية، لا القيم المادية.
رابعاً: يوجد داخل بعض هذه
الحفر أوانٍ فخارية ــــ برمة أو زير صغير ـــ وهي طريقة ما زالت متبعة في كثير من
أنحاء السودان حتى اليوم، وخاصةً في المناطق الرملية. والغرض منها تثبيت جوانب
الحفرة، ومنع تآكلها وانهيارها بفعل الاستخدام المتكرر للنار والماء، مما يتطلب
وجود دعامة تحفظ شكلها وتماسكها.
ثم تأتي الملاحظة الأخيرة:
وهي آثار السوائل التي وجدت داخل بعض الحفر وعلى الأواني الفخارية؛ وهذه بدورها
تتسق بصورة مدهشة مع طبيعة "دخان النساء"، حيث تستخدم الزيوت والمواد
المرطبة أثناء الحمام الساخن، ثم يصب الماء بعد انتهاء الجلسة لإخماد الحطب في
موضعه.
ومن أجل رؤية شاملة، علينا أن نضع كل هذه العناصر في
إطار واحد وهي: محدودية عدد الحفر، وطبيعة الموقع داخل القطية، وآثار الحريق على
جوانب الحفرة؛ والوعاء الفخاري في داخلها؛ وبقايا السوائل. وبالنظر إلى هذه
المعطيات معاً، فإن الصورة التي تتشكل تبدو أقرب بكثير إلى حفرة الدخان السودانية
المعروفة حتى اليوم، ولا تمتُّ بصلة إلى مطمورة حفظ الغلال. وربما لم يتوصل علماء
الآثار إلى هذا الاحتمال لأنهم ينتمون إلى بيئات ثقافية لا تعرف هذه التقاليد،
ففسروا المكتشفات وفق النماذج المألوفة لديهم، وربطوها بأنماط تخزين سبق أن
شاهدوها في مناطق أخرى. أما نحن أبناء هذه الثقافة، فإننا حين نقرأ هذه الأوصاف،
نشعر وكأننا أمام صورة حية من بيوتنا المعاصرة.
وإذا صحّ هذا الحدس، فإن ذلك يعني أن عادة الدخان لدى
النساء السودانيات ليست طقساً حديثاً أو وافداً، بل تقليد موغل في القدم، يمتد
بجذوره إلى حضارات ما قبل كرمة، التي مضت عليها حوالي ستة آلاف عام، وظل متوارثاً
عبر الأجيال حتى يومنا هذا، مثل كثير من الأيقونات العتيقة التي نجت من تبدلات
التاريخ وظلت ملتصقة بوجدان الإنسان السوداني، ولا تنفك تطرح مساهماتها في تشكيل
وعيه بذاته، وتحديد ملامح حياته الآنية. ونعود لنذكر أن هذا يبقى مجرد اجتهاد شخصي
من قارئ، لا حكم نهائي من عالم آثار، ونواصل بعده ما أورده المتخصصون.
أما في العهد الكوشي، فقد
ظهرت حفرة الدخان داخل البيوت السودانية بنفس هيئتها المعروفة اليوم، مصحوبة
بلوازمها التقليدية التي ما زالت قيد الاستخدام. فقد كشفت الآثار عن وجود النطع،
وهو صورة أخرى للتبروقة أو المصلاية المصنوعة من السعف، ولكن بوسطه فتحة مستديرة يماثل
قطرها فوهة الحفرة، يستخدم للجلوس، كما عثر على الشملة، وهي الغطاء الصوفي الكثيف
الذي تلتف به المرأة أثناء الدخان، إلى جانب أوانٍ خاصة بالزيوت والعطور(4).
هذا ما كُشف عنه ضمن الآثار التاريخية التي تعود إلى العهد الكوشي، وفيه تتواصل
التقاليد الموروثة.
وفي الفترة المسيحية، ظهرت
بعض المعالم التي يمكن قراءتها بوصفها امتداداً لهذا التقليد، فقد تم الكشف عن
متعلقات ترتبط بالدخان، لكنها بدت غامضة بالنسبة للعاملين في مجال الآثار، فلم
يجدوا لها تصنيفاً مناسباً يدرجها ضمن عناصر التراث. وقد أشار أحد الباحثين إلى أن
بعثته عثرت على أردية مغزولة من الصوف، وهي منسوجات لا نظير لها خارج السودان، كما
أنها تخلو تماماً من أي أثر للقص أو الحياكة، وتبدو في ظاهرها كأردية مستطيلة أو
بطانيات(5). وقد بدت هذه القطع مبهمة في نظرهم، فتعذر عليهم تحديد
وظيفتها وطبيعة استخدامها. وربما لو استعانوا بالسكان في المناطق المجاورة لوجدوا
من يدلهم على هويتها والغرض منها. فمن الواضح أن هذا الوصف لا يكاد ينطبق إلا على
"شملة الدخان"، فهي قطعة صوفية بسيطة، لم تتعرض لعملية إعادة تشكيل من
خلال القص والخياطة، وإنما تُنسج كاملة على هيئة غطاء مستطيل يشبه البطانية، وفي
نفس الوقت ليس هناك ما يشير إلى أنها كانت من الملابس أو الأغطية. ومن الطبيعي أن
تتحول مثل هذه الأدوات المحلية إلى لغز بالنسبة للباحث القادم من بيئة ثقافية
مختلفة، فيكتفي بوصف شكلها المادي دون أن يهتدي إلى وظيفتها الاجتماعية، وحتى
عندما يحاول تفسير الغرض من صناعتها، فإنه كثيراً ما يسقط عليها تصورات بعيدة عن
السياق الذي نشأت فيه والظروف التي أوجدتها. ولهذا فإن أوصاف هذه القطعة تمدنا
بتصور ينسجم تماماً مع "شملة الدخان". وإذا صح هذا التأويل، فإنه يقدم
شاهداً إضافياً على استمرارية هذا التقليد خلال العصر المسيحي.
غير أن إثبات وجود الدخان في
تلك الفترة لا يتوقف على هذا الدليل وحده، فهناك شواهد أخرى أكثر وضوحاً، إلا أن
أهمية هذه القطعة تكمن في أنها حظيت بدرجة من التوثيق الأثري، وبالتالي يمكن
الاستناد إليها كبقايا مادية تدعم الرويات الشفهية، وتؤكد الامتداد التاريخي للممارسة
العملية. فهي جزء من التراث السوداني الذي ظل مرتبطاً بجذوره العميقة عبر مختلف
الحقب، لم تقتلعه التحولات الدينية واللغوية، ولم تؤثر فيه المفاهيم الوافدة، بل
بقي ماثلاً في القيم الاجتماعية والطقوس الشعبية، وقد حافظت عليه الأجيال المتعاقبة
منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وهذا الاستمرار التاريخي الطويل يضعف أي محاولة
لتفسير هذه الظواهر بوصفها مجرد أنماط مستوردة أقحمت في زمن متأخر، لأن المكتشفات
الأثرية لا تفصح عن فراغ حضاري تم ملؤه لاحقاً بتصورات دخيلة، وإنما تظهر تواصلاً
ثقافياً ممتداً يربط بين الماضي والحاضر.
الدخان
ـــ الامتداد الجغرافي:
انتشار "حفرة
الدخان" في أصقاع السودان المتباعدة، يكشف عن وحدة ثقافية واسعة تظلل
المجموعات السكانية في مختلف بقاعه. فتواجدها لا ينحصر في إقليم بعينه، وإنما يمتد
من أقصى الشمال إلى حدود الجنوب، ومن الشرق النائي، إلى أطراف الغرب، وتتقاطع هذه
المكونات في الوسط. هذا التمدد الفسيح لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تشابه عابر،
بل باعتباره مظهراً لتراث مشترك، حافظت الأجيال على استمراريته الحضارية منذ زمنٍ
قصي.
ومن ذلك التاريخ البعيد إلى
الزمن القريب لا زالت تحتل نفس موقعها القديم، فقد أشار إليها رحالة، جاء إلى
السودان في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، وأقام لفترة من الزمن في أكثر من
مدينة، في الشمال والوسط والغرب، وتناول العادات التي بدت له غريبة وغير المألوفة،
وكان من بينها "حفرة الدخان" التي شاهدها في هذه المناطق. فعن دنقلا
يذكر أنه قد لاحظ عند أطراف كل كوخ نوبي تقريباً وجود وعاء خزفي مدفون في الأرض،
تستخدمه النساء في تدخين أجسادهن، ويطلقون عليه في اللغة المحلية إسم
"كولينكول"، ثم يلفت النظر إلى وظيفته الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق
بالفتيات المقبلات على الزواج، إذ يُعد من الوسائل التي تساهم في إعدادهن لهذه
المرحلة، فهذه الحفرة ذات الوعاء الفخاري تستخدم لتبخير العروس(6)،
ويعني تدخينها. ولكن مهمتها لا تقتصر على التجهيز لهذه المناسبة فقط، حيث يمتد
ليشمل تقريباً جميع النساء، وفي مختلف الأعمار.
وفي كردفان بالقرب من جبال
النوبة يواصل هذه الرحالة تسجيل مشاهداته، ومن ضمنها، تناوله لحياة الناس
ومساكنهم، ويقدم لنا وصف لمحتويات القطية العادية في تلك الأنحاء، فيشير إلى أن
لكل إمرأة مع أطفالها الصغار مسكنها الخاص، يوجد بداخله لوح من الحجر يعني
"المرحاكة"، ودوكة من الطين، وموضع لحرق الحطب لتبخير أعضاء الجسم، وهو
يقصد "حفرة الدخان"(7)، ثم يسترسل في وصف بعض الأشياء
الأخرى، ولكن ما يهمنا هنا هو أن تلك الحفرة التي شاهدها في الشمال، وعاد فوجدها
مرة أخرى في الغرب، وتؤدي نفس الوظيفة، وبالطريقة ذاتها تقريباً. فهي عادة لأهل
السودان، لا تخص جهة دون غيرها.
ثم يشير إلى بعض العادات
المتشابهة فيما يتعلق بالزينة النسائة المشتركة بين المنطقتين، فالأزياء تكاد تكون
متطابقة، وكذلك تسريحة الشعر، وجميعهن تقريباً يعلقن حلقات من الذهب الخالص في
أنوفهن(8)، حسب تعبيره، ويعني بذلك "الزمام". هذه التفاصيل
على بساطتها الظاهرية، تحمل قيمة ثقافية كبيرة، لأنها تكشف عن أرضية حضارية
مشتركة، وعن منظومة رمزية متوارثة بين جماعات تفصل بينها مسافات شاسعة.
أما الدخان على وجه
الخصوص، فلا يمكن تفسير انتشاره عبر هذه
المساحات المفتوحة لمجرد الصدفة، أو نتيجة لتأثيرات عابرة، لأنه ليس مجرد عادة
بسيطة يمكن أن تنتقل بسهولة، بل منظومة معقدة لها أدواتها وطقوسها ووظائفها
الاجتماعية والجمالية. ولذلك فإن وجوده المتطابق في هذه البيئات المتباعدة يرتبط
بتقاليد ضاربة في القدم، ربما تعود إلى ما قبل كرمة، ثم استمر حضورها عبر الحقب
الكوشية والمسيحية والأسلامية، حتى استقر في تراث مختلف الجماعات السودانية في
وقتنا الحاضر.
وبناءً
على ذلك، فإن "حفرة الدخان" لا تبدو مجرد أداة منزلية معزولة، بل شاهداً
مادياً على وحدة الأصل الثقافي لمعظم سكان السودان، ودليلاً على استمرارية حضارية
تحققت على مستويين، رأسي يمتد من القديم إلى الحديث عبر الزمن، وأفقي ينتشر عبر
المجال الجغرافي الواسع. وهي حالة يصعب تفسيرها بفرضية التأثيرات الأجنبية
المتأخرة، لأن هذا النوع من التقاليد العميقة لا يترسخ في حياة الناس بهذا الأتساع
والثبات إلا إذا كان نابعاً من صميم البيئة المحلية، ومتوارثاً جيلاً بعد جيل دون
انقطاع.
ثم
ترد الإشارة لهذه "الحفرة" لدى رحالة آخر، زار السودان مرتين، في منتصف
القرن التاسع عشر، بين عامي 1847 و1852. وتجول في معظم أرجاء البلاد، من أقصى
الشمال إلى إلى الوسط، ومنه إلى غابات النيلين الأبيض الأزرق، وجاب نواحي سنار
والروصيرص وصولاً إلى التخوم الإثيوبية، ثم إلى كردفان. أقام فترات متفاوتة في بعض
المدن، كما نزل بالعديد من القرى. وتعامل مع الناس بشكل لصيق، دخل بيوتهم وعايش
تفاصيل حياتهم اليومية. وقد دون جانباً من تلك المشاهدات، ومن بينها وصفه لغرفة
السكن التقليدية التي سماها "الدانقة" وهو الاسم الذي كان يُطلق آنذاك
على المباني المشيدة بالطين أو الطوب الأخصر "الجالوص". وقد وصف
محتوياتها من أثاثات وأوانٍ وأدوات منزلية. غير أن اللافت في وصفه هو إشارته إلى
"حفرة الدخان" التي مرّ عليها كمظهر عادي يوجد داخل كل "دانقة"
تقريباً(9). وهذا التناول العابر يحمل دلالة لا يمكن تخطيها، فهو يوحي
بأنها كانت واسعة الانتشار إلى درجة لا تستدعي التوقف عندها أو شرح وظيفتها وكيفية
استخدامها، لأنها بالنسبة له كانت جزءاً مألوفاً ومكرراً ضمن مشاهد الحياة
العادية. فقد رآها في الشمال كما رآها في الوسط والشرق والغرب، مما يكشف عن امتداد
هذا التقليد عبر رقعة جغرافية واسعة.
هذا الانتشار لا يمكن النظر
إليه بصفته مجرد تشابه عرضي في بعض العادات الاجتماعية، بل هو شاهد على وجود وحدة
تراثية متجذرة تظلل معظم المجموعات السكانية في السودان، على اختلاف أقاليمها
وتباين بيئاتها. فالدخان لم يكن ظاهرة محلية معزولة أو عادة تمارس في منطقة دون
غيرها، وإنما تشكّل ضمن الإطار الثقافي العام، الذي يفرض وجوده على معظم
السودانيين تحت تأثير بنية قيمية واحدة تعود أصولها إلى أزمنة سحيقة القدم.
الإقبال الواسع على الدخان،
ومواظبة النساء على ممارسته، أفقده خصوصيته في بعض المجتمعات، فانتقل من داخل
البيوت والحيشان إلى الفضاءات المفتوحة. وهذا ما شاهده ودوَّنه أحد الموظفين
الإنجليز في بدايات القرن العشرين، حينها كان حديث التعيين للعمل بشمال كردفان. ففي
مذكراته التي جمعها في كتاب اسماه "على ظهر جمل"(10)، أورد مشهداً
أثار دهشته وقلقه، إذ بينما كان يجوب سهوب كردفان للصيد كعادته، لمح في موضع منعزل
شخصاً يجلس على الأرض، وقد التف بثوب أسود، تتصاعد من تحته سحب الدخان. وبالطبع
كان هذا المنظر كان محيراً لرجل غريب عن هذا المجتمع، فلم يستطع أن يستوعب ما يجري
أمامه، وربما قفز إلى ذهنه لأول وهلة أن هناك إنسان يحاول الإنتحار بإشعال النار
في نفسه. فالتفت إلى الجندي السوداني الذي كان يرافقه، وسأله عما يرى، فأجابه دون
اكتراث وبمنتهى الهدوء: "إنها امرأة تتدخن"، ثم عاد يسأله مستغرباً:
"ولماذا تفعل ذلك بنفسها؟" فجاءه الرد ببساطة: "لإن ذلك يكسبها رائحة
زكية"(11).
ظلت هذه الصورة عالقة بذهنه،
وصارت محور نقاشاته مع بعض السودانيين، لكنه لم يجد لديهم رداً شافياً، غير قولهم
بأنها عادة توارثوها عن أجدادهم. وحاول أن يشغّل عقله ويجد لها مبرر أو تفسير من
عنده، فربطها بشح المياه في كردفان، وهي ملاحظة تبدو معقولة، ولكنها سرعان ما تفقد
قيمتها حين نرى "حفر الدخان" تلازم بيوت المجموعات السكانية التي تعيش
على ضفاف الأنهار وحول موارد المياه الدائمة. فالدخان لا تفرضه طبيعة الأرض التي
يعيش عليها الناس، إنما تفرضه طبيعة الناس أنفسهم، وما يحملونه من ثقافة تحدد
سلوكهم في الحل والترحال.
ولهذا فإن ردّ الدخان إلى ظرف
بيئي طارئ، كندرة الماء أو قسوة المناخ، تبدو عاجزة عن تفسير انتشاره الواسع في
أنحاء السودان المتباعدة، واستمراره عبر أزمنة طويلة ومناخات مختلفة. فلو كان مجرد
بديل عن الاستحمام، لما احتفظ بكل هذه الطقوس والعناصر المصاحبة، ولما ظل حاضراً
حتى في المناطق الغنية بالمياه. إن ما تكشفه هذه الممارسة ـــ في حقيقتها ـــ هو
رسوخ تقليد اجتماعي وجمالي ضارب في القدم، تشكل داخل بنية الثقافة السودانية
نفسها، ثم استمر وانتقل بين الأجيال بوصفه جزءاً من تصور الناس للنظافة والتطيب
والأنوثة، لا بوصفه حلاً مؤقتاً فرضته ظروف البيئة.
لعل تلك المرأة الكردفانية
التي شوهدت تتدخن في العراء، لم تكن تفعل ذلك سدىً، وإنما اختارت هذا الموضع لما
يتوفر فيه من أنواع الحطب المفضل للدخان، أو لسببٍ آخر يتعلق بظروف حياة التنقل،
فأعدت فيه حفرة على المشاع، وكلما استقرت المجموعة في هذا المكان، كان للنساء موقع
جاهز للاستعمال. ولكن في كل الأحوال، ممارسة هذه العادة وفي الهواء الطلق، يدل على
مدى تأصلها في المجتمع إلى الحد الذي جعلها أمراً عادياً لا يشد انتباه الناس أو
يلفت أنظارهم، فهي ليست فعلاً غريباً، وإنما سلوك مألوف يدخل ضمن تفاصيل الحياة
اليومية، ومن حق المرأة أن تتدخن حيث شاءت دون حرج أو استنكار.
هذه العفوية التي يتعامل بها
السودانيون مع الدخان، كثيراً ما تقابل بالدهشة والحيرة من الآخرين. ويتساوى في
ذلك الجميع سواء كانوا من القارات البعيدة، أو من جيراننا العرب، وذلك ببساطة لأن
هذه الممارسات لا وجود لها في مجتمعاتهم، ولا يحمل تراثهم الشعبي بعضاً من
ملامحها، ناهيك عن أن يكونوا من أصحابها
الذين استلهموها من أسلافهم، ثم صدروها لغيرهم، كما يزعم البعض. فالدخان
ليس عادة طارئة جاءت من الخارج، بل تقليد تشكل داخل هذه الأرض، في سياقها التاريخي
والاجتماعي والقيمي، وارتبط بطبيعة سكانها وما يحملونه من تصورات ومعتقدات وأنماط
عيش. ولذلك جاء شبيهاً بهم، يعكس سماتهم ويعبر عن خصوصيتهم، ويؤكد استقلال هويتهم
الثقافية.
عرف
السودان في تاريخه الطويل تعاقب الأديان وتبدل اللغات وتغير تراتبية المجتمع
وأنظمة الحكم، غير أن بنيته الثقافية ظلت صامدة رغماً عن جسامة تلك التحولات.
فالعادات المتأصلة لا تزول بسهولة، لأنها ليست مجرد ممارسات عابرة، بل امتداد
لذاكرة جماعية ضاربة في القدم. ومن هنا بقيت "حفرة الدخان" حاضرة في
الحياة السودانية عبر العصور، من أقدم الحقب وحتى يومنا هذا، شاهداً على استمرارية
تقليد محلي حافظ على تماسكه رغم التحولات الداخلية والمؤثرات الخارجية.
المراجع:
1 ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛
الطبعة الثالثة ـــ 2015، ص 16.
2
ـــ نعوم شقير؛ جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة؛
بيروت ـــ 1967، ص 257.
3 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس
بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 118.
4 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ
موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 75.
5
ـــ ويليام آدمز؛ النوبة رواق إفريقيا؛ ترجمة: محجوب التجاني. الطبعة الثانية ـــ 2005، ص 444.
6 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان،
الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 54.
7 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان،
الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 103.
8 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان،
الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 104.
9 ـــ الفريد ادمون بريم؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛
الطبعة الأولى ـــ 2010، ص 129.
10 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛
دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 154.
11 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 158.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق