الجمعة، 29 مايو 2026

أجراس الولادة

ومن العادات القديمة التي استمرت حتى وقتٍ قريب في بعض أقاليم السودان، عادة قرع الأجراس على مسامع الوليد، طيلة فترة الأربعين صباحاً ومساء. غير أن هذه الصورة قد تكيفت مع الزمن، فاستعيض عن الجرس في الفترات المتأخرة بالأواني النحاسية، وهذا هو الأسلوب الذي أصبح متبعاً في الشمال، فقد كانوا يحرصون على أن يستيقظ الطفل وينام على رنين الأواني النحاسية التي يطرق عليها بمرواد الكحل(1). ربما كانت هذه العادة أوسع انتشاراً بين الكوشيين القدامى، لذلك ظلت ضمن القيم المتوارثة لدى المجموعات السكانية التي أحاطت بمراكزها الحضرية الأولى، وهؤلاء كثر، ويحتلون مناطق شاسعة، منهم النوبة الذين كانوا يستوطنون غرب النيل في الواحات وحول الأودية ـــ على رأسها وادي هور ـــ وامتداداتهم التي تتداخل مع البجة، في المساحات التي كانوا يشغلونها في الشرق حول الآبار والحفائر، ومجاري المياه الموسمية، ما بين النيل وهضاب البحر الأحمر، وهؤلاء جميعاً تمازجوا مع السكان الذين استقر بهم المقام على ضفتي النيل.  

هذه المجموعات كان من مظاهر احتفائها بالمولود الجديد قرع الأجراس عند الشروق والغروب، ولكن مع تقادم الزمن حدثت بعض المواءمات الطفيفة في الأساليب والأدوات، دون أن يتغير النهج، مما قد يشير إلى وحدة المصدر التراثي. وربما كان البجة هم الأكثر محافظة على نسختها الأصلية، فقد ظلوا يقرعون الأجراس احتفالاً بمولد كل طفلٍ جديد(2)، ويتتابع هذا الرنين طيلة الأربعين يوم؛ يطرقونها عند الحمارات في بداية النهار ونهايته، مع الصباح ما بين بزوغ الفجر والشروق، ومساءً في لحظة الغروب حين يصطبغ الأفق بلون الشفق الأحمر(3). وهذا التوقيت في حد ذاته يخرجها عن نطاق العادة ويدخلها في إطار الطقوس التعبدية، فعلى ما يبدو أنها كانت جزء من معتقدات قديمة. وقد خضعت لبعض التحورات على النيل في الشمال، فاستبدلت الأجراس بالأواني النحاسية التي تطرق بالمرواد(4) فيصدر نفس الصليل وإن كان أقل حدة. أما البجة في الشرق، فعلى الأرجح، أنهم قد تمسكوا بالصورة الأصلية لهذا التقليد، وهو أن تصدر الأصوات من آلاتها الحقيقية. وفي الحالتين، تبدو هذه الممارسة ممتدة من الزمن سحيق. وإذا ربطنا ذلك بالصناعات البرونزية، يمكننا أن نعود بها إلى عهد كرمة، تلك الحضارة الباكرة التي عرف أهلها كيفية تشكيل المعادن وتحويلها من خامات إلى أوانٍ وأدوات أسهمت في تطوير حياتهم. وقد تكون الأجراس من بينها لتؤدي دوراً في بعض الشعائر التعبدية. ودون تجاوز يمكننا القول أن المسيحية قد تكون استمدت عادة قرع الأجراس للإعلان عن المناسبات الدينية من الحضارات القديمة. على العموم، فإن هذه العادة بتكيفاتها المختلفة، تتشاركها مجموعات سكانية تتحدر في الأصل من أجداد كان لهم حضور مميز في كوش العتيقة. وقد استمر ذلك في الحقب اللاحقة، إذ يحدثنا علم الآثار عن الاستخدامات الواسعة والمتعددة للأجراس في حضارة مروي، حيث عثر على عدد كبير منها وقد حملت مظاهر تدل على أهميتها. منها ما نقشت عليه أشكال لأسرى مقيدي الأيدي، ومنها ما رسمت عليه صور لنسور تمزق أجساد قتلى. وربما تشير هذه المناظر إلى أن لها دور في طقوس ترتبط بالحروب. وكما يبدو أن لها وظيفة في سعاية الماشية، فقد كانت تعلق على أعناق الأبقار(5)، ومن المعروف أن مروي كانت تتمتع بنشاط رعوي واسع. وفي كل الأحوال، كان للأجراس حضور ملحوظ في في مجتمعها، يظهر ذلك من انتشارها وتعدد أشكالها والرموز التي تحملها. فلا غرابة إذن أن نجدها تستخدم في بعض المناسبات الاحتفالية لدى أحفاد تلك الحضارة. ومن هناك جاءت عادة قرع الأجراس احتفاءً بالمولود الجديد. ومن خلال هذه الأمثلة قد نتبين قوة الموروث الثقافي في الحفاظ على الهوية الأصلية للمجتمع. فرغم تعاقب الأجيال وتغير اللغات والأديان، تظل العادات والتقاليد باقية يتوارثها الأحفاد عن الأجداد.

ومن بين إبداعات التراث السوداني، الذي استأثرت به المتاحف العالمية، ذلك الجرس الذي عُثر عليه في منطقة "الهوبجي" على الضفة الغربية من النيل جنوب المتمة، ويعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد. وهو مصنوع من البرونز، وقد نقشت عليه صور لطيور أفريقية. أما حجمه فيماثل تقريباً الجرس المدرسي المألوف، حيث يبلغ ارتفاعه نحو أحد عشر سنتمتراً، بينما يبلغ قطره حوالي عشرة سنتمترات(6). وهو نموذج لتلك الأجراس التي كان الأسلاف يستقبلون بها مواليدهم.

جرس "الهوبجي" يعود تاريخه إلى ما قبل ألف وخمسمئة سنة

المراجع:

1 ـــ تاج السر عثمان؛ تطور المرأة السودانية؛ الطبعة الثانية؛ الخرطوم ـــ 2025. نسخة إلكترونية.

2 ـــ محمد عوض محمد؛ السودان الشمالي، الطبعة الثالثة ـــ 2013، ص 35.

3 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 132 ه 4.

4 ـــ تاج السر عثمان؛ تطور المرأة السودانية؛ الطبعة الثانية؛ الخرطوم ـــ 2025. نسخة إلكترونية.

5 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 83.

6 ـــ The British Museum; Sudan Ancient Treasures; p. 196.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...