الجمعة، 29 مايو 2026

مزارات الولادة

من التقاليد السودانية الضاربة في عمق الزمن، عادةُ زيارة النيل بالمولود في أيامه الأولى؛ عادةٌ تتشابك فيها الرموز، وتتماهى فيها الأزمنة، حتى ليبدو الماضي ماثلاً في الحاضر، لا يفصله عنه سوى اسمٍ تبدّل أو دعاءٍ تغيّر لفظه وبقي معناه. تبدو هذه الصور جلية، عند كل زيارة للنيل المقدس، وهي جولات تكون عادةً مرتبطة بحدث سعيد، وفي موعدٍ محدد. بالنسبة لأول لقاء بين الصغير والنيل، يختلف الناس في تحديد اليوم؛ فمنهم من يذهب في اليوم الثالث ومنهم من ينتظر السابع، غير أن المشهد في الحالتين واحد.

تبدأ الحكاية من البيت، حيث تقوم البنات بتنظيف الغرفة التي ولد فيها الطفل، ويأخذن البقايا التي تجمعت منها ويضعنها في طبق، وكأنهن بذلك يطوين صفحة مضت ويفتحن صفحة جديدة. ثم بعد ذلك، واستعداداً لمشوار العشية، يحضّرن بعض الأطعمة. وبعد غروب الشمس تتجمع النساء من الجيران والأقارب، تصحبهن الأطفال، ويخرجن في سيرة تتعالى فيها الزغاريد وتصدح فيها الأغاني والأهازيج،  وتمضي نحو النيل، تتقدمهن الداية وهي تحمل الرضيع، وعندما يصلن إلى "القيف"، يطرحن تلك النفايات في الماء في أشارة للتخلص من القديم واستعداداً لاستقبال الجديد. وبعد ذلك يقمن بتقديم الأطعمة قرباناً للنيل(1)، لا باعتباره ماءً جارياً فحسب، بل رمزاً للحياة والخصب والنماء. وتبدأ اللحظة الأكثر دلالة حين تغمس يد الوليد في الماء والمسح بها على وجهه(2)، فالشعيرة تقتضي أن يكون الصغير أول من يصافح الأرواح الخفية، ثم بعد ذلك يتاح الأمر للجميع، وفي اثنائها يغسل وجه الطفل وكفاه وقدماه، وتكون البركة شاملة حين يغمر كامل الجسد، بينما تتعالى حوله الدعوات والابتهالات، وتنساب الترانيم والأغاني التي تمجد النيل، في احتفال رمزي يؤكد استمرارية المعتقدات القديمة التي تقدس هذا النهر.

عرفت الحضارات السودانية هذا الطقس منذ عهودها الأولى، واستمر في الفترة المسيحية، تحت مسمى "طقس المارية"(3) في إشارة إلى مريم العذراء، ثم ظل حاضراً بعد دخول الإسلام، وإن تخلى الناس عن إسمه القديم، ولكنهم لم يتخلوا عن جوهره. تبدل السياق، وبقي الفعل؛ تنازلوا عن معتقداتهم ولكنهم تمسكوا بتراثهم وتقاليدهم. يتضرع بعضهم للنهر أن يفيض عليهم بالنعم، ويسبغ عليهم الخيرات. ويرسم غيرهم علامة الصليب على جبين الطفل أو رسغه(4).

هذه الطقوس تتكرر مرة أخرى عندما تكتمل عدة الأربعين، فذلك اليوم يكون مناسبة احتفائية بعد أن تحررت الأم من الاقامة الجبرية، فتتجه الأنظار نحو النيل، موكب من النسوة والأطفال يضم الوالدة وهي تحمل رضيعها، حيث تتاح له رؤية النهر المقدس للمرة الثانية، بعد أن أطل عليه من قبل وهو في أسبوعه الأول،  ولكن في هذه الزيارة يذهب إليه وهو في حضن أمه. فبعد غروب شمس، يتشكل حشد صغير من نساء الحي أو الفريق أو القرية ومعهن الصغار، يحملن أطباق الطعام وآنية اللبن، وتتقدم الأم وهي تحمل طفلها مجرتق بالضريرة والخمرة والخرز والتمائم، وتنطلق مسيرتهن نحو النيل مصحوبة بالأهازيج والزغاريد مع أطباق الأطعمة وجريد النخل(5). عند الوقوف في "القيف"، تقوم الأم بإلقاء حفنة من البليلة(6) وسبعة لقيمات (زلابية) في النهر(7)، بينما تردد البقية الأغاني التي تمجد نيل الحياة(8)، وتعلو المناجاة بالدعاء والابتهال للأرواح التي تسكن أعماق النهر، متضرعة بأن تتنزل عليهم بركاته، وأن ينعموا بالخير الوفير. وتلقي كل امرأة بقربانها في الماء، فقد تكون قطعة خبز أو حلوى أو تمر، ولكن دائماً ما تكون البليلة في المقدمة لما لها من رمزية في كف البلاء. ثم تغسل الأم وجه مولودها ويديه وقدميه، وتأخذ كمية من الماء للاستحمام في المنزل، وهو ما يعرف بـ"حمام الأربعين". وتختتم طقوس الأربعين برسم صليب بالكحل على جبهة الوليد حماية له من العين والحسد والأرواح الشريرة(9).

يفعلون ذلك وهم على ملة الإسلام، في تداخل عفوي بين معتقدات الماضي وما يؤمنون به في الوقت الحاضر. إنه تواصل ثقافي لا ينفصم، خيط ممتد من الأسلاف إلى الأحفاد. فحين تتبدل الأديان تبقى التقاليد، وتتغير المرجعيات ويستمر الرمز. هذا التواصل يدفع بتساؤل يبدو مشروعاً عن طبيعة التحولات التي يُقال إنها أعادت تشكيل المجتمع السوداني بالكامل، واستبدلت قيمه المحلية بأخرى وافدة من الجزيرة العربية. فلو كانت هناك قطيعة سكانية أو تدخلات واسعة أعادت صياغة البنية الثقافية، لكان من المنتظر أن يطال أثرها مثل هذه الطقوس العميقة. غير أن المشهد، كما نراه، يوحي باستمرار طويل أكثر مما يوحي بانقطاع، وبجذور ضاربة في الأرض أكثر مما يوحي بزرع وافدٍ حديث العهد. وهذا قد يشير إلى أن المجتمعات السودانية، لم تشهد تدخلات سافرة، فليس هناك أثر لعنصر خارجي قد تداخل في نسيجهم، فإذا كان هناك حديث عن قادمين جدد حلوا بهذه البلاد، فعلينا البحث عنهم في غير تراثنا، لأن ترابط الماضي بالحاضر، الذي يتجسد في عاداتنا وتقاليدنا، لا يكشف عن هذا الحضور.

ظلت زيارة النيل في المناسبات السعيدة من التقاليد الراسخة، وذلك لأن هذا النهر كان يُعد أحد أهم رموز القداسة في المعتقدات القديمة، وربما يعود ذلك إلى أن الناس في تلك الأزمنة كانوا يتعاملون مع عناصر الطبيعة بصفتها كائنات حية لها أرواح وقدرات مؤثرة. وبالطبع إذا كان هذا التصور يشمل كافة المظاهر الكونية، فالماء يأتي في مقدمتها، وبناءً على هذا المعتقد تشكلت لديهم قناعات بأن النيل ليس مجرد مجرى مائي، وإنما كياناً يتمتع بقدرات إلهية، بل أكثر من ذلك، لقد وصف في بعض الأناشيد القديمة بأنه "أب الآلهة"(10) وفي تصور آخر، إن مياهه ترشح من مسام الآلهة في عليائها(11)، وبهذا ارتبط النهر بقدسية معبودات السماء. وبالاضافة إلى ذلك هناك أرواح تسكن أعماقه وهي تمتلك القدرة على تحقيق الوفرة والنماء والازدهار عند الرضا، وإنزال الأذى والخراب والدمار عند السخط، لذلك يجب استرضاؤها وتجنب غضبها، حتى يعيش الناس في أمان، ويعم الخير والرخاء والسلام، هكذا كان الاعتقاد في النيل وساكنيه، فهو إله قائماً بذاته، وتستقر في أعماقة آلهة أدنى. أما في التمثيل الرمزي فقد كان  يصور في الرسومات الجدارية إنساناً واحداً يحمل صفات الجنسين، فهو رجل وإمرأة في نفس الوقت، كائن واحد يجمع بين الذكورة والأنوثة(12)، وفي ذلك إشارة إلى قدرته على منح الحياة من تلقاء ذاته، دون الحاجة لشريك، وهي صفة كثيراً ما ألصقت بالآلهة في الأساطير القديمة، حيث يروى أن الإله أنجب أبناءه من ذاته دون تدخل من طرف آخر(13).

هذا هو التصور الذي رسموه للنيل في خيالهم، فهو القادر لوحده دون الإستعانة بغيره، أن يهبهم أسباب الحياة والنعيم. وقدسوه وفقاً لهذه الرؤية، وأصبح أحد معبوداتهم. ومن الأشياء التي تؤكد ألوهيته ـــ في نظرهم ـــ أنهم كانوا يقدمون له مختلف أنواع القرابين، من الأطعمة والثمار التي كانت تلقى في مياهه، إلى إلقاء العملات المعدنية في فترات لاحقة. بل أكثر من ذلك، تشير بعض الروايات إلى أنه في العصور القديمة، كانت تقدم له قرابين بشرية بصورة منتظمة في كل عام، تمثلت في انتقاء أجمل الفتيات وإلقاؤها في الماء حتى ينالوا رضاه، فتُفتح أمامهم أبواب الرزق والرخاء وسعة العيش. بناءً على هذه القناعات، كانوا يتوجهون إليه برجاءاتهم، ويحجون إليه في مناسباتهم المختلفة.

إذا كان سكان النيل لديهم وجهة محددة يذهبون إليها بمواليدهم، فلأهل دارفور أكثر من موقع مقدس يحملون إليه صغارهم؛ فقد يكون صخرة أو شجرة أو تل(14)، حسب طبيعة حياتهم ما بين الاستقرار والترحال. ويعتقدون أن هذه الأماكن تسكنها أرواح مجهولة يمكنها أن تسهل حياة الإنسان أو تعرقلها، لذلك يحملون إليها مواليدهم ويتضرعون لها بالدعاء أن تجعل حياتهم ميسورة وتبعد عنهم الكوارث والأمراض. وفي هذه الزيارة تتكرر الطقوس المعتادة في المناسبات الأخرى، حيث يقدمون قربانهم، لأن الدم ضروري لاسترضاء الأرواح. وتقوم الأم برسم الصليب على الحجر، ثم يعمدها الكاهن برسم علامات بالطين على جسمها، ويربط طوقاً من النباتات الخضراء حول عنقها ويديها هذا الإجراء تخضع له الأم وحدها، ولا يشمل الطفل(15).

وفي جبال النوبة نجد نفس هذه العادات، ولكن بتكيفات مختلفة، فهم مثل أهل دارفور لا تتوفر لهم الأنهار، غير أن لديهم بدائلهم الخاصة. فعندما تنقضي الأربعين يوماً، تأخذ الأم طفلها إلى الكجور على أمل أن يطهره، ويبعد عنه الأرواح الشريرة، ويجعل حياته سهلة سعيدة. فيأخذه ويضعه في قدح كبيرة مملوء بالماء، ثم يخرجه ويسلمه إليها(16)، ويعدها بأن أمانيها ستتحقق، وسيعيش ابنها أو بنتها في خير وهناء، وظلت هذه العادة سارية إلى وقت قريب، إن لم تكن مستمرة حتى اليوم، رغم أن هذا الإقليم، مثل بقية أرجاء السودان، قد خضع لبعض التغيرات على المستوى الديني واللغوي. أما القيم الاجتماعية المتمثلة في العادات والتقاليد والأعراف، فقد حافظت على حضورها في حياة الناس، مثل مفرداتهم التراثية الأخرى، وهي كثيرة ومتنوعة، ولا زالت تحتاج لمن يكتب عنها، ليعرفها الآخرون.

هذه عادات سودانية قديمة تكيفت مع مختلف الأديان والمعتقدات، تجدها لدى المسيحي والمسلم والكوجوري وغيرهم، وهي تعبر عن وحدة ثقافية عميقة تضرب بجذورها في التاريخ. فقد كان الجميع يستقون من نفس المصدر رغم إنتشارهم في أرجاء هذا البلد الواسع، وتعدد ألسنهم وسحناتهم وألوانهم. ومع ذلك، يجمعهم إيمان راسخ بوجود قوة غيبية تسيطر على هذا الكون، يتوجب عليهم التقرب إليها واسترضاؤها. فالمرأة التي تؤدي طقوس الإحتفاء بالمولود الجديد تفعل ذلك وهي تعتقد ـــ ويعتقد المجتمع ـــ أنها إن قصرت ستتعرضت للعقاب أو يصيبها الأذى. وحتى إن تعارض هذا الإعتقاد مع جوهر قناعاتها الدينية المعلنة، فإنه يظل مقبول من الآخرين، دون أن يتسائل أحد عما إذا كانت العقيدة التي يتبناها تجرم فعل هذه الطقوس أو تعاقب على تركها. ولكن هناك دافع خفي يرغمه على الإلتزام بما تعارف عليه الناس. إنها القناعات المتوارثة والمترسبة في أعماق العقل الجمعي للمكونات السكانية المتحدرة من تلك الحضارات القديمة التي نهضت على أرض هذه البلاد، وشكلت الملامح الأولى لقيمها وعاداتها وتقاليدها. فهي ذاكرة ثقافية ممتدة، تتبدل أشكالها، لكن روحها تظل حاضرة في الوعي والسلوك.

المراجع:

1 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 203.

2 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 109.

3 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 15.

4 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 92.

5 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 202.

6 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 176.

7 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 110.

8 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 91.

9 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 176.

10 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 33.

11 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 499.

12 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 34 ه 1.

13 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 288.

14 ـــ سلاطين باشا؛ السيف والنار في السودان؛ مكتبة الآداب القاهرة ـــ 2008، ص 31.

15 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 164.

16 ـــ تاج السر عثمان؛ تاريخ النوبة الإقتصادي الإجتماعي؛ الخرطوم ـــ 2003، ص 77.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...