الجمعة، 29 مايو 2026

أربعين الولادة

فترة الأربعين من أهم العادات المرتبطة بالولادة، فيها تلزم الوالدة بألا تبارح "كجرتها" طيلة هذه المدة، وخلالها يجب ألّا يترك الطفل وحيداً ولو للحظات، فلا تبتعد عنه الأم إلّا في وجود شخص آخر يظل بالقرب منه إلى أن تعود(1). لأن هناك معتقد شائع بأن في الأجواء المحيطة أرواح شريرة تتربص بالصغار، ويمكن أن تلحق بهم الأذى، إن لم يكن هناك رقيب. وأكثر ما يخشى منه هو أن يتم استبداله بآخر من عالم الغيب، ويتم التعبير عن ذلك عندما يكبر الطفل ويقوم ببعض بتصرفات المزعجة، فكثيراً ما يوصف بأنه "مبدل"، وهذه المعتقدات فيما يبدو أنها قديمة الجذور، سبقت المسيحية بعهود طويلة، وظلت سائدة حتى فترات قريبة، مما يعكس عمقها في الوعي الشعبي.

الأربعين، ليست مجرد إعتكاف قسري تمليه ضرورة مراقبة الطفل فحسب، بل ترتبط أيضاً ببعض الأعراف الاجتماعية والتقاليد المتوارثة التي يجب التقيد بها، وتشرف على تنفيذها "الحبوبات"، فهن الأكثر حرصاً على أن تتبع الأم هذه الموجهات بدقة. من بين المحاذير التي يجب تجنبها رؤية بعض الأشخاص أو التعرض لأشياء محددة، ومن ذلك ألّا يدخل عليها رجل عائد مباشرةً من السوق خاصة إذا كان يحمل لحم نيئ، أو تزورها إمرأة ترتدي حليّاً من نوع معين، أو يطل عليها متسول، أو شخص صادف في طريقه جنازةً، وكذلك بعض الحيوانات أو حيوانات بمواصفات معينة مثل قطة حامل، وأشياء من هذا القبيل، فالاحتكاك بهذه الممنوعات يجعل الأم عرضة لمخاطر المشاهرة، ويعتقد البعض أن هذا التقليد له إرتباط بالقمر، فجاء الاسم من الشهور القمرية، أما مخاطره فهي مجموعة من المصائب والأمراض، من بينها فقدان الأم القدرة على أفراز اللبن، أو أن تصاب بالعقم، فلا تنجب مرة أخرى، أو أن يصاب طفلها ببعض الأمراض. وتأثير هذه المشاهرة لا ينقضي إلّا بعد مرور أربعين يوماً، لذلك عليها أن تحتجب خلال هذه الفترة. فمنع الأم عن الحركة طيلة هذه المدة ليس من أجل أن تسترد صحتها وعافيتها وتعود أحسن من الأول، وإنما هو إلتزام عُرفي واجب التنفيذ، وإلّا فإن هناك عقوبات غيبية سوف تتنزل عليها وعلى مولودها.

وهناك تصورات أخرى تضيف لهذه الفترة بعداً آخر، حيث كان يعتقد أن المرأة عندما تضع مولودها، تأتي الأرواح التي تسكن النيل لزيارتها، وتظل مقيمة بالقرب منها طيلة هذه المدة ولا تعود إلى الماء إلّا بعد الإنتهاء من الشعائر التي تقام في عشية اليوم الأخير من الأربعين(2)، بعدها تعود الأرواح إلى عالمها، وتحرر الأم من القيود التي كانت تلزمها بألّا تغادر البيت، فيصبح بمقدورها أن تتحرك بارتياح. ولكن ذلك لا يعني أن جميع شروط حالة الولادة قد انتفت، فبعد أن تخلصت الأم من فترة العزلة الإلزامية وأصبح بمقدورها أن تمارس حياتها العادية، يظل الصليب يلازمها، فإذا كانت ذاهبة إلى مكان لم تزره منذ الوضوع، فإنها ترسم على الصليب على جبين طفلها وكذلك على جبهتها(3)، حماية من الأذى الذي قد تلحقه بهما القوى غير المرئية بما فيها العين والحسد.

وللبجة عاداتهم في هذا الاحتفال الأربعيني؛ فهم في رعيهم ينأون عن الأنهار ومجاري المياه الدائمة، لذلك كانت لهم رموزهم الخاصة، التي تلائم البيئة التي يعيشون فيها. فقد كانوا يحتفون بميلاد طفل جديد بقرع الأجراس(4)، عند الشروق والغروب طيلة الأربعين يوماً، وهو ما تطرقنا إلى من قبل.  ولديهم مظاهر احتفالية أخرى، منها إيقاد النار؛ فما أن تضع الأم مولودها، حتى يشعلوا كومة حطب أمام وخلف مكان إقامتها(5)، سواء كان خيمة أو قطية أو غرفة عادية. وتظل هذه النار متوهجة ومضيئة طيلة الأربعين يوماً(6) ويعتقدون أنها تحمي الأم ووليدها من نذر الشؤم والنحس والأذى، إذ أنها تطرد الجن والعفاريت والأرواح الشريرة عن المسكن، وتجتذب إليه الخير والفأل الحسن(7).

كل ذلك يدل على أن للقوى الغيبية وجود مكثف في عادات الولادة، وهي من المعتقدات القديمة التي ظلت راسخة في وعي الناس حتى وقت قريب. وهذا ما كانت تؤمن به مجتمعاتنا، وما ظلت تمارسه في الحياة اليومية، وقد نجد في إستمرار هذه التصورات حتى وقتٍ قريب، إشارة إلى أننا لم نتأثر إلى حدٍ كبير بثقافات وافدة، وهذا ما أتاح للتراث المحلي أن يحافظ على حضوره القديم.

المراجع:

1 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 133.

2 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 110.

3 ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 122.

4 ـــ محمد عوض محمد؛ السودان الشمالي، الطبعة الثالثة ـــ 2013، ص 35.

5 ـــ فرح عيسى محمد؛ دراسات في الفولكلور السوداني؛ الطبعة الأولى ـــ 2000، ص 132.

6 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 176.

7 ـــ محمد عوض محمد؛ السودان الشمالي، الطبعة الثالثة ـــ 2013، ص 42.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...