مراسم الاحتفاء بالمولود الجديد، لا تجرى بوصفها مناسبة عائلية عابرة، بل باعتبارها امتداد لذاكرة بعيدة تضرب بجذورها في عمق الماضي. فبعد أن تكتمل عملية "جرتقت" الطفل بصورتها المعهودة، تتخذ المناسبة طابعها الاجتماعي، فتذبح كرامة، ربما كانت تمثل قرباناً للآلهة في الحقب السابقة، حينها كان القصد من الذبيحة، هو استرضاءً القوى الغيبية، حتى تنعم على الأم ومولودها بالأمن والسلام. هذا التقليد ظل ممارساً في العهد المسيحي بطريقة مماثلة، لكن مع بعض الإضافات والاشتراطات، فمراسم الجرتق تتم بنفس الأسلوب، أما الجديد فهو رسم الصليب على جبين الطفل أو رسغه أو الاثنين معاً، من أجل أن تتنزل عليه بركات السماء، وإعلاناً عن الانتماء للدين الجديد.
ثم بعد ذلك يقدم القربان،
فيذبح خروف أو أي بهيمة أخرى، من أجل إعداد الطعام للسابلة، مع الالتزام بشرط
واحد، وهو عدم كسر أي عظم من هذا الحيوان، وهذه القاعدة واجبة التنفيذ. وبعد الذبح
تغمس الأيادي في الدم وتطبع على جدران المنزل عند المدخل. وكان هذا القربان يستدعي
في الذاكرة المسيحية طقس ذبح الحمل الفصحي في العهد القديم(1). الذي يقدم في عيد الفصح(2)، وهو احتفال ديني يقام تخليدا
لذكري قيام السيد المسيح، لذلك يعرف أيضاً بعيد القيامة، فهو يرتبط بمناسبة دينية
لها طقوسها، ومنها أخذت بعض الملامح لتطبق في الاحتفاء بالمولود الجديد. على
العموم الاحتفالات التي تجري بعد الولادة، يبدو أنها تعود لتقاليد لها علاقة وثيقة
بمعتقدات الناس في أزمان مضت، ثم استمرت في المسيحية مع بعض التكيفات، لتورث
للأجيال اللاحقة وهي تحتفظ بجوهرها القديم.
وبعد أن استقر الإسلام، لم
تختفِ هذه الممارسات، بل أعادت تشكيل نفسها في ضوء العقيدة الجديدة. استمر الجرتق
الكوشي القديم مع صليب زماننا المسيحي، وربما اصطحبت تمائمها بعض الأحجبة مواءمةً
مع النقلة الدينية. وكذلك الذبيحة أو الكرامة ظلت حاضرة، تذبح بعد الإنتهاء من
الجرتق(3)، كما أن مدلولها لم يتغير فهي تقدم قرباناً لله مع التسبيح
بحمده وجزيل الشكر على نعمه، أما إشتراطاتها فهي مختلفة بعض الشيء عما كان عليه الحال
في المسيحية، وإن كانت لا تختلف في المضمون، حيث أصبحت بقايا عظام الذبيحة التي
كانت لا تكسر في المسيحية، أصبحت مع الإسلام تهشم إلى قطع وشظايا وتعلق في الزوايا
العليا "للكُجرة" التي تقضي في داخلها الأم فترة الأربعين، كما يوضع البعض
منها على سقف غرفتها أو قطيتها، والهدف المستبطن من وراء ذلك هو الحماية وإبعاد
الأرواح الشريرة. وهي بذلك تبدو إمتداداً للتقاليد القديمة، أما الإسم الحاضر لهذه
الذبيحة في زمن الإسلام فهو "الحلالة" وينطقها البعض
"الحرارة"، ويُعبر عن ذلك شعبياً بالمثل الذي يقول: "كرامة
لى مرتنا وحُرّارة لى جنانا"،
والمرة هي الأم والجنى هو الطفل الوليد. على العموم، ومهما تغير الإسم ظلت
الممارسة واحدة، وربما تغير توقيتها أيضاً فأصبحت تذبح في اليوم الثالث من
الولادة، ولكنها ظلت هي نفس القربان القديم. فمن هذه الإحتفالات الأولى بمولد طفلٍ
جديد نلاحظ الإستمرارية الثقافية في الجرتق والكرامة ورمزية العظام والدم، والقصد
من الممارسة في درء الشر وإستدعاء الخير.
ومن اللافت أن عادة طباعة
الأيدي الملطخة بالدم على الجدران، التي كانت تمارس في العهد المسيحي ضمن مظاهر
الاحتفاء بالمولود الجديد، لم تندثر، وإنما وجدت لها موقع جديد في مناسبة إسلامية
أخرى؛ عند عودة الحاج من الديار
المقدسة، فتذبح له كرامة، ثم تغمس الأيدي في الدم، وتطبع على الجدران عند مدخل البيت،
ومعها يكتب بخط عريض: حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. كأن الطقس
القديم أعيد استخدامه داخل سياق ديني مختلف. حيث انتقلت هذه العادة من الميلاد إلى
الحج، وربما حمل ذلك دلالة رمزية توحي بأن الحاج وُلِد من جديد بعد أداء الفريضة.
وعلى كل حال، ومهما يكن من تفسير لهذه الممارسة، فإن حضورها في الإطار الإسلامي،
يدل على أن هناك إعادة توظيف لعناصر التراث القديم، ضمن منظومة الدين الجديد.
ونعود إلى طقوس الكرامة
والمعاني الرمزية التي تتضمنها، حيث نجدها في كرفان وقد اتسمت بمراسم أكثر
تعقيداً، وربما مزجت بين أكثر من تصور ديني، فالمسيحية تشترط عدم كسر أي عظم من
الذبيحة، وفي كردفان يشترطون عدم كسر السيقان الأربعة فقط مع لوحتي الكتف، أما
البقية فلا مانع من تهشيمها. تؤخذ العظام السليمة ثم يثقب كل منها بعناية، وبعد
ذلك تنظم في خيط واحد، وتربط معها عصا معقوفة، ويضاف إلى هذه التركيبة عدد من فروع
شجر اللعوت الرفيعة، بعضها يثنى في شكل دائري، وهذا يسمى "الكارات"
والبعض الآخر يترك مستقيماً دون تسمية، كل هذه الأشياء تربط معاً، ويطلق على هذا
التكوين إسم "العَلَق" (بفتح العين واللام) ولابد أن هذا الإسم قد جاء
من الكيفية التي سيوضع بها في موقعه لأداء وظيفته الطقوسية، فهو يعلق قبالة رأس
المرأة الوالدة، ليبقى في هذا الموضع طيلة الأربعين يوماً، الشروط التي يجب
الالتزام بها لضمان فعالية هذه التعويذة، أن تكون العظام من خروف السماية نفسه
وليست لأي حيوان آخر، وأن تكون العصا معقوفة، وأن تكون الأفرع من شجر اللعوت، وليس
أي نوعٍ آخر. أما الأسباب التي دعت لصياغة هذا العلق على هذا الشكل، فلا أحد يعلم،
سوى أنهم وجدوا أسلافهم يفعلون ذلك ففعلوا مثلهم، وكذلك وظيفته، لا أحد يستطيع
تحديدها أو تفسرها، ولكن الجميع متفقون على أن الإهمال في ترتيب هذه الأشياء بهذه
الطريقة، وتعليقها في هذا المكان قد تترتب عليه مصائب هم في غنى عنها، لذلك وكفاً
لهذه البلوى المحدقة، عليهم أن يتبعوا ما رسمه لهم الآباء(4). من
الواضح أن هذه عادات قديمة تواصلت عبر الأجيال، منذ زمنٍ يصعب تحديده، مارسها
الناس في وسط السودان حيث يوضع جزء من خروف الكرامة في سقف الحجرة، وتعلق بعض
العظام في كُجرة الأم والطفل، وفي الغرب وبالذات لدى الكبابيش، تعلق العظام مع
الفروع والعصا عند رأس الأم داخل الخيمة. التشابه في هذه الممارسات قد يشير إلى
وحدة الأصل، ثم حدوث بعض التحورات التي ربما أملتها طبيعة المنطقة أو البيئة أو
الثقافة المحلية.
أما في جبال النوبة فيتخذ هذا
التقليد شكلاً آخر، ولكن من حيث المضمون لا يختلف عما يجري في المناطق الأخرى،
فالهدف لدى الجميع هو طلب الحماية من الأرواح الخفية أو العين والحسد. لذلك هناك
إجراءات يجب إتباعها من أجل صد الأذى الذي يمكن أن تسببه هذه القوى غير المرئية
سواء للأم أو الطفل. ويتطلب ذلك أن يقوم الأب باصطياد "وردل"، ويسلخ
جلده ويقطعه إلى شرائح رفيعة، وفي اليوم السابع، عند تسمية الطفل، يربط أحد هذه
السيور على ساعد الوليد(5). وهكذا نرى أن المعتقدات واحدة، فهم جميعاً
يؤمنون بأن هناك قوى خفية، يجب التعامل معها، بأساليب قد تختلف من موقع لآخر،
ولكنها تتحد في الهدف. هكذا
تبدو طقوس الولادة في السودان مثالاً واضحاً على استمرارية التقاليد القديمة عبر تطاول
الأزمان و تبدل الأديان. تتغير الأسماء، وتختلف بعض التفاصيل، لكن البنية الرمزية
تبقى متماثلة، تظهر من خلال الذبيحة، والدم، والعظام، وكذلك الزمن المحدد، والغاية
الواحدة، وهي الحماية وطلب البركة. إنه تراث لا يعيش في الكتب، بل في الممارسة
اليومية، يتناقل الناس تفاصيله كما تلقوها، يتداولون مضمونه، وإن غاب عنهم المدلول
الحقيقي.
المراجع:
1 ـــ جيوفاني
فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 203.
2 ـــ رسائل جاك دي فيتري؛ ترجمة: عبد اللطيف عبد الهادي
السيد، ص 233.
3 ـــ عبد الله شم
وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 91.
4 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ
1964، ص 237.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق