الأسلوب الفرعوني في ختان البنات، رغم ضرره البالغ، ومع ما يوقعه من ألم مباشر على البنت، وما يخلفه من آثار سلبية على صحتها النفسية والجسدية في حاضرها ومستقبلها، إلا أنه أستمر زمناً طويلاً، وتمدد في رقعة شاسعة من البلاد، دون أن يصطدم بمقاومة جادة من المجتمع. وكأن الأذى، مهما كان فادحاً، لم يكن كافياً لزعزعة يقين ترسخ في وجدان الناس منذ عهود مضت، دون أن يجد من يحتج عليه. مواصلة في نفس الموضوع: فأول نداء خافت دعا لإيقاف هذه الممارسة المتعسفة جاء من الشيخ حمد ولد أم مريوم في القرن السابع عشر الميلادي، ولم يكن بذلك سابقاً لزمانه فحسب، بل سابقاً لزماننا أيضاً، إذ طالب بالكف عن ختان البنات بصورته التقليدية، ودعم وجهة نظره بحجة فقيه، توضح أن هذا البتر والإزالة ليس من السنة(1)، أي أنه مخالف للدين الإسلامي، وبالطبع كانت مناداته، في ذلك الوقت، بمراجعة هذه العادة المتجذرة مجرد صرخة في وادٍ.
وإستمر الحال على ماهو عليه
لقرابة قرنين من الزمان، دون أن يقابل باعتراضٍ من أحد. ثم لاح في الأفق، إبان
العهد التركي، شيء من الحراك الواهن. ففي عام 1845 أصدر أحد الحكمدارات قوانين
تتدخل في بعض عادات أهل البلد، ومن بينها ما يجرم أسلوب ختان البنات(2)،
وآخر يمنع حمل الحراب في الأسواق، وهي من العادات التي كانت شائعة في ذلك الوقت(3).
إضافة إلى مرسوم يحظر على النساء النواح والعويل في البكيات(4). غير أن
تلك الإجراءات كانت مجرد قفزات بهلوانية في دهاليز التقاليد السودانية، لم يلتفت
إليها أحد، ولم تملك القدرة على زحزحة ما تعارف عليه الناس منذ آلاف السنين.
أما فيما يتعلق بطهورة البنات،
فلم تحرك تلك التشريعات ساكناً، وامتد الصمت مرة
أخرى، قرابة قرن كامل. لم يظهر خلاله من يتبنى علنًا صوت الشيخ حمد ود أم مريوم،
أو يقف في صفه. إلى أن ظهرت مؤسسات التعليم النظامي في مطلع القرن العشرين، فخرج
من بين صفوفها من أعاد التقاط ذلك الصوت القديم، ودعا إلى مراجعة هذه العادة. ففي يوم 25 يوليو 1939 نشر طبيب في صحيفة "النيل"
مقالاً وضح فيه المضار المحتملة للطريقة التي يتبعها السودانيون في ختان البنات،
وأردف ذلك بالتواصل مع مفتي السودان، مطالباً أياه بأن يوضح للناس الرأي الشرعي في
هذا الأمر. وبالفعل تقدم المفتي برأيه، الذي نشر في الجريدة نفسها يوم 31 يوليو
1939، وذكر فيه أن هذه العادة لم تُعرف قط في العالم الإسلامي أو أي قطر آخر(5)، لاحظ نفيه لممارستها في العالم الإسلامي
أو في أقطار العرب، وفكر في نوع الشعب الذي يعيش في السودان، وتساءل عن طبيعة
علاقاته ونوعية إرتباطاته ببلاد العرب، ونوعية الثقافة التي يتبناها، وهل هي محلية
أم مستوردة من الخارج؟ على العموم هذه مجرد ملاحظة، ونعود لرأي المفتي في ختان
البنات. فقد قال إن الخفاض وفقاً للطريقة الإسلامية مستحب، لا يأثم تاركه، أما
طريقة البتر المتبعة في السودان فهي ممنوعة منعاً باتاً حسب تعبيره، أي إنها محرمة
دينياً، هذا ما قاله المفتي، لكنه لم يجد آذاناً صاغية، ولم يحرك ساكناً في واقع
الحياة الاجتماعية.
وتصاعد الأمر في عام 1946،
حيث أصدر أحد رجال الدين فتوى دعا فيها إلى وقف ممارسة الطهارة الفرعونية، ونوه
إلى أن هذه العادة تعتبر إثم إجتماعي يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي. وتزامن ذلك
مع مذكرة رفعتها لجنة تابعة للخدمات الطبية السودانية، أوصت باتخاذ إجراءات للحد
من هذه التقاليد الضارة بصحة المرأة. وعلى إثر هذه التحركات، أوصى المجلس
الإستشاري لشمال السودان بإصدار قانون يمنع ختان البنات على الطريقة السودانية، فتبنت
حكومة الاحتلال هذا المقترح، وأدخلت تعديلات في قانوني العقوبات والإجراءات
الجنائية، لتجريم من يمارسون هذه العادة(6).
وعند التطبيق الفعلي لتلك
التشريعات، تفجرت ثورة رفاعة الشهيرة في ذلك العام،
التي انطلقت شرارتها بعدما قامت إحدى النساء بكسر هذا القيد القانوني الجديد، عندها
داهمت السلطات بيتها في أنصاف الليالي، واعتقلتها عنوةً، ثم قامت بترحيلها إلى
السجن في مدينة مجاورة، فأثار ذلك موجة واسعة من الغضب والاحتجاج، واندلعت مظاهر
الرفض والمقاومة، التي تخللتها صدامات متبادلة بين السلطة والسكان. أعقبتها
ممارسات قمعية شملت الاعتقالات والمحاكمات والسجون. هذا شهده ذلك العام.
ولكن في الفترات المتأخرة صارت تلك الوقائع مثار خلاف،
إذ تباينت الآراء حول تحديد معايير الإنحياز إلى الجانب الصحيح، فادرج ذلك التفاعل
الجماهيري العفوي ضمن ثنائية النزاع بين الحداثة والتخلف، بين العصرية والماضوية.
ودون الخوض في محاججات أندية الصفوة، نعود بالأمر إلى قاعدة المجتمع، ونتحسس نبضها
عندما تطرح استفسار بسيط: ما بال هذا الأجنبي يتدخل في أكثر شئوننا خصوصية؟ هذا
التساؤل كان وحده كافٍ لإبتعاث تصورات تستفز أي مواطن، وتحفزه للثورة. فتلك
الاحتجاجات لم تنطلق من أجل التصدى لقضايا أخلاقية أو صحية، ولم تخرج تحت عناوين
الخطأ والصواب، وإنما خرجت ضد التعدي على القيم والاستهتار بالعادات والتقاليد.
إنها هبة في مواجهة الهيمنة واستلاب الهوية، بغض النظر عن مردودها من حيث المنافع
أو المضار، المكاسب أو الخسائر. فهذه النواحي لم تكن من ضمن شواغلهم في ذلك الوقت،
وإنما كان إهتمامهم منصرفاً نحو الحفاظ على القيم التي اختطها التراث، وتعارف
عليها المجتمع، ورفض كل ما تفرضه الحكومات قسراً وبقوة البطش، وركزوا أمام هذا
التحدي، مما أدى إلى تراجع قرارات السلطة الأجنبية، في مواجهة صمود التقاليد
المحلية، ومرة أخرى استمر الحال على ما هو عليه لأكثر من نصف قرنٍ.
ظلت هذه العادة حية دون أن
يطرأ عليها تغيير يذكر. إلى أن جاء مطلع القرن الحادي والعشرين، فتصدى لها أحد
الزعماء السياسيين، وهو الصادق المهدي، الذي كتب في صحيفة "الخرطوم"
بتاريخ 6/11/2004، أن المس بجسد المرأة حرام. وأعلن رفضه لكل أشكال الختان، سواء
كان خفاضاً أو إنهاكاً، ووصفه بأنه أمر خطير، وأضاف من وجهة نظر اجتماعية أن "كل
أنواع الختان سواء المخفف الذي يسمونه سنة أم المغلظ المسمى بالفرعوني، كله في
الحقيقة عدوان على عضو تناسلي". هكذا جاء في مقاله، ثم دلل على صحة هذا الطرح
ببعض الأقوال الفقهية، وختم حديثه بدعوة الجميع إلى اتخاذ موقف صارم من هذا
العدوان على الأنوثة(7). هذا هو رأي السيد الصادق المهدي، وقد أدلى بها
في زماننا هذا. المفارقة بعد قرابة أربعة قرون من أول اعتراض ديني، لا يزال الجدل
قائماً. أنه الصمود في وجه الحقب، فالصوت القديم الذي همس في القرن السابع عشر لا
زال صداه يتردد في القرن الحادي والعشرين، ولم يتغير شيء يذكر. وبالنظر لهذه
العادة وحدها، يمكننا أن نرى ملامح من تاريخنا الطويل، فهي رغم مضارها الواضحة،
ورغم ما وجدته من مقاومة دينية وفكرية وقانونية، ظلت باقية. وهذا يكشف عن طبيعة
المجتمع السوداني، إنه قديم التكوين، نسيج ذاته، لم يطرأ عليه طارئ، ولم يتخلله
جسم غريب يؤثر على ايقاع حياته، فإرث الماضي البعيد لا زال حاضراً، رغم التقلبات
بين الأديان واللغات.
من المفارقات، أن عادة ختان
البنات غطت معظم أنحاء السودان ولم تستثني من سكانه إلّا بعض المجموعات التي كان
نصيبها من الثقافة العربية الإسلامية محدوداً، أما الذين أصبحت العربية لسانهم
والإسلام عقيدتهم، كانوا هم الأشد تمسكاً بهذه التقاليد القديمة، على الرغم من
أنها ليست من عادات العرب، ولا يوجد لها سند صريح في تعاليم الإسلام، ومعظم الآراء
الفقيه تستنكرها، ومع ذلك كان انتشارها الأوسع في المناطق التي يتماهى أهلها مع
العروبة، ويتمسحون بالانتماء إليها. وهذا قد يكون موضع تساؤل مشروع، عن الأصول
التي ينحدر منها هؤلاء الناس، هل هم أحفاد أولئك الأجداد الذين خطوا البدايات
الأولى لهذه التقاليد في حضاراتهم الباكرة؟، أم أنهم أحفاداً لجماعات وفدت في
أزمنة لاحقة، ضلت بها السبل، واستقر بها المقام في هذه الأرض؟ سنترك هذا السؤال
معلقاً، لنعود إليه لاحقاً.
المراجع:
1
ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة
الخامسة ـــ 2012، ص 175.
2
ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء الأول؛
الطبعة الثانية ـــ 2016، ص 68.
3
ـــ الفريد ادمون بريم؛ الرحالة الألماني؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى
ـــ 2010، ص 117.
4
ـــ الفريد ادمون بريم؛ الرحالة الألماني؛ ترجمة النور عثمان أبكر؛ الطبعة الأولى
ـــ 2010، ص 261.
5
ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان.
ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 177 ه
3.
6
ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء الأول؛ الطبعة الثانية ـــ
2016، ص 69 ه5.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق