الحفل المقام بهذه المناسبة
يتضمن الكثير من الصور والرموز التراثية، ويقف في مقدمتها طقس الجرتق، الذي تأخذ
مراسمه الطابع الأنثوي، بصرف النظر عن جنس المقبل على الطهور، سواءً كان ولد أم
بنت، فمهما كان النوع فإن الإجراءات التي يخضع تكاد تكون متطابقة في الحالتين، مع
اختلافات هامشية لا تحدث تغييراً في المظهر النسائي الطاغي. المكونات التي تُعد
لتزيين المختون جميعها من عالم المرأة ومتعلقاتها، وعدم التمييز بين الاثنين في
الزينة، يبدو مقصود في ذاته، ويحمل دلالات خاصة في سياق المعتقدات القديمة. والفارق
الوحيد الذي يُبقى للأولاد خصوصيتهم هو حمل السيف أو السوط أثناء هذا الطقس، أما
ما عدا ذلك ـــ إذا استبعدنا الملابس ـــ
فكل العناصر مشتركة. والمكونات المستخدمة في الجرتق ليست مجرد أدوات زينة،
فهي محملة بالكثير من الدلالات الروحية والثقافية، ولكن نسبةً لتقادم العهود قد لا
نتفهم رمزيتها أو وظيفتها إلا تخميناً أو تأويلاً. ابتداءً من الحريرة الحمراء،
والخرزة الخضراء، وعظمة السمك، إلى عقود السوميت، والذهب، والفضة، والأسورة،
والتمائم، والحروز، مع الحُق الذي يحتوي على العطور الجافة والبخور، وصحن الحنة،
وأنواع من العطور النسائية الأخرى. جميعها تحضر بعناية ليتزين بها من هو مقبل على
على الطهور بغض النظر عن جنسه.
تبدأ المراسم بوضع العقود والسلاسل حول العنق ومن ضمنها عقد السوميت
ذو الرمزية الخاصة، مع الأساور على الساعدين، وربط الحريرة مع الخرزة الخضراء
وعظمة السمك في المعصم، والعصابة وهي شريط أحمر يعقد حول الرأس يتوسطه هلال يتدلى على الجبين، وأحياناً ـــ إمعاناً في
التشبه بالنساء ـــ تُلقى على رأس الصبي طرحة حمراء(1). ثم يضعون الحنة
على القدمين والكفين، والكحل على العينين، ونثر الضريرة على الرأس، مع تضميخ الجسد
بالعطور النسائية، يجري ذلك وسط أجواء يعبق فيها البخور، وتفوح فيه الروائح البلدية النفاذة. هذه هي الخطوط العامة لمراسم الجرتق
التي يجب تنفيذها قبل عملية الطهور. هذه الطقوس في مجملها تهدف إلى استرضاء قوى
خفية، يُعتقد أنها تمتلك القدرة على مساعدة الإنسان أو إعاقته في مسار حياته،
فيتقرب الناس إليها طلباً للحماية ودفعاً للمخطار، واستجلاباً للخيرات. وحتى لا
أسترسل في وصف ذلك أحيلكم إلى صورة حية قدمها صحفي معروف، هو الأستاذ عبد الله رجب
عليه الرحمة، عن تجربته الشخصية مع جرتق الطهور حيث يقول: "وأمي التي باعت الذهب والفضة، لم تبع السوميتات اللازمة لجرتق
الطهور وجرتق العرس كمان ـــ وقد لبخوا رأسي بالضريرة وخضبوا يدي وقدمي
بالحناء، وصبوا على جسمي أنواعاً من العطور.. ووضعوا على معصمي سواراً وحريراً
أحمر، وأعطوني سوطاً ـــ ووضعوا إلى جانبي مصحفاً وسيفاً ـــ وزعموا أن لي حرساً
من الملائكة بخلاف الوزراء الذين إنتخبتهم من أولاد الشارع..!!(2). هذه
الصورة من سنجة على النيل الأزرق، نقلها لنا صاحب التجربة نفسه، ويكفي أن نتأمل
عبارته: "أمي التي باعت الذهب والفضة، لم تبع السوميتات اللازمة لجرتق الطهور
والعرس".
وإذا اتجهنا غرباً إلى شمال
كردفان، حيث ينقل لنا الصورة هذه المرة شاهد عيان، وهو الأستاذ حسن نجيلة، عليه
رحمة الله، وقد حضر هذا الحفل في بادية الكبابيش، يقول: "وفي صبيحة يوم
الختان ذبحت الذبائح، واعد الشراب "ألوان من المريسة" وأخذت وفود الأحياء
من الرجال والنساء تتقاطر على ظهور الجمال والخيل.. وقبل غروب الشمس، أعد الصبي
حيث ألبس ثوباً من الدبلان جديداً ناصع البياض، وقميصاً يماثله، وقد امتطى صهوة
جواد، وعلى رأسه الضريرة، وفي يده جدلة من الحرير. ويحيط بمعصم يده أيضاً عظام
السمك.. مع الخرزة الخضراء. وما زلت حتى الآن حائراً في حرص البدويين على وجوب ضم
عظام معينة من السمك في كل طقوس العرس والختان، رغم أن البادية كلها لا تعرف
السمك.. وتحرص كبار النساء على الاحتفاظ بعظام السمك هذه كأثمن ما يحفظ لتلبس في
هذه المناسبات(3). نلحظ هنا حرص الأم في الحالة الأولى على السوميت،
وحرص "حبوبات" البادية في الحالة الثانية على عظام السمك، في بيئة
صحراوية بعيدة عن الماء. وهي مفارقة تدعو للتأمل والتفكير. ولكن قبل أن نخوض في
ذلك. هل يمكن للمتابع أن يرى ملمحاً عربياً واضحاً في هذين المشهدين. لا يبدو ذلك
جلياً، رغم ما يُروج عن الهجرات العربية. لكن لنترك هذا السؤال جانباً، ونعد إلى
دلالات السوميت وعظام السمك، اللتين ستعودان للظهور مرة أخرى في طقوس الأعراس.
فيبدو أن لهذه الأشياء معنى روحي عميق، ولذلك تحرص كبار النساء
"الحبوبات" على حفظها ككنوز قيمة. فالأم قد تفرط في حليها الذهبية
والفضية، ولكنها لا تفرط في السوميت. ومن اللافت أن تجد إمرأة في مجتمع رعوي غير
مستقر، تخفى بين مقتنياتها الثمينة عظام السمك، حتى تخرجها في المناسبات السعيدة
لتزين به أبنائها وبناتها، على أمل أن يساعدهم ذلك في مستقبل حياتهم، ويوفر لهم
السعادة والهناء. كيف اكتسبت هذه الأشياء دلالة روحية خاصة، في بيئات بعيدة عن
مصادرها الطبيعية؟ أليس في ذلك ما يشير إلى أن هذه الرموز تنحدر من أصل ثقافي
واحد، ربما يعود إلى كوش القديمة؟
هذه لمحة عن طقس جرتق الطهور الذي
يمارس في الوقت الراهن، وهو في الغالب، لا يختلف عما كان عليه الحال في الماضي
إلّا أن هناك عناصر جديدة قد أضيفت إليه ليتوائم مع العقيدة التي تبناها الناس في
زماننا، ومن ذلك وضع المصحف، وربما كنا في مسيحيتنا نضع الإنجيل. كذلك الأحجبة
والسبح من التكيفات الحديثة. ولكن إذا عدنا للأصل فقد نجد بعض الإشارات المهمة
التي تدلنا على منظومة عقائدية عميقة، تتمثل في أشياء بسيطة ولكنها ذات بعد الروحي
خفي، يجعل السوميت أغلى من الذهب، وعظام السمك لها قيمة خاصة لدي سكان البوادي.
لابد أن لهذه الأشياء دلالة وأثر نفسي وروحي. فهي لم تكتسب رمزيتها من فراغ أو
بالصدفة، ولم يتم اختيارها خبط عشواء، وإنما هي امتداد لذاكرة بعيدة لها علاقة
بماضي أهل هذه البلاد، ومعتقداتهم القديمة، التي ظلت كامنة في وجدان المجتمع، وفي
لحظة التعبير عن الذات، تخرج من وراء الحجب محملة بسمات الهوية، فما كان يؤمن به
الإسلاف ظل مطبوعاً في اللاوعي الجمعي، متمثلاً في حريرة السلامة، وخرزة الخير،
وسمكة البركة، علامات ترمز لعوالم غير مرئية، ومهما كانت تعني هذه الأشياء في
الماضي، فلابد أنها كانت تمثل بعض مفاتيح أبواب الغيب، ووسيلة لمخاطبة القوى
الخفية التي تحيط بالناس، تعينهم في مواجهة المصاعب وتسهيل أمور الحياة. وفي هذا
الإعتقاد تكمن القوة الدافعة لإستمرارية هذه التقاليد عبر آلاف السنين، تغيرت فيها
الأديان واللغات ولم تتغير فيها القيم الروحية المتوارثة، بل ظلت على حالها
تتناقلها الأجيال، وتكرسها في واقع الحياة اليومي عبر المراحل المختلفة.
المراجع:
1
ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ
2018، ص 111.
2
ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛
الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 50.
3 ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 194.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق