مثلما للختان عمق تاريخي
بعيد، كذلك له امتداد جغرافي واسع، وهو في ذلك يشمل الجنسين. فقد كان يغطي كل
المناطق الواقعة على امتداد النيل، من أقصى الشمال وحتى جنوب الحزيرة، ومن ساحل
البحر الأحمر إلى الأطراف الغربية لدارفور، مروراً بنواحي النيلين الأبيض والأزرق،
وكردفان شمالاً لدى الكبابش، وجنوباً في جبال النوبة. وتشير الشواهد إلى أن وجوده
في هذه المناطق سابق لدخول الإسلام، مما يمنحه عمقاً تاريخياً يتجاوز الأطر
الدينية اللاحقة. فقد كان له حضور موثق في المناطق التي قامت عليها مملكتا نبتة
ومروي، حيث كان يُنظر لختان الذكور بوصفه إجراء ديني مقدس. وتدل على ذلك لوحة
بعانخي (بيا) التي ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد، فكما ذكرت سابقاً، جاء فيها
أن هذا الملك رفض استقبال حكام مصر حتى لا يدنسوا مكان إقامته الطاهر لأنهم غير
مختونين(1)، وهي إشارة تكشف أن الأمر لم يكن مجرد عادة اجتماعية، وإنما
كان له ارتباط بالبنية العقائدية.
وفي القرن الخامس قبل
الميلاد، تناول المؤرخ هيرودوت هذه المسألة، ولكن في موقع آخر، حيث يقول:
"مما لا ريب فيه أن الختان يعود إلى تاريخ بالغ القدم في إثيوبيا"(2)،
وكانت "أثيوبيا" في اصطلاحه تعني جنوب مصر، لكنه كان يشير تحديداً إلى
مملكة مروي، التي تقع عاصمتها في البطانة بين النيل الأزرق ونهر عطبرة. ومن
الناحية الجغرافية، سواءً كان يتحدث عن جنوب مصر عموماً، أم إلى مروي الأكثر
توغلاً في عمق البلاد، فإن مساحة هذه الأراضي كانت تغطي أجزاء واسعة من السودان
الحالي، تشمل الشمال والشرق والوسط وأجزاء كبيرة من الغرب تصل إلى حدود دارفور.
وبذلك يمكننا القول بأن الختان كان ممارساً في الرقعة التي كانت تتمدد عليها
الممالك القديمة.
أما لدى البجة، فقد جاء
لاحقاً من أكد هذه المعلومة، فقد أشار اليعقوبي في القرن التاسع الميلادي إلى أنهم
كانوا يختتنون(3)، بينما ذكر ابن سليم الأسواني، في الفترة نفسها
تقريباً، أن الختان في تلك المناطق لم يكن مقتصراً على الرجال فقط، بل شمل الجنسين
معاً(4). أما في دارفور، فيصف ابن عمر التونسي في القرن التاسع عشر
الاحتفالات الواسعة التي كانت تُقام بمناسبة الطهور، سواءً للأولاد أو البنات،
باعتبارها مناسبة اجتماعية كبرى. وفيما يتعلق بالعملية نفسها، فإنه يوضح أنها سهلة
وبسيطة بالنسبة للأولاد. بينما في حالة البنات قاسية ومعقدة، وتجرى وفقاً للطريقة
المعروفة بالفرعونية. كما يتناول العادات المصاحبة لختان الصبيان، فيكشف لنا عن
نمط سلوكي كان سائداً حينها، يتمثل في خروج أقران المختون لصيد الدجاج
بـ"السفاريك" من بيوت البلدة دون أن يعترضهم أحد(5)، وهي من
العادات اللافتة، لأنها لا تختص بدارفور وحدها، إذ نجدها تكرر بصورة مشابهة في
مناطق أخرى من السودان.
وفي كرفان، يحدثنا حسن نجيلة
في مطلع القرن العشرين عن احتفالات الطهور بين الكبابيش، حيث يخضع الصبي لمراسم
الجرتق بكل رموزها، بما فيها عظم السمك الذي يربط مع الحريرة(6)، وعلى
الرغم من ندرة السمك في تلك البيئات، إلا أن الأهالي يحرصون على اقتناء عظم منه
لمثل هذه المناسبات، مما يعكس البعد الرمزي العميق للمكونات التي تدخل في طقس
الجرتق. أما في جنوب كردفان، بالذات في جبال النوبة، تُخضع بعض العادات والتقاليد
الجنسين لعملية الختان. وبالنسبة للأولاد، تتم عادةً بصورة جماعية، تسبقها
احتفالات كبيرة، وفي اليوم المحدد يخرج الأولاد وهم يرتدون العقود والأساور، في
مظهر يذكرنا بالجرتق المعروف في أنحاء أخرى من البلاد. أما بالنسبة للبنات، فتجرى
العملية بصورة فردية، وهي على نفس الطريقة المعروفة بالفرعونية، التي تتم فيها
أزالة الأعضاء الخارجية. ويبدو أن الطهور بالنسبة للذكور في جبال النوبة يُعد
أمراً مقدساً، فالرجل غير المختون لا يمكنه الزواج(7)، إذ لا توجد أسرة
تقبل بأن تعقد قران إبنتها على رجل لم يتخلص من هذا "الدنس"، على حد وصف
بعانخي قبل قرابة ثلاثة ألف سنة.
وإذا نظرنا إلى أساليب إجراء
عميات ختان البنات في أرجاء السودان المختلفة، نجد أن صورته تكاد تكون متطابقة.
ففي دارفور أقصى أقاليم الغرب، يُجرى بالطريقة نفسها التي أشرنا إليها من قبل، إذ
جرت العادة على أن يُفهم "الخفاض" هناك على أنه الإزالة الكاملة. ولكن
من بين أهل هذا الأقليم من لا يلتفت لهذه الممارسة أصلاً، فلا هم مع البتر ولا
التخفيف(8). ولحسن حظ المرأة في تلك
المناطق، أنها تعيش بكامل جسدها دون تشويه، وهو إستثناء نادر لا نجد له مثيلاً إلا
في الجنوب، أو بالأصح في المناطق التي لم تنتسب للعرب، وعلاقتها بالإسلام ظلت
هامشية. أما أحفاد كوش، من كرمة إلى مروي(9)، فعلى الرغم من تنكر بعضهم
لذلك الامتداد التاريخي، وتنصلهم عن أصلهم، فإنهم من أكثر المجموعات تشدداً في
تطبيق هذه العادات، إذا يُمارس ختان البنات لدى البجة في الشرق بنفس الطريقة
القاسية(10)، وهو الأسلوب ذاته المتبع في بقية أنحاء السودان، سواء في
الشمال على النيل، أو في مناطق النيلين الأبيض والأزرق أو في البطانة ونهر عطبرة،
وكذلك كردفان(11)، شمالاً وجنوباً، في بادية الكبابيش وجبال النوبة(12).
هذه عادات محلية متجذرة، ومن يتشدد في التمسك بها، فهو ابن هذه الأرض المشبعة
بثقافة الأجداد. ومن ينكر ذلك عليه أن ينظر حوله، ويتفحص تقاليد أهل بيته.
أما العادات المصاحبة لمناسبة
الطهور، فهي تكاد تكون متماثلة في مختلف بقاع السودان، ففي النيل الأزرق، نجد
عناصرها تحتفظ بنفس رمزيتها، ومن أبرزها طقس الجرتق بما يحمله من إيحاءات مرتبطة
بالقوى الغيبية. ولكنها لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتضمن مظاهر اجتماعية أخرى، ومن
ذلك ما يرويه عبد الله رجب من خلال تجربته الشخصية، حيث ينقل لنا صورة لم نقف
عليها إلّا في دارفور، وهي اصطياد دجاج الحلة في هذه المناسبة لصالح "ود
الطهور". يقول: وتسابق أولاد الجيران في مطاردة الدجاج، عطلوا دجاجات عديدة
وذبحوها وجاءوا بها إلى منزلنا، الذي صار بالفعل في حالة بوش(13)، أي
لمة فرح. من هذه الصورة نرى ـــ رغم بعد المسافة ـــ أن الدجاج يذهب ضحية نفس
المناسبة في الفاشر وسنجة، وأصحابه يتقبلون ذلك بأريحية وطيب خاطر. هذه العطايا
الإلزامية تتعدد مظاهرها، ففي منطقة الجزيرة يخرج أقران المختون، وهم يحملون
الأواني، ويترصدون غنم الحلة، يتصيدونها ويحلبون ألبانها حتى وإن كانت تحت حراسة
أصحابها، الذين يتقبلون ذلك بكل التسامح والرضا(14).
وفي كل الأحوال، هذه
المساهمات الاجتماعية الإلزامية تدفع من خلال عادة شهيرة تعرف
بـ"الشعقيبة"، وهي بمثابة غرامة ودية يفرضها العرف ضمن تقاليد الأفراح.
وتتجلى أبرز مظاهرها في جلسة "مشاط العروس"، فما أن يدلف الرجل إلى فضاء
هذا الطقس، حتى تباغته الحاضرات بعبارات تراثية مثل: "الشعقيبة شالتك"
أو "مشعوق ليك" وعليه في هذه الحالة أن يدفع بسخاء حتى يفتدي نفسه، وقديماً تفاخر أحد أبناء الفاشر بأنه دفع
"خمسين جنيه شعقيبة لي داداتا"(15)،
في إشارة إلى تقديمه مبلغاً ضخماً لصاحبات العروس. ولكن الدور المحوري لهذا
التقليد يظهر في مناسبات الطهور، حيث يتولى جمعها أتراب المختون من الجنسين، وتبدو
تجلياتها أكثر وضوحاً في حالة طهور البنات، وهي تستهدف المارة من الذكور والإناث على
حدٍ سواء، فكل من يصادف موكب الصغيرات الطائف بالشوارع عليه أن يجود بالدفع
تنفيذاً للمناشدة الشعبية: "الشعقيبة ما تمشي بي عيبها"، أي لا تمضي في
طريقك وأنت تحمل عيب تقصيرك في دفع حق الشعقيبة. ولكنها تخاطب الرجال بصورة أوضح،
بحكم انخراطهم في الأنشطة الربحية، حيث تعترض الفتيات طريقهم مرددات مقطعاً
هجائياً طريفاً: "وقت غالبك نص قريش، الطاقية ليش؟" (16)، فهن
يستنكرن مظاهر الرجولة على من يعجز عن دفع تعريفة.
وتجري هذه العادة بنفس الطريقة
لدي مجموعات البقارة في الغرب، فعندما تقابل البنات أحد المارة يقلن له:
"الشعقيقي شالتك" أي أنك وقعت في مصيدة الشعقيبة وعليك أن تدفع. وهكذا
نجد هذه العادة باسمها وتفاصيلها لها حضور واضح في معظم أقاليم السودان، وهي تأخذ
طابع تكافلي يعكس روح التعاون بين الأسر. فصيد الدجاج، وحلب لبن الأغنام وجمع
القروش، جميعها من الأساليب التي تخرج بالطهور من إطار التجربة الفردية أو
المناسبة العائلية إلى الفضاء العام، فتظهر مدى الترابط والتماسك بين أفراد
المجتمع.
إن هذا
التشابه اللافت بين أقاليم متباعدة يطرح تساؤلاً حول الجذور المشتركة لهذه الطقوس.
فالممارسة، رغم اختلاف البيئات، تحتفظ ببنيتها الأساسية، وكأنها خيط ثقافي ممتد
يربط أطراف البلاد بعضها ببعض. ومن هنا يمكن النظر إلى الختان، في سياقه التراثي،
لا بوصفه مجرد عادة، بل علامة على وحدة ثقافية واسعة الانتشار وعميقة الجذور. فمعظم أهل البلاد يخضعون لنفس التقاليد، التي يبدو أنها
تحدرت من نفس المصدر، وظلت تحتفظ بطابعها القديم، دون أن تشوبها مفاهيم واردة من
الخارج.
المراجع:
1
ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان
القديم ـــ 2006، ص 350.
2
ـــ تاريخ هيرودوت؛ ترجمة: عبد الإله الملاح؛ أبو ظبي ـــ
2001، ص 178.
3
ـــ تاريخ اليعقوبي؛
المجلد الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2010،
ص 192.
4
ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ
1998، ص 360.
5
ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد
العرب والسودان؛ القاهرة ـــ 1965، ص 244.
6
ـــ حسن نجيلة؛ ذكرياتي في البادية؛ دار الحياة؛ بيروت ـــ 1964، ص 194.
7
ـــ طارق أحمد عثمان؛ جبال النوبة العادات والتقاليد؛ موقع: نوبة تايمز يوم 19
مايو 2022.
8
ـــ التونسي؛ تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان؛
القاهرة ـــ 1965، ص 244.
9
ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان، الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 110.
10
ـــ محمد عوض محمد؛ السودان الشمالي،
الطبعة الثالثة ـــ 2013، ص 43.
11
ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء
الثاني؛ الطبعة الثانية ـــ 2016، ص 144.
12
ـــ طارق أحمد عثمان؛ جبال النوبة العادات والتقاليد؛ موقع: نوبة تايمز يوم 19
مايو 2022.
13
ـــ عبد الله رجب؛ مذكرات أغبش؛
الطبعة الأولى ـــ 1987، ص 50.
14
ـــ الأستاذ محمد الأمين يوسف؛ مشافهة.
15
ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ
2002، ص 526.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق