تدخل زيارات الأماكن المقدسة
ضمن المظاهر الإحتفالية المصاحبة لمناسبات الطهور، وتشمل الجنسين، فهي مثل كل
التقاليد الأخرى المرتبطة بهذه العملية، تبدو متشابهة في جوهرها، مع بعض
الإختلافات الطفيفة التي يفرضها نوع المحتفى به ذكراً أم إنثى. يبدو أن النيل هو
المزار الأقدم، وظل يحتل نفس موقعه عبر الزمن، فمن التقاليد التي يحرص عليها
الجميع، الذهاب إليه أولاً، قبل النظر لأي مكان آخر، وذلك في إطار التحضير لإجراء
العملية، سواء كان المختون ولداً أم بنتاً(1)،
هذه الزيارة بطبيعة الحال متاحة لمن يعيشون بالقرب منه أو من أحد روافده، أما
الذين يقيمون في الأماكن البعيدة فإنهم يستعيضون عن ذلك بزيارة أي موقع له بعد
روحي، كأن يكون شجرة عتيقة، أو صخرة مهيبة، أو تل يُعتقد أن الأوراح تسكنه. ومع
دخول الإسلام، والتكيف التدريجي للقيم المحلية مع الدين الجديد في نسخته الصوفية،
أضيفت للقائمة أضرحة الأولياء. وغالباً ما تكون الزيارة قبل عملية الطهور
مبالشرةً، ولكن أحيانا تتبعها زيارة أخرى بعد الانتهاء منها. وفي جميع الأحوال هي
إطلالة مقصودة على مكان له مدلول روحي، يرتبط بالعقيدة السائدة في كل مرحلة.
وبالطبع إذا كنا نتحدث عن فترات
تاريخية مختلفة، فمن المتوقع أن تتغير النظرة إلى هذه الأماكن، مع تبدل القناعات،
ولكن واقع الممارسة يظهر عكس ذلك. حيث نجد المواقع القديمة قد احتفظت بمكانتها في
نفوس الناس، رغم هذه التقلبات المتعاقبة. أي أنها ظلت مسايرة لمختلف الأديان
ولكنها احتفظت بأولويتها، فمن يستوطنون حول النيل يكون هو مزارهم الأول، ثم بعد
ذلك ينظرون للمقامات الأخرى، وكذلك الذين يقطنون بعيداً عنه تكون رحلتهم الأولى
إلى مقدساتهم القديمة وبعدها يتطلعون إلى ما استجد. فالمواقع الأقدم دائماً لها
الأسبقية في الزيارة على ما أتت به المعتقدات اللاحقة.
في هذه المناسبة، ظل الناس على مر العصور،
يقومون بهذه الرحلة الرمزية. ويمكننا أن نتصور أنهم في الأزمنة البعيدة، بالنسبة
لأهل الوسط والشمال، كانوا يتوجهون أولاً إلى النيل طلباً لليمن والبركات، ثم بعد
ذلك يقصدون معابدهم أو صروح ملوكهم المؤلهين، وفي العهد المسيحي كذلك كانوا يذهبون
إلى النيل أولاً، ثم بعد ذلك إلى كنيسة يعظمونها أو مقام أسقف يوقرونه، مثال على
ذلك ما كان يجري عند مقام عويس القرني بالقرب من حلفا القديمة، الذي كان يجد
الإجلال من أهل المنطقة، باعتباره من المسلمين وأحد أولياء الله الصالحين، قبل أن
يتبين لهم ـــ بعد نبش قبره ـــ أنه في الأصل أسقف صالح من زمن مسيحيتهم، وكان
آباؤهم يوقرونه وهم على دينه، وسار الأبناء على خطاهم حتى بعد أن تنازلوا عن
عقيدتهم، ولكنهم لم يتنازلوا عن مقدساتهم، فظل صاحب الضريح يحتفظ بمكانته القديمة.
وهكذا استمر الحال بعد مجيء
الإسلام، وفيه ظل الالتزام قائماً بأن يذهبوا بالطفل المقبل على الطهور إلى النيل
أولاً، في موكب احتفالي يصحبه الأهل والجيران والمعارف، وعندما يصلوا إلى القيف، يغسلون
وجهه بالماء، ثم يلقون في النهر قطعة عملة معدنية، أو أي شيء آخر له قيمة رمزية،
قرباناً للأرواح التي يُعتقد أنها تسكنه(2)، ثم
بعد ذلك يواصلون سيرتهم إلى المزارات المقدسة الأخرى، المتمثلة في أضرحة بعض شيوخ
المنطقة، وعند الوصول يقومون بذبح قربان أو "كرامة"، وبينما يشرع البعض
في إعداد الطعام، يقوم والد الطفل وبعض أقربائه بالطواف حول القبة سبع مرات، وهم يندهون
صاحب المقام، ويدعونه أن يمن على الطفل بالصحة والذرية الصالحة(3).
ومن خلال هذه الطقوس، نلحظ أن
شعائر المعتقدات المبكرة تسبق المتأخرة من حيث الأداء، فالبداية دائماً من النيل
بصفته المقدس الأقدم حضوراً في الذاكرة الجمعية، وفي حضرته تختلط المراسم، فهنا
تجرى أولاً فروض الوفاء وتقديم القرابين، وهذه من شروط الأديان الأولى، ثم يليه
التعميد بالماء حسب المفاهيم المسيحية، ثم بعد ذلك التوجه لزيارة أضرحة الأولياء
وذلك إيفاءً لمعتقد الإسلام الصوفي الذي يتبناه الكثير من أهل السودان. وهكذا تتجسد
في طقس واحد جميع المعتقدات، من أقدمها إلى أحدثها، في صورة تظهر عمق الاستمرارية
الثقافية عبر آلاف السنين. تبدلت الأديان
وتغيرت اللغات، ولكن جوهر البنية القيمية ظل حاضراً، يتشكل من جديد داخل الأطر
العقائدية المتعاقبة، فيحفظ تماسك الحلقات التي تربط الماضي بالحاضر.
وفي دارفور لديهم عدة مواقع
يمكن أن تتجه إليها السيرة في هذه المناسبة، تبعاً لقربها من مكان السكن، بعضها
يتميز بوجود صخرة تحظى بالتقديس مثل "فرننق" و"عين سِرّة"(4)،
وغالباً ما يكون المرتبطون بهذه المواقع من السكان المستقرين. وهناك أماكن تتجسد
رمزتها في شجرة، وهذه عادةً ما تكون في الأماكن التي يتجمع حولها البدو الرحل،
وإلى جانب ذلك لدى هؤلاء مقدسات أخرى تتمثل في بعض التلال المحيطة بمواقع اقامتهم،
يعتقدون أنها موطن للأرواح، لذا يحجون إليها في مناسباتهم المختلفة(5). وفي قناعاتهم جميعاً ـــ المقيمين والمتنقلين ـــ
أن هذه المواقع تسكنها الأرواح سواءً كانت للأسلاف أو غيرهم من الكائنات الخفية.
وفي مثل هذه المناسبات ينبغي التقرب إليها بالدعاء والقرابين، حتى تبارك هذه
النقلة في حياة ولد أو بنت الطهور. وعند هذه المقامات، تتكرر الطقوس التي درجوا
عليها في المناسبات الأخرى، يقدمون الذبيحة، ثم يقوم المحتفى به، بغمس أصبعه في
دمها ورسم علامة الصليب على الصخرة. بعدها يأتي دور الكاهن فيقوم بوضع علامات على
جسمه بالطين، ثم يربط نباتات خضراء حول عنقه ويديه. بهذه الأفعال تكتمل طقوس
الطهور، عبر منظومة من التقاليد متوارثة من الزمن القديم، تجمعت أيقوناتها من
مختلف الحقب، وتماهت في نسيج واحد، في واقع يكشف عن مجتمع متصالح مع ماضيه، يعيد
إنتاج معتقداته القديمة في صور متجددة، يعيش واقعه الراهن دون أن ينسلخ عن قيم
أسلافه.
المراجع:
1
ـــ ريتشارد هيل؛ على تخوم العالم الإسلامي؛ الجزء
الثاني؛ الطبعة الثانية ـــ 2016، ص 100.
2
ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ
2018، ص 111.
3
ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ 2018، ص 112.
4
ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة
الثانية ـــ 2013، ص 164.
5 ـــ سلاطين باشا؛ السيف والنار في السودان ـــ 2008، ص 31.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق