الجمعة، 29 مايو 2026

الطهور ــ العمق التاريخي

وإذا نظرنا للتاريخ، نجد عادة الختان تعود لأزمانٍ غابرة، إذ كانت لصيقة بحضارات السودان الباكرة، وظل يخضع لها الجنسان أولاد وبنات، منذ تلك الحقب وبالطريقة نفسها. وأول إشارة لختان الذكور وردت في حوليات بعانخي (بيا) حوالي 750 قبل الميلاد، فقد ذُكر فيها أن هذا الملك عندما بسط سيطرته على مصر، رفض مقابلة حكام أقاليمها لأنهم كانوا غير مختونين(1)، أي أنهم لم يكونوا مطهرين، وبالتالي كانوا في نظره أنجاساً لا ينبغي التعامل معهم.

ومن هذا يمكننا الاستنتاج أن عادة الطهارة أو ختان الذكور لم تكن معروفة في ليبيا في ذلك الزمان، إذ أن الإسرة الرابعة والعشرين التي كانت تحكم مصر في ذلك الوقت، وتعرضت للهزيمة على يد جيوش نبتة، كانت ذات أصول ليبية. أقول ذلك لأنني أعتقد أن سكان مصر في ذلك الحين كانوا إمتداداً لسكان السودان قبل أن تتوالى عليهم الغزوات، لكن هذا ليس موضوعنا هنا. فما جاء في النص الذي خلفه بعانخي (بيا) يؤكد أن السودانيين كانوا يمارسون عادة ختان الذكور منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وربما قبل ذلك بزمن، وكان في معتقدهم أن من لم يخضع لهذه العملية فهو مدنس ونجس يجب تجنبه.

أما المؤرخ هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد فيشير إلى أن الختان يعود إلى تاريخ بالغ القدم في إثيوبيا(2)، ويعني بذلك السودان، إذ كان هذا اسمه لدى المؤرخين الكلاسيكيين. فأثيوبيا لدى الأغاريق تعني السودان في اللغة العربية(3)، بينما كانت إثيوبيا الحالية تعرف آنذاك باسم "دعمت"، ثم لاحقاً "أكسوم". على العموم، إثيوبيا لدي هيرودوت تعني السودان، وما يهمنا هنا أن هذا المؤرخ القديم شهد لأهل السودان بأنهم كانوا يمارسون عادة ختان الذكور منذ زمن سحيق.

وفي القرن الأول الميلادي، ذكر الجغرافي سترابو في حديثه عن مروي، أن الختان كان يشمل الذكور والإناث دون تمييز(4). مما يدل على أن هذه العادة كانت شائعة في رقعة واسعة من أقاليم السودان، بغض النظر عن عقيدة سكانها. وتشير المصادر التاريخية إلى أن ممارسة الختان استمرت طوال الفترة المسيحية، رغم أن تعاليمها لم تكن تشجع على ذلك، خصوصاً في حالة الإناث. فقد ذكر اليعقوبي أن سكان إحدى ممالك البجة كانوا يختتنون(5)، دون أن يوضح إذا كان ذلك يخص الرجال فقط أم الجنسين معاً. على العموم، هذا يدل على أن معظم الشعوب السودانية كانت تسير على نفس النمط من العادات والتقاليد. ثم قدم ابن سليم الأسواني في القرن العاشر الميلادي وصفاً للختان السوداني الذي تخضع له البنات(6)، فكان وصفه مطابقاً للعملية التي تجرى في الوقت الحاضر، وقد أشار إلى التبعات التي تلحق بالمرأة عندما تقبل على الزواج نتيجة لهذه الممارسة القاسية.

كما أشار الأسقف الأوروبي في بدايات القرن الثالث عشر، جاك دو فيتري، إلى أن المسيحيين في السودان يقومون بختان أطفالهم من الجنسين، أولاداً وبناتاً(7)، مما يؤكد استمرار هذه الممارسة عبر مدى زمني طويل جدا. منذ الحاضرات الباكرة وإلى نهايات العهد المسيحية، وهي المرحلة التي شهد فيها السودان لأول مرة عقيدة توحيدية، كان من المفترض أن تحدث تحولات كبيرة في القيم الاجتماعية، ولكن مع ذلك نجد الختان بشقيه باقياً دون أن يطرأ عليه تغيير، رغم أن الدين الجديد لا يدعم التدخل في خلق الله. فالختان حتى بالنسبة للذكور غير محبذ، وقد أستبدل بالتعميد(8)، وقد اعترض عليه القديس بولس بقوله: "لو أنكم قمتم بختان أطفالكم، فإن المسيح سوف لا ينفعكم أو يفيدكم بشيء"(9).

هذه التحريم بالنسبة للذكور، أما في حالة النساء، فربما كانت الكنيسة تراه خطيئة لا تغتفر. وعليه، فإن بقاء هذه الممارسة حية في المجتمع السوداني لم يكن التزاماً دينياً، بل له ارتباط وثيق بالعرف الاجتماعي والموروث الثقافي. ويُعزى هذا الاستمرار إلى أسبقية التقاليد على التحول العقائدي، وإلى نوع من التكيف، أتاح التعايش بين الدين والعادات المحلية، بحيث يواصل القديم حضوره دون أن يجابه بمقاومة صريحة من الجديد. وظل لهذه القيم التراثية نفوذ في المجتمع قرابة الألف عام، لم يحدث فيها تغيير يذكر، بل حتى الأقباط وهم الأعرق في مسيحيتهم لم يتخلصوا من طهورة البنات إلّا في فترات متأخرة، واستمر الوضع بالنسبة للأولاد على ما هو عليه، إذ لا زالوا يحافظون على عادة ختان الذكور، وربما كان ذلك اقتفاءً لأثر السلف، وقد أُدمجت في العقيدة، أو وُجد لها مسوغ ديني، فهم يجرون هذه العملية على الصغار في السادس من شهر بؤونة القبطي الذي يوافق شهر يونيو، ويعتقدون أن السيد المسيح خُتن في هذا اليوم(10).

وإذا إستثنينا الأقباط، فإن بقية إخوتهم الذين تحولوا لاحقاً للإسلام، نجدهم في مسيحيتهم، ملتزمون بقيم حضارة كوش، لم يتزحزحوا عنها. فالإرث القديم ظل سارياً حتى بعد أن تحولت وجهاتهم التعبدية، وأصبحوا من أشياع يسوع الناصري، ولكنهم لم يتبعوا من تعاليمه إلا ما يتوافق مع ثقافتهم المحلية، وأسقطوا ما سواها. بالذات تلك التي لا تشجع على تدخل البشر فيما خلق الله. فهم ناس قطيع وشوي ـــ طهارة وشليخ وكي بالنار ـــ فبينما كان المسيحيون في العالم يتعمدون بالماء، فإن السودانيين عندما تنصروا صاروا يتعمدون بالنار، يطبعون الصليب على أجسادهم بالحديد المتوهج(11)، على عكس ما يدعو له دينهم، لقد تغير معتقدهم، ولكن طقوسهم الجسدية المتوارثة ظلت باقية بعد أن أضافوا إليها الصليب.

واستمرارية مثل هذه الأفعال على هذا المدى الطويل من الزمن، تندرج تحت واحد من احتمالين، أما أن الكنيسة كانت متصالحة مع هذه الممارسات، أو انها كانت تسجل اعتراضاتها ولكن لا تجد آذاناً صاغية. فإذا كانت قد قبلت بهذا الوضع وتعايشت معه، فذلك يعني انصياعها للثقافة السائدة، أما إذا رفضت، ومع ذلك، استمر الحال على ما هو عليه، فذلك يدل على أن المجتمع لم يتقبل كامل دعواها، وفي الحالتين تظهر الغلبة للتراث على المعتقد.

فطالما أن هناك نصوص دينية تحض على عدم إجراء ختان الذكور على بساطته وسهولته، فمن المفترض والمتوقع أن يكون موقف الكنيسة من ختان الإناث أشد حزماً وصلابة نظراً لقسوته وفظاعته، ولكن على أرض الواقع لا نجد أثراً لذلك، إذ ظل أفراد المجتمع على إلتزامهم بالقيم التي توارثوها عن أجدادهم، دون اكتراث بمدى مطابقتها أو مفارقتها لتعاليم الدين. وهذا يعيدنا مرة أخرى للقول بأن العقيدة لا تقهر العادة وإنما تتساير معها، لأنه في حالة الصراع غالباً ما تطيح قيم المجتمع بتعاليم الدين، وفي الحد الأدنى تطوعها وتجعلها أكثر توافقاً مع ما تعارف عليه الناس.

لذلك ظل ختان الذكور والإناث القديم سارياً بنفس تفاصيله في العهد المسيحي إلى أن تلقفه الإسلام. ورغم هذا التحول، فإن العادات القديمة استمرت بنفس الأسلوب المتبع في الماضي، دون أن تتأثر بالانتقال الطوعي للأفراد من دين لآخر، مما يعكس قوة التقاليد الاجتماعية في مواجهة التغييرات الدينية. فالمجتمع السوداني حافظ على موروثه الثقافي حتى بعد التحولات العقائدية، سواء في الحقبة المسيحية أو بعد اعتناق الإسلام، مع إدخال بعض التعديلات الشكلية لتتلاءم مع الوضع الجديد، دون التنازل عن جوهر الموروث، أو اضعاف حضوره في الحياة اليومية. ويمكن القول إن ختان الإناث في السودان مثال واضح على مدى عمق القيم الاجتماعية مقارنة بالقناعات الدينية، إذ استمرت هذه الممارسات عبر آلاف السنين، متجاوزة الانتماءات الروحية، لأنها كانت جزءاً من هوية المجتمع ومنظومته الثقافية، وهذا ما جعلها تتمدد في الزمن حتى الوقت الحاضر.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 350.

2 ـــ تاريخ هيرودوت؛ ترجمة: عبد الإله الملاح؛ أبو ظبي ـــ 2001، ص 178.

3 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 11.

4 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 389.

5 ـــ تاريخ اليعقوبي؛ المجلد الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2010، ص 192.

6 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 360.

7 ـــ رسائل جاك دي فيتري؛ ترجمة: عبد اللطيف عبد الهادي السيد. ص 235.

8 ـــ كروفورد؛ مملكة الفونج السنارية، الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 344.

9 ـــ رسائل جاك دي فيتري؛ ترجمة: عبد اللطيف عبد الهادي السيد. ص 235.

10 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 30.

11 ـــ رسائل جاك دي فيتري؛ ترجمة: عبد اللطيف عبد الهادي السيد. ص 235.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...