الجمعة، 29 مايو 2026

تقاليد الطهور

الختان هو العتبة الثانية في حياة الإنسان. والكلمة في اللغة العربية تستخدم للجنسين، غير أننا في عاميتنا نستخدمها بدرجة أقل، وفي حالة الذكور فقط، أما في حالة الإناث فنعرفها بالطهورة، وبشكل عام نطلق عليها في الحالتين الطهور أو الطهورة أو الطهارة بكسر الطاء، وهي في العادات والتقاليد السودانية لديها طقوس ومراسم لابد من استيفائها، وإلا فإن هناك تبعات سوف تنجر على من يخضع لها أولاً وربما على المحيطين به أيضاً.

أما من الناحية الدينية فهناك إتفاق حول إجرائها بالنسبة للذكور، أما فيما يتعلق بالإناث فالإتفاق متوفر بالنسبة للخفض فقط وفيه قولان، وفي كل الأحوال، فإن طهورة البنات تسمى "خفاض"، ولكننا اعتدنا أن نطلق عليها الطهارة الفرعونية، وذلك لأنها بعيدة كل البعد عن الخفاض المعني في الإسلام، وإنما هي من عاداتنا القديمة، وهنا يكمن وجه الإختلاف، فإذا كان الختان بالنسبة للذكور خفيف وسريع، فهو بالنسبة للبنات بشع وفظيع، فالنوع الممارس عندنا ليس خفاضاً بمعنى خفض أي تقليل الارتفاع أو العلو، وإنما إزالة كاملة، فأن تخفض ارتفاع البناء شيء، وأن تزيله تماماً شيء آخر، مع أن الدين يحث من تقوم بهذه العملية أن تترفق، فالحديث يقول: "أخفضي ولا تنهكي"(1)، ولكن ما يحدث بالفعل هو عكس ذلك تماماً، فهو يتجاوز الخفض إلى الإنهاك المتعمد.

والغريب أن هذه الإزالة القاسية والمؤلمة تشرف عليها الحبوبات والأمهات، وهن الأكثر رأفةً وعطفاً على بناتهن وأبنائهن، فربما تتألم الأم إذا طعنت إحدى بناتها شوكة، ولكنها في حالة اقتطاع أجزاء من لحمها الحي تجدها فرحة. فالأم ملاك الرحمة الذي يرفرف فوق الأبناء يظللهم ويحميهم، تصبح في هذه الحالة جزاراً يتلهى بتقطيع أجزاء من أجساد بناتها وأبنائها حين تأمرها العادة ويلزمها العرف، تعد وتشارك في تمزيق أجساد بنيها وهي تزغرد.

والشلوخ في وجه طفلة في العاشرة أشد قسوة من الطهور، ولكن مع ذلك تستقبله الأم  وهي مبتسمة بينما الشلاخ يقوم بتمزيق وجه إبنتها ويحفر جراحاً غائرة في خديها، إن العادات والتقاليد هي الصخرة التي يتحطم أمامها كل شيء حتى عاطفة الأمومة، هنا تفقد المرأة الرأفة والشفقة الفطرية على جناها، وتكون عليهم أشد قسوة من الغريب، استرضاءً للقيم المتوارثة. فهي تحتفي بالمدية التي تقتطع أجزاء من أجساد بنيها. وهذا يدل على أن الأعراف المتوارثة تطغى على المعتقد، كما تطغي على المودة والرحمة التي يسبغها الوالدان على أولادهما، وترمي وراء ظهرها بتعاليم الدين أياً كان هذا الدين.

ولذلك أسبابه العميقة الضاربة في القدم. بالطبع عندما تقوم الأم بإخضاع أبنائها لهذا الإرث التقليدي القاسي فهي في قرارة نفسها تريد أن تجعلهم الأحسن والأفضل والأجمل، وتنسى تعاليم الدين التي ترفض تغيير الصورة التي اختارها الله لخلقه، فهو لم يوجدهم وبهم زوائد يجب التخلص منها إلا في حالات الضرورة الطبية، وهذه العملية لا علاقة لها بالطب وإنما بالتقاليد المتوارثة، التي لا تراعي الصحة الجسدية والنفسية للبنت، وسوف تجني الثمار المرة لهذا التشويه عندما تكون في لحظة الولادة، خاصة إذا كانت بعيدة من مراكز الرعاية الصحية ولم تجد مساعدة من متخصص، في هذه الحالة ليس أمامها إلا الموت هي وجنينها، كل ذلك بسبب التقاليد، التي تدفع المجتمع لأن يضحي ببنيه ولا يتنازل عن التقاليد الموروثة.

استمرار هذه العادة رغم مضارها، تقف شاهداً على مدي تجذر القيم القديمة في البنية الاجتماعية، وهو ما يدل على أن مسيرتها التاريخية لم تتأثر بمفاهيم عابرة. فلو كان هناك بالفعل تدخل مؤثر من عناصر وافدة، لأسهم ذلك في إحداث بعض التغيرات في هذه الممارسات القاسية، ولكن تواصلها وبنفس نمطها القديم، تعني أنها لم تتأثر بثقافة أجنبية.

الختان بالنسبة للذكور والإناث، لم يصبح عادة اجتماعية من فراغ، بل كان له تأصيله النظري في سالف الزمان، وهو نابع من معتقدات الناس آنذاك. فالرؤية الفلسفية للطهارة جاءت في إطار المفهوم العام للكون؛ إذ كان هناك اعتقاد بأن الإله، عندما خلق البشر، أودع فيهم كل صفاته(2)، ومن خصائص الآلهة ـــ وفق تلك المعتقدات ـــ أنها مزدوجة الجنس، وهو اعتقاد كان سائداً في فجر حضارات وادي النيل.

وكما ذكرت سابقاً، كان الناس يعبدون النيل ويجسدونه في رسوماتهم إلهاً يحمل الصفات الذكورية والأنثوية معاً(3). وما ينطبق على النيل من سمات كان يُسقط أيضاً على آلهة السماء، إذ كانت جميعها ـــ في نظرهم ـــ بهذا التركيب الثنائي، مما يجعلها قادرة على خلق الكائنات من تلقاء ذاتها دون الاتصال بطرف آخر. وهذه الآلهة عندما تودع الإجنة في الأرحام، فإنها تخلق إنساناً على هيئتها وصورتها، حاملاً لكامل صفاتها، ومن ضمنها هذا التكوين الثنائي، رجل وامرأة في آنٍ واحد. وبناءً على ذلك، كان يُعتقد أن الطفل عند ولادته يحمل الصفة المزدوجة للآلهة، أي إنه يجمع بين الذكورة والأنوثة في جسد واحد. وبما أن تكوينه الجسماني يدل على نوعه الظاهر، لذلك يجب تخليصه من طبيعة الجنس الآخر، فإذا كانت تركيبته العضوية تدل على أنه ذكر، وجب تخليصه من جانبه الأنثوي، وإذا كانت أنثى، وجب تخليصها من جانبها الذكوري(4). وإذا ترك الطفل دون ختان فإنه سيظل يحمل بنفس القوة طبيعة الطرف الآخر الذي يختلف عن جنسه الظاهر، مما قد يؤدي لعزوفه عن التزاوج والإنجاب، لذلك تجرى هذه العملية من أجل تعزيز السمات الذكورية لدى الرجل، والسمات الأنثوية لدى المرأة، ضماناً لاستمرارية التناسل البشري، الذي يجري وفق شروط تختلف عن طريقة الخلق الإلهي. فالطهورة، وفق هذه الرؤية، هي عملية تنقية المخلوق من صفات الخالق ذي الطبيعة الثنائية. من هذا التصور الكوني الشامل، الذي تضمنته المعتقدات القديمة، إنبثقت فكرة ختان الذكور والإناث، التي انتشرت في بعض المناطق المجاورة، إنطلاقاً من تصور كان يتبناه سكان وادي النيل.

هذا فيما يتعلق بالجانب النظري، أما في التطبيق العملي، وفيما يختص بالطهورة الفرعونية، فهي لم تكن معروفة لدى الكثير من شعوب العالم، وإنما كانت تمارس في مجتمعات محدودة، ذات ثقافات ترتبط بالبيئات الأفريقية. لذلك لا توجد لها تطبيقات مماثلة في الجزيرة العربية أو الأقطار الأخرى خارج هذه القارة. فهي ليست من طقوس العبور التي تشكل نقطة تحول في حياة المرأة في تلك البلدان. كما أن ممارستها في السودان أقدم بكثير من تبني سكانه للغتهم الحالية أو اعتناقهم الإسلام، مما يشير بوضوح إلى أن عاداتنا هي جزء من قيمنا المحلية، التي لم تشوبها شائبة من فكرٍ دخيل، استمرت لآلاف السنين دون أن يطرأ عليها طاري، أما أولئك الذين أتوا إفتراضاً، فإنهم لم يسجلوا شيئاً يذكر على صفحة تراثنا السوداني، وظل كما هو يعبر عن سلسلة ثقافية واحدة مترابطة من قديم الزمان وإلى وقتنا الراهن.

المراجع:

1 ـــ إبراهيم القرشي؛ عادات سودانية أصولها عربية؛ الطبعة الثالثة ـــ 2015، ص 209.

2 ـــ شيخ أنتا ديوب؛ الأصول الزنجية للحضارة المصرية، الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 24.

3 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 34 ه 1.

4 ـــ شيخ أنتا ديوب؛ الأصول الزنجية للحضارة المصرية، الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 158.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...