يُقال
أن البخور من العادات العربية التي تسللت إلى السودان خلسةً قبل عدة قرون، فحسب
زعمهم يعتبر من العناصر الدخيلة على الثقافة المحلية. هذه الفكرة رغم شيوعها تقوم
على تجاهل متعمد أو غير واعٍ لما يقدمه علم الآثار من معطيات مادية يصعب تجاوزها، إذ
تشير الشواهد ألى أن استخدام البخور في السودان يعود إلى أزمنة سحيقة، فقد ارتبط
بالشعائر الدينية والممارسات الاجتماعية التي اعتاد عليها الناس منذ أزمنة ضاربة
في عمق التاريخ. فهناك بحوث أثرية أظهرت أن سكان السودان القديم كانوا يعطرون
معابدهم وبيوتهم بالبخور منذ حقب تسبق بكثير أي تأثير عربي محتمل. حيث عثر على
"المباخر" ضمن منتجات حضارية مبكرة، تعد من أقدم ما وصل إليه التنقيب
الأثري في وادي النيل. والموقع
الذي وجدت به تنسب إليه الأسبقية في نشأة النظام الملكي نفسه، وهو أمر بالغ
الدلالة، وإن لم يكن محور نقاشنا هنا.
لقد عثر على
"المباخر" ضمن المقتنيات الملكية المكتشفة في "قسطل" بشمال
السودان القديم، وهو المكان الذي يرجح علماء الآثار أنه شهد بدايات تشكل الحكم
الملكي في وادي النيل، قبل نحو ستة آلاف عام(1).
ولا يمكن النظر إلى هذه المكتشفات بوصفها مجرد تراكم أثري من الماضي، إذ أنها تحمل
ملامح من قيم الناس الذين عاشوا في ذلك الزمان الغابر، ومن بينها نجد مؤشرات واضحة
على أن البخور، في هذا الداخل الأفريقي، كان جزءاً أصيلاً من البنية الثقافية
والدينية لمجتمعات ذلك العصر الباكر.
وتزداد
الصورة وضوحاً عند التأمل في أحد نماذج تلك "المباخر"، إذ نقشت عليها
أشكال لحيوانات تنتمي إلى البيئة المحلية، في إشارة صريحة إلى أن هذه التقاليد وما
ارتبط بها من أدوات، نشأت داخل هذا الفضاء الثقافي، ولم تستورد من الخارج.
مبخر سوداني من الحجر الرملي يعود تاريخه إلى قرابة الستة ألف عام
وجود المباخر ضمن المقتنيات
الملكية يكشف عن مكانتها الرمزية والروحية، فقد كان الملك في حد ذاته إلهاً في
المعتقدات القديمة، مما يعني أنها لم تكن مجرد أدوات للاستعمال اليومي، بل جزءاً
أصيلاً من منظومة الطقوس والشعائر الدينية. ومن هذا الموقع المقدس، نسبت المواد
العطرية إلى مصادر إلهية، لا على سبيل المجاز، بل بوصفها عناصر في جوهرها متصلة
بالطبيعة الإلهية. فلبان البخور والأخشاب العطرية في نظرهم ليست مجرد مواد طبيعية
عادية، وإنما هي جزء من عالم الآلهة(2)، وكل المكونات التي تنبعث منها
روائح طيبة توصف بأنها من "عرق الآلهة"(3)، في تصور ديني
عميق يربط بين المادي الروحي، كل وسيلة تستخدم في التقرب إلى الإله ينبغي أن تحمل
شيئاً من صفاته. ولهذا لم تكن العبادات تؤدى إلا في فضاء تعبق أرجاؤه بالبخور، فهو
في نظرهم مصدراً للقداسة ووسيطاً بين الأرض والسماء(4)، وعليه، فقد
كانوا يفردون في كل معبد موقعاً خاصاً لحرق البخور وتقديم القرابين(5).
وكان لأهل السودان من أقصى
الشمال وحتى مروي التاريخية، إله خاص يسمى "ددون"، وكانوا يرون أنه يفيض
عليهم بالنعم، ومن بين هباته الكثيرة مدهم بالبخور(6). وتؤكد الشواهد
الأثرية هذا الامتداد الزمني العميق، ففي كرمة، التي التي تعود بدايات ازدهارها
الحضاري إلى حوالي 2500 سنة قبل الميلاد. كانت الغرف تعطر بالبخور، وقد أشارت إلى
ذلك صور المباخر التي عثر عليها ضمن المكتشفات الأثرية(7)، ومن المرجح
أن هذه التقاليد قد انتقلت من كرمة إلى نبتة، ثم تواصلت بعد ذلك.
في
النصوص التي تعود إلى العهد المروي، وصف أحد الآلهة بأنه "الغني بالعطور
حينما يعود من بلاد المازوي"، هذه الرحلة الإلهية وردت من قبل في نقش أشرنا
إليه عند الحديث عن الحنة، وقد تكرر للمرة الثانية بنفس التفاصيل ولكن في زمنٍ
مختلف. وكما ذكرت سابقاً، فإن "المازوي" هو الإسم الأقدم للبجة، الذين
عرفوا لاحقاً بالمدجاي، ثم البليميين، قبل أن يستقروا أخيراً على اسمهم الحالي،
وهم من أعرق سكان هذه الأرض. وكان هذا الإله بحسب النص، حين يعود من بلادهم تفوح
منه روائح العطور، ومن موطنهم يجلبون إليه كل أصناف البخور(8).
بعد سقوط مروي وقبل دخول
المسيحية، أي خلال الفترة بين القرن الرابع والسادس الميلادي، ورغم ما صاحب انهيار
المملكة من تدهور سياسي واجتماعي، إلّا أن استخدام البخور لم يتراجع في السودان،
بل ربما إزداد، فقد عثر في مقابر تعود إلى تلك الحقبة على "مبخر" مصنوع
من الفضة ومزخرف بنقوش ورسومات دقيقة(9). وتكشف نوعية المعدن، والعمل
الفني المنفذ عليه عن المكانة التي كان يحظى بها البخور آنذاك، فاختيار الفضة
لصناعة هذا الإناء، لا يدل فقط على قيمته الرمزية، بل يشير أيضاً إلى شيوع استعماله.
فإذا كانت بعض المباخر تصنع من معدن نفيس كهذا، فمن المنطقي افتراض وجود أعداد
أكبر بكثير من المباخر المصنوعة من مواد أقل قيمة مثل الخزف والفخار والحجر
وغيرها. وعليه، فإن استمرار حضور البخور في
مثل هذه الظروف المضطربة يؤكد أنه لم يكن مجرد عنصر ثانوي، بل ممارسة راسخة ظلت
متواصلة عبر الحقب، بغض النظر عن تقلبات الواقع السياسي والاجتماعي.
وجاء العهد المسيحي ليرسخ
القيمة الروحية للبخور، ويوسع دائرة استخدامه، سواء في البيوت أو في دور العبادة.
ففي الكنائس كانوا يطلقون البخور أثناء القداس وفي الشعائر الدينية الأخرى(10).
كما كان يستخدم في تبخير الهيكل(11)، ولم يقتصر حضوره على الطقوس
الجماعية المفتوحة، بل امتد إلى الممارسات الدينية المحدودة مثل الاعتراف. فوفقاً
لتعاليم الكنيسة، من المفروض على المؤمن إذا ارتكب خطأ أو اقترف ذنباً أن يتوجه
إلى الكنيسة ليعترف به أمام الكاهن أو الأسقف، في أجواء يعبق فيها دخان المباخر.
أما أهلنا في السودان إبان مسيحيتهم فقد كان لهم رأي آخر، يعكس عمق إحساسهم بمعنى
الخصوصية، فقد كانوا يرفضون الذهاب إلى الكنيسة والبوح بأسرارهم أمام شخص غريب،
مهما كان موقعه الديني. فقد رأوا في ذلك انتقاصاً من كرامتهم الشخصية. وكما تعودوا
من سالف الزمان أن الأسرار تبقى في الصدور، ولا يحق لأحد أن يطلع عليها.
وعليه فقد شرّعوا بدائلهم
الخاصة، فكل من يقوم بفعل طائش، ويحس بأن الواجب الديني يلزمه بالاعتراف، ينزوي
بعيدأ عن الأعين، ويطلق البخور، ثم يفضي باعترافه في حضرة الدخان المتصاعد، بصفته
الوسيط بينه وبين السماء. فيكشف عن ذنبه، ويعلن توبته، ويطلب المغفرة، دون تدخل
طرف ثالث(12)، هذا السلوك الذي لا يتوافق مع تعاليم الكنيسة، يكشف عن
أثر النزعات القديمة المترسبة في الأنفس، والتي تدفعهم إلى إعادة تأويل الدين
وتطويعه، لينسجم مع المزاج الثقافي العام.
ما يهمنا هنا ليس الخوض في
الأمور اللاهوتية، وإنما الكشف عن الامتداد التاريخي لاستخدام البخور. فقد ظل جمره
متقداً في مختلف الحقب. منذ أول نظام ملكي عرفته الإنسانية في "قسطل"،
وكانت له آلهة تعبد في زمن "المازوي"، وظل دخانه متصاعداً في "كرمة"،
ولم ينطفئ لا في "نبتة" ولا "مروي:، وأستمر وهجه نابضاً في ألفية
العهد المسيحي، ثم دولة "الفونج" وسلطنة "الفور"،
و"تقلي" و"المسبعات"، وحتى يومنا هذا، تاريخ طويل ممتد، تبدلت
فيه الأديان، وتغيرت الألسن، ولكن مكونات التراث ظلت متأصلة في بنية الثقافة والمجتمع،
مما يدحض الادعاءات التي تحاول ربطه بمؤثرات طارئة أو تقاليد وافدة، ويؤكد أنه جزء
أصيل ومتجذر في قيم وتاريخ هذه البلاد.
المراجع:
1
ـــ بروس ويليامز؛ فراعنة النوبة المنسيين؛ ترجمة: فؤاد عكود ـــ موقع أركاماني.
2
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 144.
3
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 245.
4
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 246.
5
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 486.
6
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 466 ه 1.
7
ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة
النوبة ـــ 1997، ص 130.
8
ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 156.
9
ـــ وولتر إمري؛ مصر في النوبة ـــ 2008، ص 83.
10
ـــ بونسيه؛ رحلة إلى أثيوبيا؛ الطبعة الأولى ـــ 2012، ص 60.
11
ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة؛ الخرطوم
ـــ 2013، ص 166 ه 371.
12 ـــ رسائل جاك دي فيتري؛ ترجمة: عبد اللطيف عبد الهادي السيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق