الجمعة، 29 مايو 2026

البطان

من التقاليد الشعبية العريقة في السودان، ويعد من أبرز الأنشطة المصاحبة لاحتفالات الأعراس. وهو ممارسة اجتماعية تتخذ طابع التحدي حيث تتجلى فيها قيم الشجاعة والفروسية والقدرة على تحدي الصعاب. ويبدأ العريس جولة المنافسة بجلد أصدقائه بالسياط على ظهورهم العارية، ثم تشكل له حلبة خاصة، حيث تمتحن قدرة الشباب على الثبات والتماسك وتحمل الألم دون انكسار أو تراجع. ولا يقتصر البطان على استعراض الملكات الذاتية في الصلابة والصمود، بل يتجاوز ذلك ليعكس قيماً اجتماعية مرتبطة بالرجولة والإقدام ونكران الذات، كما يسهم في تعزيز روح التضامن والانتماء للجماعة. هذه القيم تتبدى ضمن سياق احتفالي يجمع بين التقاليد والموروث الثقافي.

ظاهرة الجلد بالسياط في الأعراس، كانت واسعة الانتشار في الماضي، وشكلت مادتها حضوراً لافتاً في الذاكرة الشعبية، إلا أن حظها من الدراسة والتدوين كان ضئيلاً، سواء في المصادر المحلية أو في الكتابات العربية والأجنبية. هذا القصور في التناول عزز فرضية أنها من العادات السودانية الخالصة، التي لا يوجد لها نظير في الثقافات الأخرى، قديماً وحديثاً. وربما هذا الارتباط اللصيق بالواقع الاجتماعي المحلي، أسهم إلى حدٍ كبير في حصر الكتابات عنها في أضيق نطاق، مما انعكس ذلك في شح المادة التي تتيح النقاش حولها بصورة أكثر تفصيلاً.

في محاولة لتتبع أصل التسمية، ربط "قاموس اللهجة العامية" بين كلمة "بطان" والبطن الطبيعية للإنسان. فقد جاء فيه: باطن سودانية أصلها من بطن، ضرب على البطن، ثم استدرك: لكنها في السودان لا تعني الضرب على البطن، بل البُطان والمباطنة نوع خاص من الجلد يقوم به الشبان في حلقة العرس خاصة في السيرة لكي يبرزوا شجاعتهم أمام الفتيات، والجلد يكون فوق الكتف وعلى الظهر بعد إزالة الملابس. ثم يختم: ويقولون في النوبية الدنقلاوية بُتان للصبي(1).

هذا ما ورد في القاموس، ومن خلاله يتضح أن البطان لا علاقة له بالبطن، ولا بالعربية، فهو لفظ سوداني. وهذا يشير إلى أنه لا يستخدم لهذا النوع من الممارسات في اللغة العربية. كما أن هذا التفسير يثير إشكالاً لغوياً، إذ أن الجلد الفعلي في البطان لا يمس البطن، وإنما يقع الظهر والكتفين، وهو ما يجعل الاشتقاق من "بطن" بعيداً عن الصحة. فاللغة العربية تميز بوضوح بين الأمام والخلف، ولا يعقل أن يطلق لفظ مرتبط بالبطن على فعل يقع على الظهر، لما في ذلك من تعارض مع المنطق اللغوي.

وفي المقابل، نجد أن لفظ "البطان" في العربية معروف بدلالة أخرى، إذ يستخدم للإشارة إلى الحزام المصنوع من الجلد أو الصوف أو الحبل الذي يشد به السرج "الحوية أو المخلوفة" على الجمل أو الحمار(2) وسمي بذلك لأنه يلتف حول بطن الدابة، أو لأنه يثبت البطانة التي يجلس عليها الراكب، وهي دلالة منسجمة تماماً مع أصل الكلمة. أما أن يجلد الإنسان على ظهره فنصف ذلك بمفردة تدل على أن الضرب قد وقع على موضع آخر من جسده، ففي ذلك تعسف في التأويل، ومحاولة للتعريب القسري.

وعند النظر في السياق السوداني الأوسع، نجد "البطان" في الكثير من البقاع، فهو يشكل حضوراً مميزاً في أعراس كردفان، خاصة لدى الكبابيش، وله عندهم مسمى آخر مشتق من الفعل "قشط" أي ضرب، وهو قُشاط(3)، وتعني الضرب أو المضاربة، وهنا يبدو الاسم أكثر التصاقاً بالفعل، بخلاف "البطان" الذي يظل أقرب ـــ من حيث الدلالة ـــ إلى اللفظ النوبي "بتان" والذي يعني الصبيان. وهذا ينسجم مع طبيعة الممارسة، بوصفها نشاطاً يقوم به الشباب في الحفلات، وبمعنى أدق هو لعب الأولاد في الأعراس.

وعليه، يمكن القول إن البطان من التقاليد السودانية القديمة، وقد يحمل اسماء محلية أخرى كـ"القشاط" ولكن تظل الممارسة واحدة. فهو من حيث الإسم، أكثر ارتباطاً بالجذور المحلية، إذ أن "بطان" أقرب لـ"بتان" النوبية، التي تعني "صبيان". ومن حيث الممارسة، لا يبدو أنه مستورداً ـــ وبالذات من الثقافة العربية ـــ فهذا الجلد القاسي على الظهور في حفلات الأعراس، لم نسمع به لدى العرب لا في ماضيهم ولا حاضرهم، ومن يريد أن ينسبه إليهم فليعضد دعواه بدليل صريح، سواءً من كتاباتهم أو حكاويهم المروية. وإلا فلا دعي للتكلف في تعريبه.

وقد يجرنا الحديث عن البطان إلى مسارات أخرى، تتصل بالجغرافيا والتاريخ، فننظر إلى أرض "البطانة" تلك المنطقة الواقعة بين نهر عطبرة والنيل الأزرق، حيث نهضت مملكة مروي. وقد يخطر على البال ـــ ولو على سبيل الافتراض ـــ أن هذه الرقعة ربما كانت في عهد كوش فضاءً يُوفد إليه الفتيان للتدريب على مهارات القتال، ومن ثم قد استمدت اسمها من كلمة "بتان". هذا التصور يستند إلى تقارب لافت في اللفظ والدلالة بين "بتان" و"بطانة"، وإلى طبيعة الممارسة نفسها، فهذا النزال بما فيه من جلد يثخن الأجساد بالجراح، يُظهر معاني الشجاعة والقدرة على احتمال الألم، وكأنه ساحة إعداد نفسي وبدني لمواجهة أهوال المعارك.  

غير أن هذا الربط، على جاذبيته، يظل مجرد خاطرة، إذ لا تتوفر لها شواهد تهتدي بها. ولكن مع ذلك يظل السؤال؛ هل كانت "البطانة" حقاً أرض إعداد الصبيان المحاربين؟ وهي استمدت اسمها من نشاطهم المفترض؟ أسئلة تبقى مفتوحة، وربما تحتاج إلى بحث أعمق يجمع بين علم اللغة والتاريخ والآثار، ونتركها الآن معلقة، لعلها تجد يوماً ما من يقتفي أثرها ويضيء جوانبها المعتمة.

المراجع:

1 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 101.

2 ـــ ود ضيف الله؛ الطبقات؛ تحقيق: يوسف فضل، الطبعة الخامسة ـــ 2012، ص 145 ه 15.

3 ـــ عون الشريف؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 769.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...