الخميس، 4 يونيو 2026

التشييع

 ومن الأشياء اللافتة أن طقوس الدفن التي لا زالت متبعة حتى اليوم، تسير ـــ في ملامحها العامة ـــ وفق نفس النهج الذي كان يتبعه أهل كرمة في تشييع موتاهم قبل آلاف السنين. فمنذ ذلك الزمان كانت الإجراءات تبدأ بمجرد الوفاة، يتحرك الحفارون إلى المقابر لتنفيذ عملية إعداد التربة وتوضيبها استعداداً لاستقبال الجثمان(1)، وبعد تجهيز الميت، يتم نقله على "العنقريب" إلى المقابر. هذه أبرز التماثلات، أما الفوارق فهي في مجملها ترتبط بالتصورات الدينية، لا بالتطبيقات العملية، فقد كانت عقائدهم تفرض عليهم دفن الميت مصحوباً بجميع احتياجاته الدنيوية، من أطعمة ومشروبات، وأدوات وأوانٍ وملابس، بل وحتى أسلحته يجب أن تصطحبه، وذلك لأنهم كانوا لا يرون في الموت نهاية للحياة، وإنما هو انتقال من مرحلة إلى أخرى، فموته يعني ميلاده في عالم بديل، لذلك كانوا يضعون الجثمان في القبر وأرجله مضمومة إلى صدره، بنفس وضع الجنين في رحم أمه(2)، حتى يكون مهيئاً لمولده الجديد. وإذا استثنينا هذا المعتقد، فإن بقية تفاصيل الدفن تتوافق إلى حدٍ كبير مع الأساليب الحالية، وهي بكل عناصرها ومفرداتها ظلت محفوظة في عاداتنا وتقاليدنا إلى وقت قريب، ومنها تقديم القرابين وسكب الماء على سطح القبر بعد ردمه، ثم تأطيره بالحجارة وتزيينه بالحصى، وغير ذلك مما سنتعرض له لاحقاً.

ولكن التشابه الذي يكاد يبلغ حد التطابق هو تشييع الميت على عنقريب. فهذا التقليد لم يتنازل عنه أهل السودان حتى اليوم، رغم البعد الزمني الذي يفصلهم عن كرمة القديمة التي نهضت منذ نحو 2500 سنة قبل الميلاد. فقد وجدت بعض الجثامين المدفونة منذ ذلك العصر، يحيط بها إطار خشبي، فسره بعض علماء الآثار بأنه عنقريب، ولكن نظراً لقدمه لم يحدد بصورة قاطعة ما إذا كان بالفعل عنقريب، أم مجرد حامل أو نقّالة، وقد فرش عليه جلد بقري مدبوغ بشكل جيد(3)، هذا ما تم التعرف عليه عن تلك الفترة المبكرة، ولكن بحلول أزمنة كرمة الوسطى من حوالي 2050 إلى 1750 قبل الميلاد(4)، فقد أصبح الجثمان يشيع على عنقريب خشبي واضح المعالم. وفي كرمة الكلاسيكية أو العهد الأخير من كرمة ما بين 1750 و1500 قبل الميلاد، تطورت صناعته، فأصبحت أخشابه مخروطة بإتقان، وقوائمه منحوتة على هيئة أرجل ثور، وتعتليه لوحة عند مسند الرأس، مرصعة بأشكال دقيقة من العاج تمثل حيوانات وطيور إفريقية. وقد اتضح أن هذه العناقريب لم تكن مصنوعة خصيصاً لحمل الموتى، وإنما كانت مستخدمة في الحياة اليومية، وتشهد على ذلك آثار التآكل الظاهرة على أخشابها نتيجة استعمالها لفترة طويلة(5).

وبتتبع التطورات التي طرأت على العناقريب المستخدمة في مراحل كرمة المختلفة، اتضح أن المدافن المبكرة كانت تحتوي على نماذج عادية غير مزخرفة. لكن بحلول كرمة الوسطى بدأت صناعتها ترتقي بعض الشيء، فظهرت أنواع ذات أرجل منحوتة بعناية. أما في المرحلة الأخيرة، فقد احتوت معظم قبورها على مجموعات مشغولة بشكل ممتاز، ذات أرجل منحوتة بمستوى عالٍ من المهارة، على هيئة حوافر أبقار، وبأغطية مطعمة بالعاج(6). تلك العناقريب وعلى قدم عهدها، تُعد من أبدع الأعمال التي تعود إلى فجر حضارات السودان، إذ أُنجزت بمنتهى الدقة والبراعة، مما يكشف عن الحس الجمالي الرفيع الذي كان يتمتع به أهل ذلك الزمان. ويظهر ذلك في طريقة تصميمها، والرسومات التي تزينها، وهي تمثل الشكل النموذجي لعنقريب المخرطة الحالي، مع بعض التغييرات التي طالت القوائم ولوحة الزخرفة. ومع تعاقب الزمن واتساع رقعة الاستخدام، كان طبيعياً أن تطرأ بعض التطورات، فاختفى المسند، وعدلت الأرجل لتأخذ شكلاً آخر أكثر ارتباطاً بمناسبات الأفراح، إذ صارت تُخرط أو تُنحت لتأخذ تقريباً نفس شكل "الحُق" وتطلى بنفس الألوان الزاهية، وبذلك أصبح العنقريب أكثر انسجاماً مع عناصر طقس الجرتق، التي يغلب عليها اللون الأحمر. غير أنه يظل في الأصل امتداداً لإبداعات كرمة القديمة، التي اهتم صناعها كثيراً بالقيم الجمالية.

"

عنقريب من مقابر كرمة، معروض اليوم في متحف بوسطن بالولايات المتحدة(7)

لقد كان العنقريب قديماً يؤدي نفس الدور الذي يقوم به عنقريبنا الحالي، سواء في الحياة اليومية، أو في المناسبات المختلفة. مع فارق واحد يرتبط بالوفاة، فقد كانوا في الماضي يتركونه مع الميت في القبر، وقد أقلع الناس لاحقاً عن هذه الطريقة، وأصبحوا يعودون به إلى البيت بعد الدفن. أما في الأزمان الغابرة فقد كانوا يضعونه داخل القبر وصاحبه مسجى عليه، وهذا يرتبط بالمعتقدات التي كانت سائدة آنذاك، وقد تحدثنا عنها من قبل، فقد كان أهل ذلك الزمان يرون أن الموت مجرد مرحلة انتقال من حياة إلى أخرى، يحتاج فيها الإنسان لكل متعلقاته الدنيوية، وبالطبع العنقريب واحد منها. هذا الاعتقاد بأن الميت حي في قبره، لا زال يلازم الكثير من الناس حتى اليوم، فهو في نظرهم عائش بصورة أو أخرى، وهذا ما سأحاول توضيحه لاحقاً عند الحديث عن عادة كسر التربة.

أما تقليد الدفن على عنقريب، فيبدو أنه مع الزمن قد ازداد رسوخاً واتسعت رقعته الجغرافية. فقد تم الكشف عن نفس الأسلوب في مقابر تعود لفترة لاحقة بالقرب من سمنة، جنوب الشلال الثاني، حيث تواصل النهج الذي بدأته كرمة وبالطريقة ذاتها، فكانوا يضعون الميت على عنقريب وهو مسجى على جانبه، ورجلاه مضمومتان إلى جسده، وتصحبه المرفقات الأخرى، ومنها الفرش أو الغطاء من الجلد البقري. ولكن في هذه المرحلة أضيفت إليه لمسات جمالية، إذ صارت جوانبه تطرز بالخرز، مع إدخال عنصر جديد تمثل في وسادة من الجلد تحشى بالقش وتوضع تحت رأس الميت(8)، ثم بعد ذلك تأتي بقية الاحتياجات، من أكل وشراب، ومعدات وأدوات وأوانٍ، وكل ما كان يستعين به في حياته الدنيا، ليعينه في حياته الأخرى على مواصلة مشواره الجديد. جميع هذه الأشياء تطمر معه داخل القبر. وهكذا ظل التقليد القديم مطبقاً كما هو، مع بعض التغيرات الطفيفة التي أشرنا إليها، وهي تطورات يحدثها الزمن أو تفرضها البيئة، ولكنها لا تشكل فارقاً جوهرياً. وما يعنينا في هذه المتابعة هو التشييع على العنقريب، الذي يبدو أنه قد أصبح أكثر توطيداً ورسوخاً، فمع استمراريته قد انداح في رقعة أوسع تمتد من جنوب الشلال الثالث وحتى قرب من الشلال الثاني، من كرمة إلى سمنة، وفقاً لما كشفت عنه التنقيبات الأثرية حتى الآن.

وظل هذا التقليد حاضراً في الحقب اللاحقة. فتم الكشف عنه مرة أخرى في مقابر نبتة، بعد حوالي ألفي سنة من ظهوره الأول. وجاءت قبور ملوكها لتشهد على استمرارية هذا الإرث، وعلى رأسهم "ألارا"، أول من نصب حاكماً على هذه المملكة الوليدة، فقد وجد جثمانه مسجى على عنقريب وبرش(9)، وربما كانت هذه هي الإضافة التي أحدثتها نبتة، فقد رأينا من قبل في كرمة وسمنة أن العنقريب كان يفرش عليه جلد مدبوغ، هذا المنتج الحيواني تم التخلي عنه، واستبدل بآخر من أصل نباتي عبارة عن حصيرة. وقد يكون ذلك مجرد تغيير في نوعية المواد المستخدمة، ولكن الأرجح أنه يعود لمؤثرات بيئية، تتعلق بتحرك حزام المطر جنوباً، مما جعل الشمال أكثر جفافاً، فتناقصت مساحات الرعي، الأمر الذي دفع بأصحاب الماشية جنوباً نحو الأراضي المفتوحة بعيداً عن النيل، وبالتالي تناقصت الموارد الحيوانية، مع تزايد أشجار النخيل والدوم. وانعكس ذلك على المفروشات، فاستبدلت الجلود بالبروش المصنوعة من السعف. ومهما كان السبب، فقد قدمت لنا مدافن ملوك نبتة صورة واضحة لطريقة الدفن، فبعد ألارا شيع بعانخي (بيا) على نفس الشاكلة، وكذلك خليفتاه شباكا وشاباتاكا وزوجاتهما، إذ وجدت جثامينهم جميعاً مسجاة على عناقريب(10)، ومنذ ذلك العهد ظل العنقريب والبرش متلازمين، يخدمان الإنسان السوداني في مختلف مناسباته، من مهده إلى لحده.

ما أرسته المدنيات السابقة حافظت عليه مروي، وهذه المرة جاءت الأدلة على الاستمرارية من مقابر الحكام والمحكومين معاً، فقد كان للعنقريب حضور في المدافن غير الملكية(11)، أي في مقابر الناس العاديين. وفي الغالب كان هؤلاء من قبل يدفنون بنفس الطريقة، إلا أن مقابرهم لم يتم الكشف عنها، لأنها لم تكن مشيدة على أساس متين يحفظها من المؤثرات الطبيعية مع تقادم الزمن، كما هو الحال مع أضرحة الملوك ذات الأبنية الصروحية، والأهرامات الضخمة التي تظل راسخة وظاهرة للعيان، مهما تعاقبت عليها الحقب، لذلك خرجت المعلومات عن تقاليد الدفن في الفترات القديمة، من القبور الملكية. بينما مدافن العامة قد غمرت وطمست معالمها، ولم يتبق منها ما يلفت أنظار الباحثين.

أما في مروي، فتلك المعلومات قدمها الشعب، لأن مدافنه لم يقض الزمن على آثارها بعد. ففي المقابر العادية وُجدت جثامين مدفونة مع عناقريبها. مما يظهر نوعاً من التواصل الثقافي الممتد منذ أزمنة كرمة البعيدة وحتى القرن الرابع الميلادي، أي على مدى يقارب ثلاثة آلاف سنة. يقول عالم الآثار شيني: "المدافن المبكرة الأولى في الكرو المؤرخة من قبل بزوغ فجر مروي، تظهر فيها إستمرارية موروث دفن الميت على عنقريب، كما في الجبانة الأكثر قدماً في كرمة"(12). وتدل هذه الشهادة على قدرة هذا الشعب على استدامة تقاليده عبر القرون، بحيث تظل حية مهما تطاول بها الزمن، فمن كرمة الأكثر قدماً إلى سمنة ومنها إلى الكرو التي توجد بها مقابر ملوك نبتة الأوائل، ثم تلقفت مروي هذا الإرث، لتحافظ عليه كحلقة في سلسلة مترابطة تشد المراحل التاريخية المتعاقبة في منظومة تراثية واحدة.

وهذا ما نجده في الفترة التي أعقبت مروي وقبل بدايات العهد المسيحي، ففي هذا الحيز الزمني ظلت طريقة الدفن التي سجلت حضورها الأول في كرمة باقية بكل تفاصيلها، دون تراجع أو خفوت، وهذا ما كشفت عنه مقابر ما بعد مروي التي تقع إلى الشرق من الأهرامات(13) في البجراوية. كما ظهر دليل آخر من مقبرة بأقصى الشمال، جنوب الشلال الثاني، حيث عثر على شاهد جديد لاستمرارية تشييع الميت على عنقريب في تلك الفترة، أي بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، ويبدو أن صاحب القبر الذي كشفت عنه التنقيبات الأثرية كان ملكاً على البجة، إذ وجد التاج مثبتاً على رأسه، وربما آل إليه الحكم في تلك المنطقة بعد أن تضعضعت السلطة المركزية في مروي. هذا الشخص وجدت رفاته مسجاة على عنقريب، كان في الأصل موسراً أو منسوجاً بالحبال، مع تدعيم لأركانه الأربعة بصفائح من البرونز، وكان الجثمان ممداً على ظهره(14). هذه الشواهد تدل على أن طريقة التشييع والدفن التي ابتدرتها كرمة ظلت مستمرة إلى ما بعد العهد المروي، عبر فترة زمنية تتجاوز الثلاثة آلاف سنة.

كل الفترات السابقة التي تطرقنا إليها، من كرمة وإلى ما بعد مروي، لم يعرف فيها أهل السودان الأديان المستوحاة من الخارج، كانت قيمهم الروحية نابعة من بيئتهم المحلية وعالمهم الخاص، استلهموها من تجاربهم ومعاناتهم وأساطيرهم، ومن صراعهم مع الطبيعة والقدر، وصاغوها نظماً تحكم حياة الفرد والجماعة وتشكل بنية الثقافة العامة. وعندما انتقلوا إلى مرحلة تلقوا فيها أديان جاهزة لها نظم ومؤسسات وتعاليم معدة سلفاً، ليس لديهم دور في صياغة مفاهيمها أو تشريعاتها وشعائرها، كان من المتوقع أن تطرأ تحولات كبرى على نمط حياتهم وأساليب سلوكهم، وتلقي بظلالها على عاداتهم وتقاليدهم. غير أن الواقع لم يشهد فارقاً يذكر بين المرحلتين، وإن كانت هناك بعض الإضافات، ولكنهم لم يقلبوا لماضيهم ظهر المجن، وإنما حملوه معهم ودخلوا به في الدين الجديد، بل حتى الداعون إليه، الذين جاءوا من الخارج لنشر مبادئ هذه المعتقدات بين السكان المحليين، ما لبثوا أن تبنوا قيم أهل البلاد وأظهروا التزامهم بها في تصرفاتهم الفردية وفي إطار مجتمعاتهم الخاصة.

أول المظاهر التي تدل على بقاء تقاليد الماضي في العهد المسيحي، نجدها تتمثل في تشييع الميت على العنقريب(15)، فقد ظلت العادة القديمة تمارس كما هي، حتى في هذه الفترة المتأخرة، إذ كان العنقريب يترك مع الميت في القبر، وفي طريقة الدفن هذه، دلالة رمزية على ضرورة مرافقة الاحتياجات الدنيوية للميت في العالم الآخر، ويشير إلى ذلك أيضاً وجود بعض المقتنيات الثمينة، وإن كانت بمقدار أقل مما كان عليه الحال في السابق، وهذا فيه نوع من الاستمرارية لمعتقدات ما قبل المسيحية. صحيح أن هناك بعض الفروقات، فالمرفقات الجنائزية التي كانت تصاحب الميت قد تناقصت، لكنها لم تنعدم تماماً، مما يدل على أنه لم يكن هناك التزام صارم بتعاليم الدين الجديد، على الأقل في طقوس الدفن.

في بعض القبور كان يوضع مع الجثامين قليل من المجوهرات والحلي الشخصية، وهذا يعني أن الماضي لا يزال يقاوم، ويصر على البقاء بشكل أو بآخر. والغريب أن هذه الشواهد لم تقتصر على قبور المواطنين، بل وجدت أيضاً مع كبار رجال الدين من أساقفة وقساوسة، حيث عثر مع جثامينهم على بعض المرفقات الجنائزية منها نوع من الأواني أو القوارير التي ربما كانت لها علاقة بالكنيسة والماء المقدس(16). ومهما تكن طبيعة هذه الأدوات ووظيفتها، فإن وجودها في القبر مع الميت يمثل استمراراً لتقليد قديم كان المتوقع نظرياً أن تقضي عليه المسيحية، وتخلص المجتمع منه، فإذا بها عملياً تتعايش معه، وتستجيب لمتطلباته.

بل حتى قيادات ورموز الطبقة الدينية أظهروا خضوعهم والتزامهم بعادات أهل البلد، فعندما يموت أحد كبار أعضاء المؤسسة الكنسية، يشيع في مظاهر احتفالية، يحمل على عنقريب ويدفن ممدد عليه، وتوضع معه بعض المتعلقات الحياتية، مما يعني أن العادات والتقاليد المحلية لم تتراجع أمام الديانات السماوية، بل استوعبتها وطوعتها وجعلتها تتصالح وتتساير مع القيم السائدة في المجتمع. مع العلم أن أعضاء السلك الكنسي، لم يكونوا في الأصل من أهل السودان. فمن المعروف أن القائمين على أمر التبشير كانت تبعثهم بطرياركية الإسكندرية التي كانت تحتكر أمور الدعوة للديانة المسيحية في الممالك النوبية، لذلك لم تنشئ مدارس لاهوتية في السودان تتولى أمر تخريج دفعات من أبناء البلد مؤهلين للقيام بأعباء الدعوة والتعليم، ولو فعلت ذلك، ربما اسهمت في إطالة أمد المسيحية تحت إشراف قيادات دينية محلية، بعد انقطاع المدد الروحي الخارجي. بناءً عليه، فأن معظم العاملين في الحقل الكنسي كانوا وافدين من البلدان الأخرى، ومع ذلك ارتضوا أن يكون انتقالهم من دار الفناء إلى دار البقاء وفق الطريقة السودانية، لا وفق تقاليد أوطانهم الأصلية. فإذا كان الأجانب، وهم ممثلو الرمزية الدينية في العهد المسيحي، قد امتثلوا للعادات المحلية، فمن باب أولى أن يكون أهل البلاد أنفسهم أشد تمسكاً بنهج أجدادهم.

ثم فيما بعد، حين بدأت المسيحية تفسح المجال للإسلام، انتقل الإرث القديم خطوة نحو الأمام، فلم يتنازل المجتمع عن عناقريب كرمة أو بروش نيتة في تشييع موتاه، لم يبحث لهم عن آلات حدباء لتحملهم، أو محفات لتنقلهم، أو توابيت تغطيهم في الطريق نحو مثواهم الأخير، كما كانت تفعل الشعوب التي تجاور البلاد، رغم أن أهلها قد استمدوا منهم الدين واللسان، ولكنهم احتفظوا بما يخصهم من التراث القديم. وهكذا عبر آلاف السنين، ظل العنقريب والبرش يحتفظان بموقعهما المميز في جميع المناسبات بأفراحها وأتراحها، لم يُتركا ولم يُستبدلا افتتاناً بما لدى الآخرين، فقد ظلا عنصرين ثابتين في كل بيت، يُعدان لاستقبال الطفل عند الولادة، ويسعفانه في الطهور، وفي العرس يقفان على رأس مكونات الجرتق، ويكملان معه المشوار حتى النهاية، حين يصبحان نعشه الذي يحمله نحو الدار الآخرة. فالعنقريب والبرش هما أوضح صور التمسك بالميراث القديم.

إن وجود هذين المكونين في التقاليد السودانية طوال هذه الأزمنة الممتدة، أمر يدعو للدهشة، ويثير التساؤل عن سر هذه القدرة الاستثنائية على التمسك بإرث الماضي، كيف استطاعت هذه المجتمعات أن تحافظ على مفردات ثقافتها القديمة عبر آلاف السنين؟ فما جرى في كرمة تكرر عبر الحقب، ولا زال ماثلاً في الوقت الراهن. وهذا يدل على حقيقة واحدة، وهي أن حياة الناس ظلت مترابطة الحلقات من أقدم الأسلاف إلى آخر الأحفاد. إن استمرارية تقليد واحد كل هذا التاريخ الطويل، فيه دلالة واضحة، على أن هذا الشعب ظل متصلاً بجذوره دون انقطاع، لذلك ظلت عناصره التراثية باقية في عاداته دون أن تتأثر بتدخل وافد غريب.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 260.  

2 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 181.

3 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 262.

4 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 181.

5 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 262.

6 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 281.

7 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 563 صورة 22.

8 ـــ وولتر إمري؛ مصر في النوبة؛ ترجمة تحفة هندوسة ـــ 2008، ص 170.

9 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 69.

10 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 323.

11 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 53.

12 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 93.

13 ـــ شيني؛ مروي حضارة سودانية، ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 97.

14 ـــ وولتر إمري؛ مصر في النوبة؛ ترجمة تحفة هندوسة ـــ 2008، ص 83.

15 ـــ ويليام آدمز؛ النوبة رواق إفريقيا؛ ترجمة: محجوب التجاني. الطبعة الثانية ـــ 2005، ص 428.

16 ـــ ويليام آدمز؛ النوبة رواق إفريقيا؛ ترجمة: محجوب التجاني. الطبعة الثانية ـــ 2005، ص 428.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...