الخميس، 4 يونيو 2026

كسر التربة

 الزيارة التي يقوم بها أهل الميت إلى القبر في اليوم الأربعين من الوفاة، تبدو ذات أهمية خاصة، حيث تجرى فيها مراسم "كسر التربة"، وهي من التقاليد المتوارثة التي ربما كانت محملة بشعائر وثيقة الصلة بالأديان القديمة. فهناك من المؤشرات ما يكشف عن أن معتقدات الأزمنة السحيقة كانت تتضمن تصورات تحيل الموت إلى وجه آخر للحياة، وأن الوفاة هي مجرد مرحلة انتقال من عالم إلى آخر. لذلك كانوا يرون أن المستقبل السعيد للشخص الميت في العالم السفلي يتوقف على إقامة بعض الطقوس التي تفتح أمامه الطريق نحو واقع أفضل في حياته الآخروية(1). ربما كان هذا المفهوم هو الذي شكل الأساس العقدي لهذا التقليد، ومن ثم تحول إلى ممارسة اجتماعية.

إن عادة كسر التربة والتي تهدف في مضامينها الأعمق إلى مساعدة الموتى على شق طريقهم بيسر في الجانب الآخر من الحياة، هي التي تدفع الأهل للقيام بهذه الطقوس. وكانت في الماضي تتضمن تفاصيل أكثر، وتجرى بزخم أكبر، ولكن مع مرور الزمن وتقلب الناس في الأديان، تقلصت الكثير من مظاهرها الجانبية، بينما احتفظ التراث الشعبي بملامحها العقائدية، ولعل أكثر مظاهرها الدينية تجلياً تبدو في الحرص على الذهاب إلى المقابر في ظلام ليلة الأربعين، على أن يكون الوقوف عند تربة المتوفى قبل طلوع الفجر، ومع أول خيط للضوء يبدأ إحياء مراسم "كسر التربة". وهو ما يمنح الأمر بعداً إيمانياً له عمق روحي، يتجاوز مجرد العادات التي تعارف عليها الناس.

إن مصطلح "كسر التربة" في البيئات الزراعية يعني تفتيت الأرض بما يتيح للماء أن يتسرب بسهولة خلال مسامها وفجواتها، لذلك نجد ضرورة الترطيب والارواء في هذه العادة، يأتي في مقدمة أنشطة ذلك اليوم، ففي بعض الأنحاء درج الناس على وضع الماء في آنية فخارية ـــ زير أو بُرمة ـــ عند جهة الرأس، وفي نفس الوقت يقومون برش القبر بالماء. وفي أنحاء أخرى اكتفوا بترطيب سطح القبر بنثر الماء عليه دون وضع آنية بجانبه. والدافع المستتر وراء هذه العادة، والذي أسهم في استمرارها لأكثر من أربعة آلاف سنة، هو أن الأحياء يتعاملون مع الميت باعتباره عائشاً في العالم الآخر، ولذلك يحرصون على أن يكون موضع إقامته نظيفاً ومرتباً ومريحاً، وأن تتوافر فيه احتياجاته الضرورية، ولو في حدها الأدنى. هذا ما آلت إليه عادة كسر التربة في آخر مظاهرها، أما في الماضي فقد كان هناك إسراف في إعداد هذه اللوازم، إذ كانت تتضمن مختلف الأحتياجات، بما فيها الأكل والشرب، وبالطبع الماء على رأسها، الذي يقدم عادةً في آنية من الفخار أو غيره، وإن كان هناك من شطح أكثر من ذلك، وأعد لها قنوات تتدفق عبرها على المقبورين في مدافنهم(2).

هذا ما كان عليه الحال قديماً، وقد انتقل عبر الأديان بتكيفات متفاوتة، حتى وصل الأمر إلى الاكتفاء ببعض الأعمال الرمزية التي تستبقي بعض ملامح القيم القديمة. والتي تتمثل في الحرص على مظهرين، الأول: أن يكون منظر القبر مقبولاً وملائماً للإقامة، لذلك يعملون على نظافته وتسويته وتزيينه بجريد النخل، ثم يطلقون حوله البخور، والثاني: أن يكون ندياً، فيضعون بعض الماء في الجرار، ويرشون بعضه على سطح القبر لترطيبه، ثم ينثرون عليه أنواع من البذور.

من الواضح أن هذه المراسم مقصودة في ذاتها، ولها معانٍ وأهداف، حتى وإن بدت مبهمة، وربما تمثل استجابة لمعتقدات قديمة كانت تلزم الناس بتوفير الاحتياجات الضرورية للراحل لكي تعينه في حياته الأخرى. لكن هناك أشياء لا يمكن أن تندرج ضمن تلك الاحتياجات، منها الحجارة والحصى والطوب، فهي ليست من المواد التي يمكن استعمالها أو استهلاكها، ومع ذلك يحرص أهل الميت على توفير كمية منها من أجل استخدامها في طقس كسر التربة، بل هي من أهم مكوناته، إذ يقومون برص الحجارة حول القبر، ثم يطرحون عليه الحصى، مع تثبيت طوبتين عند الرأس، دون أن يمتلك أحد تفسيراً لوضع هذه الأشياء بالذات أو المعنى الكامن في طريقة توزيعها. وإذا حاولنا إيجاد علاقة بين هذا الترتيب، والماء الذي يسكب على سطح القبر، فقد يصح لنا القول إن الحجارة التي تحيط بالقبر تبدو وكأنها "تقنت"، والتقنت هو الترس أو الحاجز الذي يفصل بين أحواض الزراعة التي ترويها الساقية، والكلمة نوبية(3)، وبالتالي يصبح رص الحجارة حول القبر إجراءً رمزياً يتسق تماماً مع عملية رشه بالماء. وربما كان لهذه الأفعال مدلول أعمق أو أصل أبعد في الموروث الثقافي. وبالعودة إلى حضارة كرمة، نجد أن لهذا التكوين ارتباط قوي بالشكل الذي كان يعد به القبر في ذلك الزمان، حيث كان يبنى على شكل تل يحاط بالحجارة ويغطى بالحصى(4)، وهو تماماً ما ظلت تتضمنه عادة كسر التربة حتى أزمانها المتأخرة، الأمر الذي يؤكد أن هذا التقليد ظل متوارثاً من ذلك العهد. ولا شك أنه خضع لبعض التكيف والتحوير حتى يتواءم مع التطورات العقائدية، ولكن في كل الأحوال احتفظ بسماته الأساسية المتمثلة في الحجارة، والحصى، والطوب، وجريد النخل، والماء.

أما في أزمنة كرمة فقد كان الأمر أكثر تعقيداً من حيث المحتوى والتركيب، إذ كان الميت ترافقه جميع احتياجاته الحياتية، فيزود بالأطعمة والمشروبات، وتوضع معه الأدوات التي كان يستخدمها في أعماله اليومية، وحتى الأسلحة بالنسبة للرجال، أما النساء فقد كانت تصحبهن مواد الزينة من حنة وكحل ودهن وغيرها، وأدوات التجميل مثل المشط والمكحلة والمرواد، بل وحتى المرآة، حتى تلقي نظرة على وجهها، وتصلح من تسريحة شعرها. أما المجوهرات والحلي من سلاسل وعقود وأساور وخواتم، سواء كانت من الذهب أو المعادن والمواد الأخرى، فلم تكن تفرق بين ذكر وأنثى، إذ كانت ترافق الجميع دون تمييز(5)، هذا ما كان يوضع بجوار الجثمان داخل القبر، أما على السطح فهناك أشياء أخرى. فقد جرت العادة، بعد عدة أيام من الوفاة، أن يقوم أقارب الميت ومعارفه، بجلب التراب والطين وتشييد تل فوق مدفنه، ثم يُفرش فوقه حصى أبيض اللون، بعد ذلك تؤطر حدوده بحجارة سوداء، ترتب في نسقٍ زخرفي(6)، وأحيانا لا يكتفون بالتقاط الحجارة ورصها كإطار، وإنما ينتقون أنوعاً معينة منها، تكون على هيئة مسلات مستطيلة الشكل، يغرسونها على حواف التربة، ثم يملؤون ما بينها بالحصى الأبيض، بعد ذلك يضعون الأواني الفخارية حولها(7). ومن المؤكد أن هذه القداحة أو الكناتيش لم توضع من أجل الزينة، وإنما كانت تحتوي على المأكولات والمشروبات، سواءً لتلبية احتياجات الميت، أو صدقة على روحه، أو قرابين للآلهة، كلٌ يسقط عليها ما يلائم رؤاه، ومدلولها دائماً يخضع للتحوير والتأويل وفقاً لمقتضيات الأزمنة وتغير الأديان.

كل هذا التشييع الاحتفالي، وما يصاحبه من عناية بالقبر ومحتوياته، يدل على أن الموت في معتقد أهل ذلك الزمان لم يكن نهاية، وإنما مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، فالموت في نظرهم هو الوجه الآخر للحياة، وإنقضاء أجل الأنسان الدنيوي لا يعني فناءه، وإنما ابتداء أجله الأبدي وانفتاحه على عمرٍ جديد. وهذا التصور نجده في مختلف الأديان بقوالب متعددة، متضمناً في فكرة البعث، ولكن في المفهوم السوداني القديم، يبدو أقرب إلى مجرد نقلة مباشرة من نمط في حياة إلى آخر، دون مرحلة سكون أو انتظار، لذلك يحتاح الميت لمستلزمات وجوده في العالم الآخر منذ لحظة إنزاله في القبر. ورغم أن هذه التصورات قد تراجعت أو تقلصت في وعي المجتمع، إلا أن ظلالها ما زالت ماثلة في ثقافتنا إلى زماننا هذا، وهو العامل الخفي الذي يدفع الناس لزيارة القبور، والاعتناء بها وتقديم بعض القرابين، حتى وإن كانت رمزية وقليلة.

لا أعتقد أننا في حاجة لتتبع هذا التقليد في الحقب التي أعقبت كرمة، فكل الشواهد تشير إلى أنه استمر على نفس المنوال في الأزمنة اللاحقة، أخذته نبتة أولاً وحافظت عليه إلى أن تسلمته مروي التي أبقت عليه حتى انقضى عهدها، فتلقفه من جاء بعدها، ودخره ليصبح جزءاً من الميراث الذي آل للعهد المسيحي، ومنه وصلت إلينا. فعند الأربعين نقوم بـ"معايدة الميت الحي" لمؤانسته، وطرد الوحشة عنه، والعناية بمقامه، وتوفير بعض احتياجاته، نؤدي ذلك مع مراعاة ما نحمله من معتقدات، بحيث تكون هناك حالة من التكيف والمواءمة.

بعد أن استعرضنا الجوانب التاريخية لهذه العادة، نأتي لانعكاستها في الزمن الحديث. إلى وقتٍ قريب كانت عادة الترحم على روح الميت تقام في أوقات محددة، بعد نهاية الأسبوع الأول، ثم الأسبوع الثاني. وفي هاتين المناسبتين تقدم الكرامات، أما بذبح بهيمة أو الاكتفاء بما دون ذلك، لكن في كل الأحوال هناك أطعمة تقدم للأطفال وعابري السبيل صدقة على روح المرحوم. أما بعد مضي أربعين يوماً على الوفاة، هناك إجراء آخر يظهر فيه تأثير العادات القديمة بوضوح. ففي هذا اليوم يجب القيام بطقس كسر التربة، الذي تبدأ ترتيباته قبل الفجر وتنتهي عند شروق الشمس وهذا التوقيت في حد ذاته يحمل دلالات غيبية.  

ففي آخر الليل يتحرك أهل الميت نحو المقابر، وهم يحملون معهم أشياء معينة، محددة سلفاً وفقاً للقيم المتعارف عليها، منها كمية من الحصى الأبيض، وطوبتين، مع أواني مملوءة بالماء، ومباخر، وجريد نخل ومكانس، وتمر ومأكولات خفيفة أخرى مثل البليلة واللقيمات (الزلابية). وعند الوصول يقوم الصبية بالتقاط الحجارة من محيط الموقع، بينما تتولى البنات تنظيف القبر وتسويته(8)، ثم تثبيت الطوبتين عند جهة الرأس، وترص الحجارة حول التربة، ويفرش الحصى على السطح، ويُرش عليه الماء ويُغرس جريد النخل في طرفيه، ويقوم البعض بنثر الحبوب فوق المدفن، ربما لتنبت عليه فتظلله وبالتالي تخفف من حرارته، وربما صدقة تقدم للطيور فيعود أجرها للمرحوم. بعد انتهاء هذه الإجراءات يعود الجميع إلى البيت بعد شروق الشمس، حيث توزع أطعمة "الرحمتات" على الحضور. وأحياناً يذبحون خروفاً لإعداد الوجبات، وتقديمها كرامة على روح الراحل. وحتى في هذه الحالة تبقى الصلة بالمفاهيم القديمة واضحة، فهم يعتقدون أن هذا الطعام "يزيل التراب من فم الميت"(9). أي أنه ـــ بطريقة ما ـــ يمكّنه من نفض الغبار عن فمه، ومشاركتهم الأكل. وهذا التلميح العابر لفم الميت له جذور عميقة في المعتقدات القديمة، فقد كان له في الماضي طقس خاص يسمى "فتح الفم" تجرى فيه ملامسة شفاه المتوفى، سواء بشكل مباشر أو عن طريق شبيه يتمثل في مجسم يجسد روحه، في الحالتين يمسون الفم بآلة معينة، حيث كانوا يعتقدون أن هذه العملية تعيد إليه كافة قدراته الحيوية(10). وفي ذلك إشارة إلى عدم اعترافهم بأنه قد غادر الحياة نهائياً، وإنما يرونه قد انتقل من الدنيا إلى عالم آخر بكامل قدراته الطبيعية. ولاشك أن ذلك لا يتفق مع قناعات الناس في الوقت الراهن، لكنهم يعبرون عن التصورات الموروثة بنفس الصيغ القديمة، فهذه التقاليد لم تتنزل إليهم صماء، وانما رافقتها عبارات تكشف عن مدلولاتها، وهم وإن تغيرت معتقداتهم، لكنهم ظلوا ملتزمين بما خطه الأسلاف عملاً وقولاً، لذلك يقدمون الطعام وهم يشيرون إلى فم فقيدهم، في استمرار رمزي لذاكرة حضارية بعيدة الجذور.

هذه هي الصورة العامة لعادة كسر التربة، ولكن هناك أمراً لافتاً يستحق الوقوف عنده، وهو أن أهل الميت وقبل خروجهم إلى المقابر، يحرصون على تحضير طوبتين يأخذونهما معهم إلى المقابر لتثبيتهما عند رأس المرحوم. هذا الاستخدام المميز دفع البعض إلى الاعتقاد بأنهما تمثلان شاهداً للقبر(11)، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن الشاهد عادة يوضع لمخاطبة الأحياء وهو عبارة عن لوحة من الحجر تشذب وينقش عليها اسم الميت وتاريخ الوفاة وبعض الأدعية، وذلك ليتعرف زوار المقابر على هوية المتوفى ويدعوا له بالرحمة. أما هاتان الطوبتان أو "الطوبات" كما نقولها في دارجيتنا، فهي صماء بكماء لا تحمل ولا حرف واحد من أي لغة معروفة، مما يدل على أن وظيفتها موجهة إلى الميت نفسه، لا إلى من يترحمون عليه. ورمزية تثبيتها في طرف القبر قرب رأس صاحبه، ربما تمثل حاجزاً يمنع روحه من أن تطل على عالم الأحياء، أي أن الهدف منها أن تظل الروح ساكنة في مرقدها. لذلك عندما يرد ذكر أحد الأموات في أحاديث النساء، يقلن: "فلان يعصرنُو طوباتُو"(12)، أي لعل هذه الطوبات تثبته في قبره، وتحول دون عودة روحه إلى مسكنها الدنيوي. فهي ليست شاهداً، بقدر ما تشير إلى أنها سد يمنع روح الميت من أن تعود إلى عالم الناس فتسبب لهم بعض الاضطراب. هذا هو الدور الرمزي المفترض للطوب في طقس كسر التربة، فهو مثل الحجارة والحصى والماء وجريد النخل، يحمل دلالة رمزية ضمن منظومة متكاملة تعكس بعض ملامح ما تبقى لنا من تلك التقاليد القديمة، التي لم يوقف مسيرها تغير الأديان ولا تقادم الأزمنة، فظلت سارية عبر القرون، شاهداً على التواصل الثقافي بين الماضي والحاضر.

كما ذكرت من قبل، فإن العناصر التي حافظ عليها المجتمع من موروثاته القديمة، فيما يتعلق بعادة كسر التربة، تتمثل في تأطير القبر بالحجارة السوداء، ثم نثر الحصى الأبيض عليه، ووضع أواني الماء بجواره(13)، بالإضافة لجريد النخل، والمباخر، وغيرها. وبعض هذه الأشياء هناك من شاهدها وكتب عنها، فقد ذكر أحد الرحالة، الذي زار السودان عام 1813، أنه رأى كثيراً من القبور مغطاة بالحصى، وبجوارها جرار من الخزف، وقد غرس جريد النخل عند طرفيها(14). وبعد ذلك بوقت قريب، أشار رحالة آخر دخل السودان في عام 1821 إلى أن من عادات سكان الشمال جمع الحصى الأبيض ونثره على سطح قبر فقيدهم(15)، وإن لم يتطرق للعناصر الأخرى مثل الماء أو جريد النخل.

هكذا يتأكد لنا أن هذه العادة القديمة ظلت قيد الممارسة حتى القرن التاسع عشر. بل هناك من الشواهد ما يمتد بها إلى فترات أقرب من ذلك، فقد كتب أحد الموظفين الإنجليز، في عام 1911، عن عادات الدفن قائلاً: إن أهل الميت وبعد مرور أربعين يوماً على الوفاة، يجلبون الحصى من الصحراء، ويطرحونه على سطح القبر(16)، وهو يتحدث عن السودان بشكل عام، دون تخصيص جهة محددة، مما يعني أن هذه العادة كانت لافتة للنظر وواسعة الانتشار. وبالطبع لم يكن هؤلاء الأجانب على دراية بمغزاها ومدلولها الروحي وعمقها التاريخي، ونحن كذلك لا نعرف إلى ما ترمز، أو لماذا تؤدى بهذه الكيفية، كل ما نعلمه أنها جزء من تراثنا الموغل في القدم. أما أولئك الغرباء فقد تناولوها كسياح تشدهم المناظر غير المألوفة، والمظاهر الغريبة، التي لا تسعفهم ثقافتهم بتفسيرها، أو فهمها في سياق قيم المجتمع.

عندما كان الناس على أديانهم القديمة لم تكن هذه الممارسات في حاجة لمن يشرحها أو يبررها، فلابد أنها كانت مفهومة لدى العامة، ودورها في الحياة الاجتماعية كان معروفاً، ولكن عندما جفت منابع الأديان المحلية، وأصبحت القيم الروحية تتدفق من مصادر خارجية، بدأت التساؤلات تطل برأسها، حول العلاقة بين هذه الممارسات والمعتقدات المستحدثة، وأصبح الأمر يتطلب تكييفها وموضعتها ضمن خارطة الأطروحات الدينية الجديدة في كل مرحلة تاريخية. ولعل حجم التساؤلات كان أقل في العهد المسيحي لتقارب العهدين وقوة رسوخ التقاليد القديمة، ومع ذلك تطلب الأمر قدراً من المواءمة بين المعتقد والتقليد. فجاء تفسير وضع الحصى على القبور بأنه يمثل عدد صلوات الأحياء من أجل الأموات(17). دون أن نعلم الكيفية التي يتحول بها الحصى إلى صلاة، ولا القبر إلى معبد، غير أن ذلك كان محاولة مسيحية لتبرير استمرار تقاليد غابت أصولها عن الأذهان.

وحين حلَّ الإسلام بالبلاد، لم يتغير الكثير، إستمر الحال على ما هو عليه، نفس القيم القديمة ظلت باقية في عادات المجتمع، وإن تغيرت زاوية النظر إليها، في محاولة لإيجاد صيغ جديدة تجيب عن التساؤلات المتزايدة. فجرى نوع من المواءمة بين الدين والعرف، دون التفريط في إيٍ منهما، يستمر الدين في الشعائر التعبدية، ويستمر التراث في تنظيم الحياة اليومية، مع الدمج بينهما. ومن هنا أضيفت مسحة إسلامية على عادة كسر التربة، فأصبح الحصى الذي يلقى على سطح القبر يُؤخذ إلى إمام المسجد أو شيخ الخلوة، ليقرأ عليه آيات من القرآن، ثم بعد ذلك يطرح على التربة(18)، ولدى الطرق الصوفية يُجمع هذا الحصى في قفاف وتوضع أمام الشيخ، فيقرأ عليها الأوراد والأدعية، ثم تحمل إلى المقابر ويلقى ما فيها فوق القبر، ولديهم فتوى في ذلك تقول: إن روح الميت تزور القبر من فترة لأخرى، ورؤيتها لهذا الحصى تدخل عليها الفرح والطمأنينة، والأهم من ذلك، أنها تستخدمه كمسبحة لذكر إسم الله الخالق الصمد(19).

وهكذا جرى تطويع الدين لمجاراة العادة، أو إكساب العادة مسحة دينية، تضمن تعايش العقيدة مع العرف دون تناقض. بل في كثيرٍ من الأحيان، كانت المعتقدات تتبدل وتبقى العادات، وهذا ما حدث عبر التاريخ، فهذه القيم ظلت باقية، مع النقلات الدينية الكبرى، من ما قبل المسيحية إلى زمن الإسلام، حتى بدت هي الثابت وماعداها المتغير. لذلك نجد حتى بعض الشيوخ الأكثر تفقهاً يسيرون على نفس النهج القديم، دون أن يتساءلوا عن النص الديني الذي يلزمهم بتلاوة الآيات والتعاويذ على الحصى والحجارة ووضعها على القبور. وما هو الوازع وراء فعل ذلك، نجد أنهم يغضون الطرف عن هذه التساؤلات، لأنهم يعرفون أن هناك نصاً تراثياً واجب التنفيذ، وأن الإخلال بمطلوباته يجر عواقب غير محمودة، وأن الأيسر أن منح هذه العادات مسحة دينية، بحيث تصبح حجارة "مباركة"، بعد قراءة بعض الآيات والأدعية عليها، مما يجعل طرحها في المدافن مقبولاً ومستساغاً، وهكذا يستمر القديم في الجديد، أو بالأحرى يبقى المقيم في القادم لأن جذوره أعمق، فتدوم التقاليد مهما تبدلت الأديان واللغات.

تقديم القرابين لازال يحتل حيزاً في عادات الناس، وإن تضاءل وتقلص في عداده وتنوعه، ولكنه لم يتلاش تماماً، رغم تعارضه الواضح مع التعاليم الإسلامية، فقد تحول من عطاء مادي صريح، إلى أداء رمزي مستتر، إذ تنازلوا عن الكثير مما كان يقدم في الماضي، وإكتفوا ببعض الإيحاءات التي تتجسد في تقديم الماء، الذي يوضع في أزيار أو بُرام أو قُلل أو كناتيش أو قداحة، بنفس الطريقة السابقة، عند رأس الميت، مع تشتيت بعض الحبوب ـــ قمح، عيش، دخن ـــ مع التمر،  ثم يحرص أهل المرحوم على إعادة تعبئة أواني الماء، وتجديد نثر البذور من حينً لآخر. ولكلٍ تصوره حول ذلك، فمنهم من يعده صدقة جارية على روح الميت، إذا تناول منه أي كائن حي، مستحضرين أجر "كل كبد رطب"، ويرى آخرون أن وجود الماء في حد ذاته ضروري لأنه يخفف من حرارة القبر(20).

وهكذا تستمر العادة القديمة، لم يقلع عنها الناس حتى بعد أن أقلعوا عن عقائدهم المحلية وتبنوا أدياناً أخرى، إنما أعادوا تأويل مدلولها ليتسق مع معتقداتهم الجديدة. أما غرس جريد النخل عند طرفي القبر، فقد إستمر كما هو، دون أن يهتم أحد بإيجاد تفسير أو تأويل له، سوى أنه من العادات التي درج عليها الناس. هذه تقريباً أهم القيم والاعراف التي كانت تلازم الناس في أحزانهم، عند رحيل أحد أعزائهم، وهي جميعها من الموروثات القديمة التي تواصلت عبر الزمن دون أن تعترض طريقها قيم دخيلة تقطع تواصل الماضي بالحاضر.

المراجع:

1 ـــ جفري بارندر؛ المعتقدات الدينية لدى الشعوب؛ عالم المعرفة ـــ 1993، ص 44.

2 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 38.

3 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 156.

4 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 261.

5 ـــ تاج السر عثمان؛ تاريخ النوبة الإقتصادي الإجتماعي؛ الخرطوم ـــ 2003، ص 114.

6 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 261.

7 ـــ أحمد محمد علي الحاكم؛ شارلس بونيه؛ كرمة مملكة النوبة ـــ 1997، ص 169.

8 ـــ تهاني عثمان؛ من العادات الفرعونية طقوس القبور؛ الراكوبة ـــ 13 مايو 2013.

9 ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 179.

10 ـــ جفري بارندر؛ المعتقدات الدينية لدى الشعوب؛ عالم المعرفة ـــ 1993، ص 44.

11 ـــ عون الشريف قاسم؛ قاموس اللهجة العامية في السودان؛ الطبعة الثالثة ـــ 2002، ص 144.

12 ـــ عبد الله شم وأنس البشير؛ تاريخ موجز لسودان وادي النيل؛ الطبعة الأولى ـــ 2009، ص 71.

13 ـــ ويليام آدمز؛ النوبة رواق إفريقيا؛ ترجمة: محجوب التجاني. الطبعة الثانية ـــ 2005، ص 491.

14 ـــ جون لويس بوركهارت؛ رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان، ص 60.

15 ـــ إدوارد روبيل؛ رحلات في شمال السودان وكردفان، الطبعة الأولى ـــ 2020، ص 65.

16 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 435.

17 ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛ الخرطوم ـــ 2013، ص 149.

18 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 435.

19 ـــ جون لويس بوركهارت؛ رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان، ص 220.

20 ـــ ماكمايكل؛ تاريخ العرب فى السودان؛ الكتاب الأول؛ الطبعة الثانية ـــ 2013، ص 435.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...