عندما بدأت قاعدة الإسلام تتنامى ورقعته تتزايد داخل السودان في أواخر أيام مملكتي المقرة وعلوة، لم يكن تمدده يجري في وسط خالٍ من العقائد، بل كان يتوسع داخل مجتمعات مأهولة بالقداسة، ممتلئة بالأرواح، حافلة بالرموز، تحكمها منظومة من القيم والمفاهيم الراسخة في وجدان الناس، لذلك لم يتنازلوا عن أساليبهم السابقة في تسيير أمورهم، وإنما تبنوا الدين الجديد بعد أن أعادوا صياغته داخل أطرهم الثقافية القديمة. فصار محملاً بالكثير من المضامين والشعائر والطقوس الموروثة. بالدرجة التي تجعله يبدو وكأنه معتقدهم الخاص. والناظر إلى هذا التحول، لا يمكنه القول إنهم دخلوا في حظيرة الإسلام، بقدر ما أدخلوا الإسلام في حظيرتهم، جعلوه معتقداً يشبههم، بعد أن أخضعوه لعمليات تطويع وملاءمة ليكون أكثر انسجاماً مع ما عهدوه من نهج في الحياة، متوافقاً مع أعرافهم، وطبيعة مجتمعهم، وشروط بيئتهم المحلية.
وهذه التطبيع لم يقتصر فقط
على مجريات الحياة اليومية، المتمثلة في العادات والتقاليد، بل امتدت لتشمل حتى
الأسس العقائدية والأساليب الدعوية. فالنموذج الإسلامي الذي حظي بانتشار واسع في
السودان، تمثل في الطرق الصوفية، والتي ما كان لها أن تجد هذا الذيوع والتغلغل،
لولا أنها قد تبنت الكثير من عناصر موروثات الماضي، فكان من بين معتقداتها تقديس
الأولياء، وتنصيبهم وسطاء بين الخلق والخالق، وإضفاء طابع خرافي على أفعالهم، هذا
فيما يتعلق بالتصورات الإيمانية، وهو جانب مألوف في البنية الدينية القديمة التي
كانت تصل إلى حد تأليه البشر، والملوك خير نموذج لذلك. أما في مجال الدعوة
والتبشير، فقد اعتمدوا على أساليب تتناغم مع مزاج الناس، فكان خطابهم الديني،
ووسائل تقربهم إلى الله تستند إلى الترانيم والنوبة والطار وحلقات الذكر(1).
وفي هذا إعادة استخدام لأنماط من الثقافة المحلية. فكانت النوبة تدق، والطار يرن،
والأجساد تترنح، والحناجر تصدح باسم الله، وكأن الأرواح القديمة وجدت في التصوف
جسراً جديداً تعبر به إلى زمنٍ مفتوح على عالم قدسي.
ظل التداخل بين الدين والتراث
السمة السائدة في عقيدة أهل السودان. بل إن العادات والتقاليد تحمل خليطاً من كل
الأديان، فالإسلام حينما دخل إلى السودان لم يجده أرضاً جدباء، خالية من المعاني والمثل.
إنما كانت هناك عقائد وطقوس وشعائر ظلت حية في نفوس الناس لآمادٍ طويلة، وقد
انطبعت بعمق في السلوك والممارسة اليومية. نشاهدها مثلاً في تعاويذ الولادة، وفي
تقاليد الجرتق، وتشييع الميت، وكسر التربة، وغيرها من التصورات الكوشية القديمة،
التي أضافت إليها الحقب اللاحقة المزيد من الرموز والإيقونات، حيث صار من المألوف
وإلى وقت قريب ـــ وبين المسلمين ـــ أن نرى النساء عندما تتعسر إحداهن في الولادة
يتوجهن بالدعاء للسيدة مريم العذراء علها تسعفها
ببركتها وتحلها بالسلامة(2). والطفل الذي
يصل مرضه إلى مرحلة الخطر، يُرسم صليب بالكحل على جبينه، ثم تتلى على رأسه آيات من
القرآن(3)، ولا تناقض أو اعتراض، إذ إن
العقل الفطري يستحضر جميع المقدسات في لحظة الشدة والضيق، وليس من المجدي في هذه
الظروف التمييز بين المعتقد السابق واللاحق، فالأمر يتطلب الاستعانة بكل القوى
الروحية في الوقت ذاته، فمع ترديد كلمة "كُر"، يُرسم الصليب، ويتلى القرآن،
وينده الشيخ. وفي رجاءٍ واحد يرفع النداء إليهم جميعاً، علّ الاستجابة تأتي من بعضهم،
أو من تضافرهم معاً، أو من أسرعهم في اللحاق والفزع وإزالة الكرب.
وكذلك في الأفراح يُرسم
الصليب على قطعة من القماش ويعلق في غرفة العرسان، استدعاءً للملائكة وطرداً
للشياطين، ومن خلال التأويل الثقافي أكسبوا هذه التعويذة المسيحية ـــ التي لا
تخطئها عين ـــ مدلولاً إسلامياً، وذلك بتفسير الأذرع الأربعة في الرسم على أنها تمثل
مقاعد الخلفاء الراشدين(4)، في محاولة
للتوفيق بين القناعات القديمة والجديدة، لتستمر حالة التعايش المتسامح بين الماضي
والحاضر.
وما زالت دروب الحياة لا تخلو
من المظاهر المسيحية، فلدى البعض ظلت رموزها تحمل المدلول القديم ذاته، وهو ما
يعبر عنه سلوك العديد من سكان الشمال، حيث يضعون الصليب على واجهات البيوت كحرزٍ يكف العين(5)، ولا يكتفون بذلك، إذ
يرسمونه على جباه أطفالهم حين يولدون(6).
كما نجد ظلالها شاخصة في العادات الاجتماعية، فـ"عرس الكورة" من سننها
الحميدة الباقية.
أما فيما يتعلق بالقدسية التي
ظل يحظى بها الصليب، فقد استمرت حتى كاد النصف الأول من القرن العشرين أن ينقضي
دون أن يحتج عليه أحد، قبل أن تبدأ بعض الأصوات في إشهار اعتراضها على وجود هذا
الرمز المسيحي في حياة المسلمين. ولعل أول من تعرض لذلك كان أحد موظفي الاستعمار
من المصريين، فكتب مستنكراً بعض العادات التي شاهدها في السودان، ومن بينها رسم
الصليب على جبهة الطفل، وتغطيسه في الماء بصورة أقرب إلى التعميد الكنسي(7).
أما أول مواطن تناول هذا
الأمر، فقد كان القاضي الشرعي عبد الرحمن أحمد صاحب جريدة السودان التي صدرت في
عام 1934، والذي تعرفنا عليه من قبل، حين انتقد لبس الفتيات للرحط، وطالب بالإقلاع
عنه، نجده هنا وللمرة الثانية، وفي نفس الفترة يهاجم عادة رسم الصليب على جبهة المولود وعلى جدران الغرفة التي ولد فيها(8)، ويطالب بالعدول عنها. وهذا يعني أن هذه
الممارسات ظلت باقية حتى خمسينيات القرن الماضي. وكان ذلك يتم داخل بيوت ينتمي
أهلها للإسلام، ولم تقابل باعتراض من أحد، حتى ظهر خريجو المدارس النظامية التي
أسسها الاستعمار، حينها بدأت تظهر الأصوات التي تريد أن تنشئ فاصل بين الماضي
والحاضر، لم يكن الإنسان السوداني يحس بوجوده من قبل، فقد كانت حياته تستند إلى
قيم بُنيت على امتداد مدى مفتوح من التاريخ. ولم يكن ينظر إلى وجوده من خلال ثقبٍ
زمنى ضيق.
ولعل ذلك ما جسده أهل دارفور في النصف الأول من
القرن العشرين، حيث قدموا نموذجاً متفرداً للتعايش بين الأديان، يستعرض كل المعتقدات السودانية من أقدمها إلى أحدثها في تلخيص
موجز. فعند الزواج، وبعد قراءة الفاتحة إعلاناً بعقد القران، يذهب العرسان بصحبة
شيخ القرية أو إمام الجامع أو الإثنين معاً، إلى موقعٍ محدد به صخرة ذات دلالة
روحية، غالباً ـــ في عرفهم ـــ تسكنها أرواح، سواءً كانت للأسلاف أم لغيرهم من
الكائنات الغيبية، المهم في الأمر أنها قادرة على أن تحقق النفع أو تلحق الضرر،
لذلك يذبحون خروفاً تقرباً واسترضاءً لها، ثم يغمس العريس والعروس يديهما في الدم،
ويرسمان به صورة الصليب على واجهة الصخرة(9).
وتكشف هذه التوليفة من الشعائر والطقوس؛ كيف أنهم قرأوا الفاتحة لمباركة الزواج،
ثم تحرك موكبهم وعلى رأسه الإمام أو الشيخ، وقفوا أمام الصخرة المقدسة، قدموا
قربانهم للأرواح، ثم رسموا الصليب على واجهتها. كل هذه المعتقدات تتشكل في لوحة
واحدة، تعبر عن المصادر الروحية المتعددة التي يستمدون منها قناعاتهم، والتي تتمثل
في قيمهم الدينية، منذ فجر التاريخ وحتى القرن العشرين. الفاتحة، الصليب، الصخرة،
القربان. كل هذه الرموز يتم استلهامها في لحظة واحدة امتثالاً لمعتقداتهم في كل
الحقب، وهذا يدل على أن الأديان ـــ وبالذات في الواقع السوداني ـــ لم تكن في
حالة خصام مع بعضها البعض، ولم يكن إعتناق دين جديد يعني نفي القديم واقصائه عن
حياة المجتمع، فهذا الحسم القاطع، لا وجود له إلّا في التنظير الآيديولوجي، أو في
الكتب والخطب، أما في واقع حياة الناس فهناك تداخل وتعايش وتصالح دون إعراضٍ أو
نفور، وقد استمر هذا الوضع حتى النصف الأول من القرن الفائت، مما يعني أن هذا
البلد ـــ حتى هذه الفترة المتأخرة ـــ لم يشهد تدخلات خارجية يمكنها أن تضعف ـــ
ولا نقول توقف ـــ التواصل المستمر بين الماضي والحاضر.
المراجع:
1
ـــ عون الشريف قاسم؛ الإسلام والعربية
في السودان، الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 255.
2
ـــ جيوفاني فانتيني؛ إعادة إكتشاف تاريخ النوبة القديم؛
الخرطوم ـــ 2013، ص 203.
3
ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان.
ترجمة فؤاد عكود ـــ 2001، ص 164.
4
ـــ الحسيني معدّي؛ الأساطير النوبية والسودانية ـــ 2012،
ص 173.
5
ـــ محمد عوض على إبراهيم؛ بلاد النوبة أرض الحضارات ـــ
2018، ص 112.
6
ـــ تريمنجهام؛ الإسلام في السودان. ترجمة فؤاد عكود ـــ
2001، ص 176.
7
ـــ الشاطر بصيلي عبد الجليل؛ معالم تاريخ سودان وادي النيل ـــ
2009،
ص 72.
8
ـــ عبد المجيد عابدين؛ تاريخ الثقافة العربية في
السودان؛ الطبعة الأولى ـــ 1953، ص 160 ه 3.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق