الأحد، 7 يونيو 2026

تأليه الملوك

 تأليه الملوك، من أقدم المعتقدات في حضارات وادي النيل. وقد آمن أهل السودان بهذا التصور، فكان الملك في نظرهم إلهاً(1)، أو على الأقل شبه إله، يتمتع بقدرات خارقة وقوة مطلقة وإرادة نافذة، بكلمة منه عند الرضا، يمكن أن تتنزل البركات، ويعم الخير والنعيم، وبإشارة منه إذا ما غضب، يمكن أن تُمحق البلاد، وتنتشر الأوبئة والأمراض، ويعم البلاء. هكذا كان الناس يعتقدون في جبروت هذا المنصب. لذلك كانوا يخشون الحاكم خشية حقيقية، ويخضعون له خضوعاً مطلقاً. وبناءً على هذا الانقياد الأعمى، وضع الملوك أيديهم على كل شيء، استحوذوا على الأرض، وأحالوا سكانها إلى عبيد، واستولوا على مقتنياتهم، بحيث لا يحق للرعية التصرف في أي شيء إلا بإذن من صاحب الجلالة.

وقد إستمر هذا الوضع لآلاف السنين، جرى خلالها توظيف هذا المعتقد على أوسع نطاق، من أجل استعباد البشر واستنزاف مقدراتهم، فكان من أبشع صور الاستغلال التي لازمت كافة مراحل التاريخ. حتى إن الإغريق القادمين من أطراف أوروبا، عندما بسطوا نفوذهم على مصر في الفترة ما بين عامي 330 و30 قبل الميلاد تقريباً، استفادوا من هذا النهج القديم، وحكموا البلاد بنفس الأسلوب، فنصبوا أنفسهم آلهة، وأحالوا السكان إلى عبيد، وسيطروا على الأراضي والمنتجات، باعتبار كل ذلك من أملاك الإله المتجسد في شخص الملك(2).

وقد خضع السودان قديماً لهذا النمط من الاستغلال لحقبٍ طويلة، إذ أشار الجغرافي "سترابو" في القرن الأول الميلادي إلى هذا النوع من الحكم في "مروي"، فذكر أن ملوكها كانوا يتربعون على سدة الحكم بصفتهم من صنف الآلهة، وكانت الرعية تمجدهم وتمتثل لطاعتهم، بينما كانوا يعيشون في قصور معزولة تفصلهم عن عامة الناس(3). لقد كشف هذا عن التقاليد السائدة التي تميز بين الحكام والمحكومين على أساس عقائدي، ثم أضاف معلومة أخرى، تتمثل في العزلة التي كان يفرضها الملوك حول أنفسهم، فكانوا ينأون عن الاختلاط بأفراد الشعب، وهذا السلوك لا يُعد ابتكاراً خاصاً بمروي، وإنما هو تقليد راسخ ظل متبعاً في جميع المراحل االسابقة.

هذا التعالي نابع من الاعتقاد العام بأن الملك ليس إنساناً عادياً، بل كائن مقدس، من فصيلة الآلهة، وبحسب هذه القناعة، يسلمون إليه مقاليد أمورهم، ويوكلون إليه مهام تصريف شؤون حياتهم. فهو المؤهل  لأداء هذه الوظيفة بحكم تكوينه الإلهي، أو لكونه إلهاُ، ينتمي إلى السماء ويحكم الأرض، أو مفوضاً منها للنظر في أحوال سكان الأرض. فإن لم يكن إلهاً بالمعنى الصريح، فهو صاحب قدرات إلهية لا تقهر ولا ترد. ومن أجل ترسيخ هذه الفكرة، عملت الحاشية والكهنة على ملء ردهات المعابد بالتماثيل والرسوم التي تظهر الملوك في مقام الآلهة(4)، حتى يقتنع الناس بأن لهم قدسية خاصة، وأنهم يحتلون مكانةً فوق البشر، ويملكون قدرات مطلقة تمكنهم من فرض مشيئتهم، فيكون التسليم لهم شاملاً، والطاعة واجبة، لا خوفاً من سلطة الحاكم، وإنما خضوعاً لإرادة الإله.

هذه العقيدة يصنعها الكهنة ويروجون لها ويشرفون عليها، فهي وسيلتهم الأنجع للسيطرة على المجتمع. ولم يكتف هؤلاء بمنح الملوك هذه السلطة القاهرة، بل ميزوا أنفسهم أيضاً بمكانة روحية سامية تجعلهم في مرتبة أعلى من سائر البشر، بادعاء أن لهم قدرات خارقة، تمكنهم من إسباغ الراحة والأمان على من يرضون عنه، وإنزال الويل والثبور بمن يسخطون عليه. فكان السكان ينصاعون لهم ويتحاشون غضبهم. هذا على مستوى عامة الناس، أما تأثيرهم الأكبر فكان وطأته تقع على عاتق الملك نفسه، فهم الذين ينصبونه حاكماً، ثم يعلنون عنه إلهاً، وبنفس القدر يمكنهم التخلص منه، إذا ما حاد عن دربهم أو ظهرت عليه بوادر الضعف والوهن، حينها يعدون له مراسم قتل طقوسي تليق بمقامه، وعليه أن يذعن لإرادتهم ويسلمهم رقبته، يقتلونه، وينصبون ابن أخته ملكاً وإلهاً جديداً. هذا هو النظام الذي كان متبعاً في كل من كرمة ونبتة ومروي ونوباديا والمقرة وعلوة، وكان حاضراً كذلك في الثقافة السياسية لدولة الفونج، وسلطنة الفور، وربما تقلي والمسبعات.

بدأت هذه المعتقدات تتبلور منذ آمادٍ سحيقة في نطاق وادي النيل، وذلك في سياق بحث الإنسان عن معينات تحد من آثار تقلبات الطبيعة وتحميه مما يخبئه القدر. ففي إطار هذا السعي، تصور الإنسان وجود قوى غيبية تتحكم في الكون، فسعى للتقرب إليها من خلال التضرع والابتهال لبعض المظاهر الطبيعية، التي رأى فيها تجسيداً لتلك القوى المجهولة. فعبد الشمس والقمر والأنهار. ومع تطور الوعي، تشكلت لديه تصورات بدائية عن الآلهة، في هيئة رموز ذهنية قدسها بطرق ساذجة، ثم شاد لها بيوتاً على الأرض لإقامة الشعائر تقرباً إليها، وإظهاراً لمشاعر الخنوع والطاعة، لعل ذلك يؤدي إلى لجم غضبها وكسب رضاها. وفي مراحل لاحقة جرى تجسيد هذه التصورات المجردة في أشياء ملموسة يمكن التواصل معها ومخاطبتها بطريقة مباشرة عند الحاجة(5).

ومن هنا ظهرت الآلهة المقيمة بين الناس في صور حيوانات أو حجارة أو أشجار، أو أي كائن ذي دلالة خاصة. ثم أُضيف إلى هذه المنظومة بعض البشر، كفرسان الأساطير الشعبية والملوك الحماة. وتشير حكمة وردت في أحد النصوص القديمة إلى "أن الله خفي، ولذلك وجب على الناس تقديس صورته كبديل"(6). وقد أقيم لهذا البديل أماكن مخصصة للعبادة، خضعت لإدارة كهنة يحفظون أسرار العقيدة، ويشرفون على أداء طقوسها. فصارت الشعائر الدينية أكثر تعقيداً، وأبعد عن الفهم العام. وفي هذه المرحلة تداخل المقدس بالسياسي، وبرزت في هذا السياق عبادة الملوك، ولتعزيز مكانتهم أضفيت عليهم طبيعة استثنائية، ترفعهم عن الأرض وتلحقهم بالسماء، فأصبحوا في عرف الناس آلهة أو أنصاف آلهة. وتذهب بعض التصورات إلى أن الملك، وإن كان له أب معروف يحمل اسمه، فهو في الوقت ذاته ابن للإله الأكبر(7)، الذي يوصف بأنه "الخالق الذي تولد من نفسه في البدء، وصنع كل شيء ولم يصنع"(8). لذلك سعى الملوك إلى الانتساب إليه، فكان كل منهم يختار عند تتويجه اسماً يربطه بهذا الرب، ثم يحكم البلاد بصفته ابنه، وحين يدركه الموت ـــ كما يُعتقد ـــ فإنه يصعد إلى السماء ليتحد مع أبيه، وبذلك يكون قد عاد إلى الكينونة الإلهية التي ينتمي إليها(9). وقد أسهم هذا التصور الأبوي بين الإله والملك في ترسيخ وازع قوي للخضوع السياسي، إذ لم يكن الخوف موجهاً إلى شخص الحاكم بقدر ما كان موجهاً إلى الكيان الإلهي الذي يمثله. وتقوم هذه العقيدة على أن الآلهة الكبرى ليست آلهة للشعب، بل آلهة لأبنائها من الملوك، فهم وحدهم من يشيدون لها المعابد ويقدمون القرابين، ومن ثم يملكون الحق في مخاطبتها ورؤيتها. وإذا ما أنعمت الآلهة على الناس بالخيرات، فهي لا تفعل ذلك من أجلهم، وإنما حباً في ابنها الملك الذي يحكمهم(10).

وهكذا ترسخت صورة الوسيط الذي تقف ألوهيته عند هذا الحد، فينوب عن ملك السماوات والأرض(11) في تصريف شئون البشر. غير أن بعض الرؤى ذهبت أبعد من ذلك، فاعتبرت الملك إلهاً في ذاته، منزهاً عن الضعف، ومطلق القدرات(12). وسواء أكان الملك وسيطاً أم إلهاً، فهو في كلتا الحالتين كائن إلهي، ومن كان في مقامه، لا يليق به الضعف البشري. ولذلك متى ما إفتقد مظاهر القوة والحكمة، وبدت عليه أعراض الضعف والانحلال، ينبغي التخلص منه، لأنه لم يعد صالحاً لحمل صورة الرب. وكما ذكرت سابقاً، فقد بدأ هذا التقليد في أقدم ممالك وادي النيل، وظلت بقايا ملامحه حاضرة في أواخر ممالكه، لدى الفونج والفور، في دلالة واضحة على استمرارية التواصل الثقافي عبر العصور.

المراجع:

1 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.

2 ـــ ماسبيرو في عمر طوسون؛ مالية مصر ـــ 1931، ص 16.

3 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.

4 ـــ صلاح عمر الصادق؛ الحضارات السودانية القديمة ـــ 2007، ص 53.

5 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 16.

6 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 98.

7 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 88.

8 ـــ شيخ أنتا ديوب؛ الأصول الزنجية للحضارة المصرية، الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 24.

9 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 153.

10 ـــ أدولف إرمان؛ ديانة مصر القديمة؛ الطبعة الأولى ـــ 1995، ص 93.

11 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 23.

12 ـــ أسامة عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النديهة من زمن كُر

  تحتفظ الثقافة السودانية بطبقات كثيفة من الموروثات الرمزية التي تعود أصولها إلى عهود تاريخية سحيقة، وقد ظلت فاعلة في الوجدان الشعبي رغم الت...