عندما اعتنق غالبية أهل السودان المسيحية، لم يكن ذلك انتقالاً قاطعاً من منظومة عقائدية إلى أخرى، بل دخلوا إلى الدين الجديد وهم محملون بكامل تراثهم العتيق، فقد ظل الملك ـــ الذي كان يُنظر إليه في الأزمان السالفة بوصفه إنساناً وإلهاً(1) ـــ محتفظاً بمكانته ذاتها بعد التحول الديني، دون أن تُخفض مرتبته أو يعاد تعريفه وفق المفهوم المسيحي الذي يفصل بين الإله والإنسان. بل أدرج داخل المنظومة الجديدة بوصفه كائناً ذا طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، في تركيبة لا تخلو من تشابه مع تصور المسيح، كإله كامل وإنسان كامل، وإن تجاوزته عملياً، إذ ظل الناس في عبوديتهم الواقعية للملك، وإيمانهم الرمزي بالدين الجديد.
واستمرت هذه القناعة على نفس
النهج القديم، على رغم من أن المسيحية قد ازدهرت بينهم وصارت الديانة الرسمية في
الممالك السودانية الثلاث، وأضافت بعض العادات والتقاليد إلى القيم المتوارثة،
وغطت على كثير من ممارسات الماضي، وأسهمت في تشكيل القومية السودانية آنذاك، كما
حققت نوع من الوحدة الدينية تجسدت في إنشاء كنيسة خاصة بهم في القدس(2)،
تضم الزوار من نوباديا والمقرة وعلوة في مواسم الحج. من الواضح أن المسيحية كانت
تشكل محور نشاطهم الديني. ولكنها مع ذلك لم تنجح في تفكيك البنية الذهنية العميقة
التي تربط السلطة بالألوهية، فقد تكيّف الدين الجديد مع الموروث أكثر مما حل محله،
فتجاورت القيم القديمة وتعاليم المسيحية في صيغة واحدة، دون أن يشعر المجتمع
بتناقض أو حرج. أقروا لملكهم المسيحي بالألوهية، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عبدته المسيحيين. وما كان لمثل هذه التوليفة الاستثنائية ـــ المشاترة ـــ أن تستقيم، لولا
توفر ذهنية متسامحة، لا تعرف الإقصاء ولا تميل إلى القطيعة، وتمتلك القدرة على
التكيّف مع تحولات الزمن دون أن تنبذ الماضي. فمن الناحية النظرية تخلى الناس عن
معتقدهم القديم، لكنهم عملياً ظلوا أوفياء لتوجهاته العميقة. أو بالأصح لم
يستبدلوا عقيدة بأخرى، وإنما شكلوا خلطة من الأصيل والمكتسب، فمع اعتناقهم
المسيحية، استمرت عبوديتهم وولاؤهم للملك دون أن يروا في ذلك تنافر أو تعارض وعد
انسجام.
تشير المصادر التاريخية إلى
رسوخ هذا التصور على مدى زمني طويل، فقد ذكر ابن سليم الأسواني عند زيارته للسودان،
أنه وجد الناس يعاملون الملوك بصفتهم آلهة، يطيعونهم طاعتهم لله ويسجدون لهم(3). ويقول
القزويني إن النوبة يعتقدون أن ملكهم قادر على أن يُحيي ويُميت، كما أنه قادر على
أن يمنع عنهم الأذى أو يلحقه بهم، وله الحق المطلق في أن يتصرف فيهم وفي أموالهم
وأملاكهم كما يشاء(4). جاءت شهادة الأسواني في القرن العاشر الميلادي،
وأدلى القزويني بإفادته في القرن الثالث عشر، مما يعني أن مسألة تأليه الملوك، لم
تكن ظاهرة عابرة في بدايات العهد الميسيحي، ثم تراجعت بعد ذلك، إنما ظلت عنصراً
ثابتاً لازمه من البداية حتى النهاية. طيلة هذه الفترة التي شارفت على الثمانية
قرون، ظل الناس على اعتقادهم القديم، أن الملك ليس هو حاكمهم فقط، وإنما هو ربهم
أيضاً.
وهكذا تعايشت القيم المتوارثة مع
تعاليم الدين الجديد، فظل القديم ماثلاً رغم النقلة الروحية الكبيرة. وربما احتاج
الأمر إلى بعض المواءمات بين ما كانوا يؤمنون به سابقاً، وما تبنوه لاحقاً، بحيث
يضاف الجديد إلى القديم، دون أن يلغي أحدهما الآخر، ولذلك ظل الملك في نفس موضعه
السابق، رغم تعارضه مع مبادئ العقيدة الجديدة. فالقاعدة المسيحية التي تفصل بين
الملك والإله، لا تصلح في الحالة السودانية، لأن "القيصر" هنا هو "الإله"
نفسه، وبالتالي يمكنه أن يستأثر بحقه وحق الحاكم معاً، ثم يكوش على حقوق الشعب
كافة. وهذا ما كان جارياً بالفعل، فكل الأراضي في حيازته، وكل الناس تحت تصرفه
وطاعته، وبالتالي تسقط مقولة: "ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وحتى مفهوم
الثالوث "الأب والابن والروح القدس" يمكن أن يتمدد ـــ نظرياً ـــ ليضم
الملك فيصبح رباعياً، دون أن يخل بالإنسجام الثقافي السائد.
هكذا تخللت القيم القديمة الدين
الجديد وتسايرا معاً في توافق ووئام، قرابة عشرة قرون، إلى أن انهارت علوة. في كل
هذا المدى الزمني، ظل الملك إلهاً يعتنق المسيحية، وظل أتباعه مسيحيين يدينون له
بالعبودية، دون أن يستشعروا تعارضاً بين ما ورثوه وما اعتنقوه، بعد أن تكيّف المقيم
مع الوافد، وترافقا في نسيج مجتمعي واحد، مع بعض التعديلات الطفيفة التي تجعل
التوافق ممكناً.
هذا الوضع دفع الملك في دنقلا للاحتجاج لدى الخليفة العباسي، باعتبار أن
الذين باعوا تلك الأراضي هم عبيده، وأن الأراضي جزء من أملاكه، ولا يحق لهم التصرف
فيها. فأمر الخليفة بتشكيل محكمة للنظر في هذه الدعوى. وأمام هذا التطور، سعى
المشترون إلى إيجاد وسيلة تمكنهم من الاحتفاظ بالأرض، فقاموا بتلقين البائعين من
النوبة حجة يمكن أن تسقط شكوى الملك، ومفادها أن علاقة النوبة بملكهم تماثل علاقة
المسلمين بخليفتهم، وهي فكرة ذكية ومقبولة وفق المفاهيم العربية، وبوسعها أن تطمس
الفوارق الثقافية والعُرفية بين البلدين. دخلوا المحكمة مسلحين بهذه الحجة، وطرحوا
وجهة نظرهم أمام القاضي وبحضور موفد ملك المقرة، متعللين بأنهم ـــ مثل أهل مصر
ـــ ملزمون بطاعة الملك وعدم مخالفته، أما فيما عدا ذلك فهم أحرار كغيرهم من رعايا
الدولة الإسلامية. وأضافوا أنه إذا كان هناك قانون أو إجراء يجعل منهم عبيداً
لحكامهم، وينتزع منهم أموالهم وممتلكاتهم، فإنهم على استعداد للخضوع له، والإقرار
بعبوديتهم للملك، وإعادة الأراضي التي باعوها للمصريين(5).
بالطبع كانت هذه المرافعة ـــ بالنسبة لأي قاضٍ عربي ـــ مقنعة وكافية
لإسقاط دعوى الملك، والإقرار لهؤلاء الأفراد بالحرية وحق التصرف في أملاكهم. ولم
يكشف لنا المسعودي في هذه القصة عن رد ممثل الملك في المحكمة، ولكن من المرجح أنه
التزم الصمت، لأن العبودية التي تضمنتها الشكوى لم تكن قائمة على نفس المعايير
العربية، فهي عبودية اسمية وليست فعلية، فلو كانت تعني التملك الشخصي، مثلما هو
شائع لدى العرب، لكان من حق الملك أن يطالب السلطات في مصر بالقبض عليهم وردهم
إليه بصفتهم عبيد آبقين هربوا من سيدهم، تنفيذاً للاتفاقات المبرمة، لكنه لم يفعل
لأنهم في الحقيقة لم يكونوا رقيقاً، بل كانوا أحراراً وعبيداً في آنٍ واحد:
أحراراً بحكم الواقع، وعبيداً بحكم التقاليد، فالملك بالنسبة إليهم ـــ من الناحية
النظرية ـــ سيد بحكم مكانته الروحية، وهو الأمر الذي أشارت إليه الدعوى. وهذا، على ما يبدو، ما لم يفهمه المسعودي، لذلك قام بتصنيف النوبة إلى
نوعين: أهل "المريس" الذين رفضوا التنازل عن بيع أراضيهم، أو بالأصح
رفضوا الإقرار للملك بالحق في الأراضي التي تصرفوا فيها، وبناءً على هذا الموقف
اعتبرهم أحراراً فلتوا من قبضة سيدهم، وبقية سكان المقرة الذين لازالوا يعيشون
ويعملون في الأراضي التي تعتبر اسمياً في حوزة الملك، اعتبرهم عبيداً له.
ونفس هذا الرأي الذي قسم جميع النوبة إلى فئتين عبيد وأحرار، تكرر بعد ذلك
في بعض البحوث السودانية اعتماداً على وجهة نظر المسعودي(6)،
على الرغم من أنها في الغالب مجرد رؤية انطباعية لا يعتد بها، إذ إن المسعودي قد
ناقش هذه الحالة بمعزل عن سياقها التاريخي، وكأنها ظاهرة متفردة تخص النوبة وحدهم.
وربما لم يكن على علم بأن هذا النظام كان
شائعاً في وادي النيل منذ أقدم العصور، بل كان أوسع نطاقاً وأشد قسوة مما ورد في
هذه الحادثة. فقد كان الملوك في الحقب السابقة يسيطرون على كافة مناحي الحياة،
ويديرونها لصالح أنفسهم، فمثلاً في مصر قديماً، كان "كل شيء من متاع ورجال في
حوزة الملك، وكان سائر رعيته عبيداً له. وكذلك كانت الأرض والتجارة والصناعة من
ممتلكاته". وقد استمر هذا الوضع لآلاف السنين، حتى أن الإغريق الأوروبيين
عندما وطأت أقدامهم أرض وادي النيل وحكموا البلاد، في القرون الثلاثة الأخيرة من
الألفية الأولى قبل الميلاد، استفادوا من هذا الوضع إلى أقصى حد، ففي عهد
البطالمة، كانت جميع الأراضي والمنتجات ملكاً للحاكم، وحُرم المواطنون من حق
التصرف فيها(7)، تحت الزعم نفسه: أن الحاكم يجسد الإله، وأن كل ما في
البلاد ملك له.
لقد كان هذا النظام معروفاً في السودان منذ وقت باكر. وكما ذكرت سابقاً،
فقد أشار الجغرافي سترابو في القرن الأول الميلادي إلى أنه كان مطبقاً في "مروي"،
وأن أهلها كانوا يعبدون ملوكهم كآلهة، وأن هؤلاء الملوك كانوا يعيشون في عزلة داخل
قصورهم(8). وما كان يجري في مروي هو امتداد لتقليد قديم، افترعته
"كرمة"، وعايشته نبتة من قبل. وربما كانت هذه الحقائق غائبة
عن المسعودي، لذلك اعتبر عبودية الرعايا لملكهم، ظاهرة خاصة بالنوبة وفي ذلك الوقت
بالتحديد، وبناء على هذه الرؤية القاصرة، قام بتصنيف السكان إلى عبيد وأحرار،
لمجرد أن بعضهم قام ببيع أراضيه للأجانب.
ولتوضيح هذه الفكرة سوف أسترسل بعض الشيء لعلي أستطيع الكشف عن المعنى
الحقيقي لهذه العبودية. فبالنظر إلى تاريخ وادي النيل نجد أن عبودية الناس لملوكهم
كانت سمة عامة لمرحلة تاريخية طويلة، استمرت لآلاف السنين، وقد عايشها جميع سكان
الوادي في مختلف الحقب. وقد انتهت هذه الظاهرة في مصر في أواخر العهد البيزنطي، أو
مع بداية الحكم الإسلامي. بينما استمرت في السودان إلى زمن متأخر، ربما يعود إلى
نهايات العهد المسيحي، ولكنها من الناحية النظرية ظلت باقية في مفاهيم الناس حتى
أواخر دولة الفونج وسلطنة الفور. هذه هي الصورة العامة التي كانت سائدة، وعلينا أن
لا نقفز فوقها لنصدر أحكاماً على فترة محددة، أو حالة منفردة. وإذا أخذنا مسألة
العبودية للملك في سياقها التاريخي، فسنجد أنها مجرد كلمات طقوسية خالية من
المضامين العملية، فالعلاقة بين الملك ورعيته لم تكن علاقة سيد بعبد بالمعنى
الفعلي، فالرق في جوهره علاقة اقتصادية تقوم على البيع والشراء والتملك بصورته
السلعية. ولذلك لم تكن
علاقة الملك بشعبه في تلك الفترة تعني علاقة العبيد بالأسياد، فهي ليست علاقة
مادية بُنيت على دفع أثمانهم في سوق النخاسة، وإنما هي علاقة روحية تشبه علاقة
العابد بالمعبود، فالملك في عقيدة أهل ذلك الزمان كان إلهاً، أو على الأقل ـــ في
نظر الناس ـــ له قدرات إلهية، مما يجعلهم ينصاعون لمشيئته طائعين، ومن هنا سادت
القناعة بحقه في السيطرة الاسمية على الأرض وما عليها من سكان وزرع وضرع، فهو رب
كل شيء.
هذا التصور هو
ما جعل الملك يذكر في شكواه التي رفعها للخليفة العباسي أنهم عبيده، وهذا لم يكن
خطأ في سياقه الثقافي، لكنه لم يراعِ الفارق القيمي بين مفهوم العبودية في مجتمعه
ومفهومها عند العرب. فمصطلح عبيد المستخدم في تحديد نوع العلاقة بين شعب النوبة
والملك لم يكن يحمل نفس الدلالة العربية، فهم ليسوا من ممتلكاته، وإنما تربطه بهم
علاقة أشد رسوخاً ووثوقاً من علاقة العبد بسيده، لأنها تقوم على الاعتقاد والولاء لا
على البيع والشراء.
وبذلك يتضح أن
ما ورد في هذه القصة لا ينبغي أن يُتخذ أساساً لإصدار أحكام قاطعة حول طبيعة النظم
الاجتماعية، وأشكال الملكية وعلاقات الإنتاج في النوبة، كما لا يصح الاستناد إليها
لتعميم حكم على شعب بأكمله بأنه كان خاضعاً للرق بالمعنى الحرفي. إذ لا يعقل أن
يقوم شخص واحد ـــ مهما كانت مكانته ـــ باستعباد أمة وتسخيرها لخدمته، فالمعلومة
التي تسقط الحرية عن جميع السكان لا تستقيم مع المنطق ولا مع الواقع التاريخي،
فضلاً عن أنها لم ترد إلا عند المسعودي، إذ لم يشر إليها غيره من الرحالة
والمؤرخين، فلم يتطرق إليها الأسواني ولا ابن حوقل وهما قد جابا السودان، وزارا
أهم مواقعه الإدارية في زمانهما، كما أن غيرهما ممن سمع وكتب عن تلك الفترات لم
يشر إلى ذلك، بل اتفقوا على أن الملك كان سيداً معبوداً وأن الرعية كانت تسجد له(9)،
وهو ما يوضح طبيعة العبودية المقصودة.
من كل ذلك
يمكننا القول أن صورة الملك المؤله ظلت قائمة حتى بعد اعتناق المسيحية، وأن
الموروث العقدي القديم استمر في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي، على الرغم من
التحول الديني الظاهري، وهذه سمة أصيلة لازمت النقلات الكبرى في هذه البلاد.
المراجع:
1 ـــ أسامة
عبد الرحمن النور؛ دراسات في تاريخ السودان القديم ـــ 2006، ص 113.
2 ـــ يوسف فضل؛ تاريخ السودان
وأفريقيا؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 1989، ص 116.
3 ـــ الخطط المقريزية؛ الجزء الأول؛ الطبعة الأولى ـــ 1998، ص 356.
4 ـــ القزويني؛ آثار البلاد وأخبار
العباد؛ دار صادر ـــ بيروت، ص 25.
5 ـــ المسعودي؛ مروج
الذهب؛ الجزء الثاني؛ الطبعة الخامسة ـــ 1973، ص 22.
6 ـــ تاج
السر عثمان؛ تاريخ النوبة الإقتصادي الإجتماعي؛ الخرطوم ـــ 2003، ص 27.
7 ـــ ماسبيرو في عمر طوسون؛ مالية
مصر ـــ 1931، ص 16.
8 ـــ سترابون؛ الجغرافيا، الجزء
الثاني؛ الطبعة الأولى ـــ 2017، ص 386.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق