لم تقتصر ظاهرة تأليه الملوك على الأزمنة الموغلة في القدم، ولا على الأديان المحدودة والمجتمعات المغلقة، بل ظهرت بعض هذه التصورات في سياقات عربية لاحقة، وذلك ليس في الفترات التي سبقت الإسلام، بل بعد أن تأسست أركان دولته بعدة قرون. فبينما بدأت الدعوة الإسلامية في أوائل القرن السابع الميلادي، برزت دعوات ذات طابع باطني، تؤسس لتقديس الحكام في مطلع القرن الحادي عشر، وتحديداً في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي. ففي عام 1017 ظهرت في مصر طائفة دينية دعت إلى اعتبار الحاكم إلهاً(1).
وكانت
لهذه الجماعة منطلقات عقائدية ورؤى فلسفية بنيت عليها أطروحاتهم، ولديهم شروح توضح
الأسس المنهجية والمبادئ الفكرية التي تقوم عليها دعوتهم. فمحور تنظيراتهم ترتكز
أساساً على فرضية "الحلول"، وهو المفهوم الذي يقوم على تصور إحلال الصفات
الإلهية في البشر، بدءاً من آدم مروراً بالأنبياء وصولاً إلى النبي محمد، ثم
استمرار هذا الحلول في نسله. وبما أن الخلفاء الفاطميين ينسبون أنفسهم إلى بيت
النبوة، فقد اعتبرت هذه الطائفة أن الألوهية قد حلت فيهم، وهو الأساس النظري الذي
قامت عليه دعوتهم.
غير
أن الحاكم بأمر الله لم يكن في حاجة فعلية إلى هذا المستوى من التقديس، إذ كان قد
حصن موقعه السياسي والديني منذ البداية، من خلال تقديم نفسه بوصفه حاكماً مفوضاً
من الإله، وهو ما انعكس بوضوح في لقبه الرسمي. وبذلك أضفى على قراراته طابعاً
دينياً يجعل الاعتراض عليها خروجاً على الإرادة الإلهية، ووضع نفسه في منزلة
تتجاوز عامة الناس، أو بالأصح نصب نفسه وسيطاً بين السماء والأرض، فاستغل اسم
الإله ووضع نفسه في الموقع الذي يجعل أوامره مطاعة وإرادته نافذة. وهذه الدعوة لم
تكن لتضيف صلاحيات جديدة إلى السلطات التي انتزعها من خلال لقبه المقدس، ومع ذلك،
فقد رحب بهذه الدعوة واحتضن أصحابها وبذل لهم المال، وسمح لهم بنشر أفكارهم داخل
المجتمع، بما في ذلك مخاطبة المصلين في المساجد. فبدأوا بنشر أفكارهم من خلال
الجامع الأزهر، إلّا أن أطروحاتهم لم يكن مرحباً بها، إذ رأى فيها كثير من الناس
محاولة لتعميق استبداد السلطة، وزيادة ثقل وطأتها عليهم، فجوبهت برفض واضح، وأمام
هذا الاعتراض، اضطر دعاتها في النهاية إلى مغادرة مصر.
وقد
استمرت هذه الدعوة في بعض أقاليم المشرق العربي، وارتبطت لاحقاً بالطائفة المعروفة
اليوم بـ"الدروز"، في بلاد الشام(2)، وهي جماعة انشقت عن
التشيع وسلكت مساراً باطنياً خاصاً، اتسم بالمبالغة في تعظيم الشخصيات الدينية
والسياسية، وصولاً إلى إضفاء صفات فوق بشرية على الحكام. بوجه عام، يمكن القول إن
نزعة تقديس الحكام لم تقف عند هذا الحد، بل أعادت انتاج نفسها في صور رمزية ولغوية
مختلفة في العصور اللاحقة من خلال الألقاب والتشريفات التي تطلق على الرؤساء
والزعماء، وهي عملية مستمرة تهدف إلى ترسيخ الطاعة والخنوع، وإضفاء بعد ديني على
النشاط السياسي.
قد
يبدو نظرياً أن هذا الوضع قد تجاوزته المجتمعات، وبالذات في الدول التي تدعي
ممارسة الديمقراطية، ولكن في الواقع، فإن وسائل إعلامها غالباً ما تكرس عقيدة
تقديس الحكام، فتغرق أسماء الرؤساء بألفاظ التعظيم والتمجيد. نسمع في الاذاعة أن
صاحب الجلالة قد افتتح زريبة فحم في السوق الشعبي، مع أن الجلالة في معناها المطلق
لا تليق إلّا بالإله. غير أن هذه الأوصاف تستخدم بلا حرج في إطار التوظيف السياسي.
فحين تنسب "الجلالة" إلى بشر، تُفرغ اللغة من معناها، ويختزل المطلق في
المحدود، ويرفع العادي إلى مرتبة المقدس. وأحياناُ قد يتقاصر اللسان استحياءً عن
لفظ الجلالة، إلّا أنه لا يتواني في ترداد ألفاظ أقل بريقاً مثل: صاحب الفخامة، أو
صاحب السمو، أو السعادة. وهي إيحاءات تشترك جميعاً في استدعاء علاقة الإذعان
والخضوع، بين الحاكم والمحكوم، وفي ذلك استرجاع للماضي وتجلٍ للرواسب القديمة.
هذه الألقاب التي تُلتصق
بالحكام ليست مجرد زينة لغوية أو أعراف بروتوكولية، بل هي أدوات أيديولوجية تعيد
إنتاج الرضوخ والطاعة في الوعي الجمعي. هكذا تمارس السلطة نفوذها، لا بالقوة وحدها
بل بالكلمات، حيث يلعب الإعلام دور الكهنة، فيرفع الحاكم إلى معبود رمزي، ويتحول
الجمهور إلى جماعة مستلبة تتلقى وتصدق وتصفق، فتستمر عبادة الملوك والحكام التي
عرفتها الحضارات الأولى، وظلت ماثلة بصور مختلفة عبر الزمن، ولا تزال تؤدي وظيفتها
السياسية في عالم اليوم، بنفس الشكل القديم، ولكن بمساحيق جديدة.
المراجع:
1
ـــ المقريزي؛ كتاب السلوك؛ الجزء الأول؛ القسم الثالث
ـــ 1939، ص 902 ه 3.
2
ـــ محمد جمال الدين سرور؛ موسوعة تاريخ مصر عبر العصور
ـــ 1993، ص 267.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق